انعكاسات جولة “بلينكن” في منطقة الشرق الأوسط

بدأ وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن جولته بمنطقة الشرق الأوسط في توقيت لافت في خضم الأزمة الأوكرانية وتبعاتها المستمرة حتى تاريخه على كافة الأصعدة، بدأها بزيارة شرق أوسطية إلى إسرائيل الأحد ٢٧ مارس الماضي، اجتمع خلالها بوزراء خارجية أربع دول عربية، هما مصر والإمارات والمغرب والبحرين، واصلها بأخرى مغاربية بين المغرب والجزائر، في إطار سعي واشنطن للحصول على دعم شركائها في المنطقة في قراراتها لمواجهة الهجوم الروسي على أوكرانيا، وغيرها من الملفات الملحة على الطاولة، مثل الملف النووي الإيراني.

وعلى هذا، يناقش هذا التحليل انعكاسات الزيارة على تداعيات الأزمة الأوكرانية، والتي قد تتعدد مع اختلاف محطات وزير الخارجية الأمريكي هذه المرة.

زيارة مفاجئة:

بدأ وزير الخارجية الأمريكي جولته بعد انتهاء زيارته إلى بولندا رفقة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والتي بدأها بإسرائيل، وفيها التقى خلافا للاجتماع الرئيس بوزراء خارجية مصر والإمارات والمغرب والبحرين بالرئيس الفلسطيني عباس أبو مازن في رام الله، وأيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، ثم واصل جولته بزيارة إلى المغرب، التقي خلالها بولي عهد أبوظبي، لينتقل بعدها إلى الجزائر.

وتناولت الزيارة _ إلى جانب محادثات حول القضية الفلسطينية _تحديد موقف أكثر جدية من قبل هذه الدول تجاه العدوان الروسي على أوكرانيا، ودعم جهود حلف الناتو وواشنطن في مواجهة موسكو، خاصة بعد التبعات الاقتصادية التي أعقبت الأزمة من ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية وغيرها نتيجة الاعتماد على روسيا وأوكرانيا بشكل كبير في كثير من الصادرات، بالإضافة إلى تهديد تقلص إمدادات الغاز الروسية إلي أوروبا، مع إصرار موسكو على تصدير الغاز بالروبل الروسي دعما له.

إلا أن توحيد دول المنطقة وراء قرارات واشنطن ضد روسيا لم يكن بالتأكيد السبب الوحيد وراء تلك الجولة التي استغرقت عدة أيام، فهناك ملفات عدة كانت على طاولة الحوار تختلف باختلاف الدولة المستضيفة والأطراف الحاضرة.

ملفات ملحة:

من الممكن أن يكون بلينكن تطرق خلال جولته إلى عدة ملفات، أهمها:

(*) زيارة إسرائيل: قد يعتبر الهدف الأساسي من زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى إسرائيل، ولقائه بممثلي الدول العربية الأربع، هو تطمين هذه الدول بشأن الاتفاق النووي الإيراني الذي أكد مسئولون غربيون أنه على مشارف التوقيع، مثلما أكد جوزيف بوريل وزير خارجية الاتحاد الأوروبي التوصل إلى صيغة متوافقة حول الاتفاق النووي، بعدما بدت إيران حريصة على توقيع الاتفاق أكثر من ذي قبل بعد التلكؤ الأمريكي مؤخرا نتيجة ضغوط الكونجرس الأمريكي ووصفه للاتفاق النووي بـ ” الضعيف “، وهو ما يثير مخاوف إسرائيل والدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص، خاصة بعد ورود تقارير عن إصرار إيران على إزالة الحرس الثوري الإيراني من على قوائم الإرهاب، واحتمالية موافقة واشنطن على ذلك لتمرير الاتفاق النووي، بعد أن أزالت الحوثيين أيضا في وقت سابق من على قوائم الإرهاب، مما أدى بعد ذلك إلى استهداف الحوثيين لمواقع حيوية في الإمارات والسعودية أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، على رأسها مؤسسة أرامكو السعودية.

وعليه، فقد تسعى واشنطن لتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل والدول الخليجية لضمان وقف التصعيد بعد الهجمات التي تعرضت لها السعودية والعراق مؤخرا، لذا قد تكون واشنطن ضغطت على الحوثيين لإيقاف الهجمات على السعودية، والاتفاق على هدنة في اليمن بالتزامن مع زيارة بلينكن للمنطقة. وأيضا محاولة إقامة توازن بين الحاجة إلى توقيع الاتفاق النووي بأي شكل كان وبين عدم إزالة الحرس الثوري من على قوائم الإرهاب، حتى لا تظهر بمظهر الداعم للإرهاب في المنطقة. أما عن مسألة إثناء الولايات المتحدة عن توقيع الاتفاق النووي مع إيران أو إدراج الحوثيين على قوائم الإرهاب مرة أخرى فلا يرجح أن تكون محل نقاش أصلا خلال اللقاء، على الأقل من جانب واشنطن.

كما قد تكون المناقشات التي جرت في إسرائيل قد تطرقت إلى ملف الغاز- أي الرغبة في زيادة صادرات الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا في إطار السعي إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي. وفي نفس الوقت التصدي لاتهامات الجمهوريين بسعي بايدن لتخريب اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.

ورغم غياب السودان عن الاجتماع، ولكن قد يكون مرده للخلافات بين واشنطن والخرطوم، إلا أنه يبدو أن هناك لاعبين غير مباشرين في الاجتماع مثل تركيا وقطر والسعودية، وهو ما يفسره اجتماع وزير الخارجية القطري مع نظيره المصري في مصر عقب وصوله من إسرائيل، وورود أنباء عن إجراء وزير الخارجية الأمريكي اتصال هاتفي مع نظيره السعودي.

(*) زيارة المغرب: هذه الزيارة التي تمت بحضور ولي عهد أبوظبي يتوقع أن تكون سادتها محادثات حول الموقف الخليجي من الأزمة الأوكرانية بوجه عام، وبالتحديد زيادة إنتاج النفط الخليجي، وإقناع دول أوبك بذلك، وبالأخص السعودية، بعد أيام من إعلان بايدن خلال زيارته بروكسل عن نيته في تقليل اعتماد الاقتصاديات الأوروبية عن مصادر الطاقة الروسية. وباعتبار أن المغرب حليف معروف للولايات المتحدة بعد موقف الأخيرة من الصحراء من ناحية، ومن ناحية أخرى الإمارات والمغرب اشتركتا في اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، وبالتالي قد تسهم المغرب في تقريب وجهات النظر الأمريكية الإماراتية، وصولا إلى الخليج عامة وعلى رأسه السعودية.

كما قد توضح الولايات المتحدة خلالها استيائها من موقف المغرب إزاء الغزو الروسي لأوكرانيا بعد أن غابت عن جلسة التصويت ضد روسيا في موقف غير مسبوق، بعدما قدمته واشنطن من دعم لافت خلال السنوات الأخيرة للرباط في ملف الصحراء والتسليح. كذلك السعي لدفع المغرب للتهدئة مع الجزائر.

ولكن اللافت في الأمر، هو تكرار الظهور الإماراتي على مستويات مختلفة في جولتي بلينكن في إسرائيل والمغرب، وهو ما قد يدعم هذا الطرح بأن الزيارة الأولى كان الغرض منها مشاركة الحلفاء تخوفهم من الاتفاق النووي ونقل المطالب الخليجية إلى الإدارة الأمريكية، أما الأخرى فهي تتعلق بزيادة إنتاج النفط والغاز بالتنسيق مع السعودية أيضا.

(*) زيارة الجزائر: أتت زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى الجزائر بعدما تم التمهيد لها بزيارة لنائبته ويندي شيرمان لزيادة للضغط على الجزائر بزيارة شخصية أخرى أكثر ثقلا، مما يشير إلي أهميتها بالنسبة للإدارة الأمريكية.

وكانت الجزائر أخر محطات بلينكن في المنطقة، بل وأصعبها بكل تأكيد، حيث أتت كمزيجا من الضغط والوساطة، فمن ناحية سيحاول الضغط على الجزائر لضخ كميات أكبر من الغاز إلى أوروبا، باعتبارها أحد منتجي الغاز الأساسيين على مستوى العالم، بعد أن ورد الطلب نفسه في وقت سابق أثناء زيارة وزير الخارجية الإيطالي إلى الجزائر منذ أيام، ومن ثم فهي مهمة صعبة بعد اعتراف واشنطن في عهد ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، والتي أيدتها فيها إسبانيا مؤخرا بعد حديث عن تنسيق مع واشنطن للضغط على الجزائر في ملف الغاز، لا سيما وأن وزير الخارجية الإسباني زار واشنطن قبل جولة بلينكن، بالإضافة إلى قوة العلاقات الروسية الجزائرية تاريخيا على المستوي السياسي والاقتصادي والعسكري، حيث تعتبر الجزائر الأولى عربيا وأفريقيا في استيراد الأسلحة والمواد الغذائية الروسية، وبناءا على ذلك لم تصوت على قرار إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وقامت بتكذيب أخبار نشرت عن نيتها زيادة إنتاج الغاز المصدر إلى أوروبا حتى لا تتوتر علاقاتها بروسيا.

ولموازنة الضغط، قد تحاول واشنطن الوساطة _ بغض النظر عن نتائجها _ بين المغرب والجزائر بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، والحث على إعادة تشغيل خط الغاز بين المغرب والجزائر الواصل إلى أوروبا، ولكن لا يتوقع تطور ملحوظ في هذا الشأن، لأنه ببساطة لم يتضح ما ستقدمه واشنطن كمقابل للجزائر بعد تضحيتها بعلاقاتها مع روسيا لصالح الولايات المتحدة التي لم تأتي قراراتها في صالح الجزائر البتة. وإذا كانت واشنطن ستعمل على إقناع الجزائر بقبول وضع الصحراء باعتباره الأكثر ضمانة للأمن والاستقرار، والقبول بالمشاركة في الموائد المستديرة من أجل التسوية بمقتضى قرار مجلس الأمن، وعلى هذا لا يتوقع أن تأخذ الجزائر موقفا معاديا لهذه الدرجة مع روسيا المتوقع أنها شارفت على إنهاء حربها في أوكرانيا.

وفي النهاية يمكن القول، إن زيارة وزير الخارجية الأمريكية للمنطقة قد تحقق أهدافها على مستوى الاتفاق النووي، وطمأنة حلفائها المتخوفين منه في المنطقة، ولكن لا يمكننا قول الشئ نفسه بالنسبة للجزائر التي لا يتوقع منها أن تتعاطي مع المطالب الأمريكية بسهولة كما أسلفنا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى