لماذا تتقشف الحكومة المصرية في موازنة 2022\ 2023؟

تتوالى الانعكاسات الاقتصادية العالمية للحرب الروسية الأوكرانية، فلم تقتصر فقط على موجات الارتفاع الملحوظ فى الأسعار، وصعوبات سلاسل التوريد العالمية، وأزمات فى مجال الطاقة، بل توسع الأمر ليشمل انعكاسات أخرى على موازنات دول العالم، فلأول مرة يوافق زعماء الاتحاد الأوروبي على موازنة تقشف للسنوات السبع المقبلة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد.

 ولم تكن مصر بمعزل عن تلك الانعكاسات، حيث أعلنت الحكومة المصرية عزمها اتخاذ إجراءات تقشفية ضمن قرارها بإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة في محاولة لاحتواء أثار الحرب- وتأسيسا على ما سبق، نستعرض في هذا التحليل أسباب وملامح الموازنة المصرية العامة التقشفية للعام المالى 2022\2023 ، ومستهدفاتها، وانعكاساتها على المواطن المصرى.

مبررات واقعية:  

قُدرت الموازنة الحالية 2022/2021 على متوسطات للأسعار تغيرت بشكل كبير مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فقد كان متوسط سعر النفط يدور ما بين 60 و65 دولارا للبرميل، والآن تجاوز سعره حاجز الـ 100 دولار عند إعداد موازنة 2023/2022، كذلك الحال بالنسبة لفاتورة واردات مصر من القمح، التى سبق وأن قدرت عند 255 دولارا للطن، بينما تجاوز سعره حاليا أكثر من 1000 دولار، حيث تعد مصر من اكبر المستوردين للقمح فى العالم باستيراد حوالى 80% منه من دولتي روسيا وأوكرانيا، وتحمل فاتورة دعم الغذاء موازنة مصر الكثير من الأعباء.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار عالميًا سيضغط ذلك بشدة على الموازنة وستتكلف مصر ما يقرب من مليار أو مليار ونصف المليار دولار إضافية. ومازال المشهد متوتر ويصعب التنبؤ به، فى الوقت الذى يصعب فيه رفع مستوى الإيرادات الحكومية المصرية مع تراجع الإيرادات السياحية، حيث يعتبر قطاع السياحة من أكبر القطاعات تضررا لأن هناك حوالى 34 % من عمليات السياحة الوافدة تأتي من روسيا وأوكرانيا، وهو ما سيؤثر على الموارد المصرية من العملة الأجنبية، وسيلقي بظلاله السلبية علي الاحتياطي الأجنبي، كذلك انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، هو قد ما يؤدى إلى ارتفاع فاتورة سداد الدين، هذا يحدث فى ظل صعوبات سلاسل الإمداد العالمية وتضرر التجارة الدولية.

ملامح الموازنة 2022\2023:

أدخلت الحكومة بعض التعديلات على مشروع الخطة والموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل 2022\2023 بما يتواءم مع الضغوط المالية التى فرضتها التطورات الاقتصادية العالمية والمحلية، حيث وافق مجلس الوزراء المصري برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، على مشروع الموازنة العامة التقشفية للدولة للعام المالي 2022/2023، وتعرف سياسات التقشف، بأنها تلك السياسات التي تهدف إلى الحد من العجز في موازنة دولة ما- أي الفرق بين ما تنفقه الحكومة وما تحصّله من إيرادات، وتشمل تدابير التقشف مزيجًا من إجراءات تخفيض الإنفاق العام وزيادة الضرائب.

 كل ما سبق ذكره يحدث مع ترتيب للأولويات، بحيث تكون لتوفير برامج للحماية الاجتماعية المتوقع زيادتها خلال الفترة المقبلة، حيث خصصت الموازنة الجديدة للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية مبلغ 2.332 مليار، مقابل 321 مليار جنيه فى موازنة العام الحالى، كذلك أوجه الإنفاق الخاصة بالتعليم والصحة، كما سيتم من خلال تلك الموازنة رفع مخصصات الرواتب من 361 مليار جنيه إلى 400 مليار جنيه، وزيادة المعاشات بنحو5.38 مليار جنيه، وزيادة حد الإعفاء الضريبي 8 مليارات جنيه، وضم 450 ألف أسرة ببرنامج تكافل وكرامة بمبلغ 7.2 مليار جنيه.

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، تضمنت الموازنة 95 مليار جنيه لدعم السلع التموينية ورغيف العيش فى ظل التغيرات العالمية فى أسعار القمح. كذلك ضبط الإنفاق العام بنسب تتراوح بين 20-50% على البنود غير الأساسية، بل والتقشف فى بعض البنود مع توجيه عوائد تلك الإجراءات إلى المشروعات التنموية ذات المردود المباشر على المواطن. هذا فضلا عن توجيهات فخامة السيد الرئيس بتكليف وزير المالية بوضع 130 ملياراً كاحتياطي بالموازنة لمواجهة التحديات القادمة كخطوة استباقية.

كما قررت الحكومة حظر السفر للخارج، وكذلك المرؤوسين بالوزارات والهيئات التابعة إلا في حالات الضرورة القصوی، وضمان تطبيق أسس الحوكمة في عملية الإنفاق الحكومي من العملات الأجنبية. وقد بدأت وزارة الكهرباء والطاقة وضع خطة تقشفية بناءً على قرار مجلس بضرورة تنفيذ إجراءات تقشفية بكل الوزارات والهيئات الحكومية ترشيدًا للإنفاق، حيث أن أغلب الهيئات والشركات التابعة للوزارة بدأت إعادة النظر في كل مشروعاتها، خاصة التى يتم تنفيذها بالدولار أو العملات الأجنبية، وترتيب الأولويات بالنسبة لتلك المشروعات.

أما على جانب الإيرادات العامة المتوقعة لتلك الموازنة، فتركز الحكومة المصرية على رفع مستوى الإيرادات دون فرض أعباء ضريبية جديدة على المواطنين تقديرا للأوضاع الاقتصادية الصعبة التى يعيشها العالم. وذلك عن طريق إعادة النظر فى المنظومة الضريبية ومحاولة مكافحة التهرب الضريبى، ودمج القطاع غير الرسمى بالقطاع الرسمى، والتحول الاليكتروني فى دفع الضرائب، هذا بالإضافة إلى إعادة هيكلة الأصول المالية للدولة لتعظيم إيراداتها.

والجدير بالذكر إنه على الرغم من محاولات الحكومة خفض عجز الموازنة إلى 6.1%، خلال العام المالي الحالي، وتحقيق السياسات المالية للحكومة نتائج جيدة، إلا أن هناك توقع بأن يرتفع العجز إلى 6.9% نتيجة تداعيات الحرب، وارتفاع تكلفة توفير السلع.

مستهدفات الموازنة التقشفية:

ارتكزت توجهات الخطة المالية للعام 2022\2023 على أولويات رؤية مصر 2030 والمتمثلة فى ترابط وتكامل أبعاد التنمية المستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والتركيز على القضايا الملحة (تنمية الأسرة، تغيُّر المناخ، الأمن المائي، الشمول المالى)، وتمثلت توجهات الخطة نحو تحسين جودة حياة المواطنين.

كما أن ركائز الموازنة العامة للعام المالي 2022/2023 تتضمن دفع جهود الحماية الاجتماعية، والتركيز على دفع أنشطة التنمية البشرية (الصحة والتعليم)، والحفاظ على استدامة الانضباط المالي والمديونية الحكومية وتحقيق الاستقرار المالي، ومساندة ودعم النشاط الاقتصادي، خاصة قطاعات الصناعة والتصدير، بالإضافة إلى دعم النمو الذي يقوده القطاع الخاص، وتوسيع القاعدة الضريبية، هذا في ضوء خفض مصر لتوقعات النمو الاقتصادي للسنة المالية المقبلة 2022-2023 إلى 5.5%، مقارنة مع توقعات سابقة بنسبة 5.7% كانت قبل اندلاع حرب أوكرانيا. هذا بالإضافة إلى خفض عجز الموازنة إلى 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وخفض نسبة دين أجهزة الموازنة إلى نحو 80.5%.. بالتوازي مع ما سبق ذكره تسعى مصر إلى خفض عجز الموازنة خلال العام المالي المقبل 2022 -2023 إلى 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي  وهو ذاته مستهدفها في مشروع الموازنة قبل التعديل.

شكل رقم (1) مستهدفات موزانة مصر للعام المالى 2022\2023

احتمالات تخفيض معدل التضخم:

تهدف عادة الموازنات التقشفية إلى محاولة السيطرة على الأوضاع الاقتصادية فى ظل الأزمات والتوترات السياسية أو الاقتصادية. وقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى إصابة اقتصادات العالم بصدمة أقرب إلى الركود التضخمى. وفى مثل تلك الظروف تكون السياسات النقدية والمالية متحدة فى الهدف، وهو مواجهة التضخم والحد منه مع محاولة عدم الإضرار بالمستوى المعيشي للمواطنين وتحميلهم بمزيد من الأعباء. وقد جاءت الموازنة المصرية للعام المالى 2022\2023 بهدف خفض مستوى السيولة فى الاقتصاد، والحد من أوجه الإنفاق العام فى بعض البنود غير الأساسية، دون البعد بشكل كبير عن معدل النمو الاقتصادى المستهدف.

يذكر أن مصر شهدت مصر موجة تضخمية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع معدل التضخم السنوي في مصر ليبلغ 10 % لشهر فبراير 2022، مسجلا النسبة الأعلى منذ منتصف عام 2019، مرجعاً الزيادة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 20,1 %، وعلى رأسها الخضروات والفاكهة والخبز والحبوب. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أسباب هذه الزيادة ترجع إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة متأثرة بارتفاع التضخم عالميا، وكذلك زيادة أسعار السلع محليا نتيجة زيادة الطلب، وبالتالي قد يكون التضخم سببه عوامل خارجية وداخلية.

ويأتي إعلان مصر موازنة تقشفية كمحاولة لاستيعاب الآثار الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية، بما قد يسهم فى الحد من التضخم ولكن لا تسيطر عليه بشكل كامل، خاصة أن جزء كبير من ارتفاع الأسعار وليد تداعيات خارجية يصعب التحكم بها.

أما المواطن المصري، فقد حاولت الحكومة المصرية تخفيف ما عليه من أعباء رغم ما تمر به اقتصادات العالم ومنها مصر، حيث أعلنت وزارة المالية مؤخرا بشأن صرف زيادات في الأجور والمعاشات في إطار حزمة من الإجراءات المالية والحماية الاجتماعية، بقيمة إجمالية بلغت 130 مليار جنيه، وهي خطوة، تأمل الحكومة المصرية أن تسهم في التعامل مع تداعيات التحديات الاقتصادية الراهنة.

كما أعلنت وزارة المالية المصرية تخصيص 190.5 مليار جنيه للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لصرف هذه الزيادة في المعاشات، وأشار الرئيس السيسي إلى أن برنامج “تكافل وكرامة” لمساعدة الطبقات الفقيرة يضم حاليا 3.7 مليون أسرة، بتكلفة إجمالية تصل إلى 19.5 مليار جنيه، بينما تعمل الدولة على زيادة عدد المستفيدين منه خلال المرحلة المقبلة.

كما جاءت قرارات البنك المركزي الأخيرة بشأن رفع سعر الفائدة بنسبة واحد % على الإقراض والإيداع لتصل إلى نحو 10 %، واستحداث ودائع ادخارية جديدة تصل الفائدة فيها إلى نحو 18 %، يهدف إلى “سحب السيولة النقدية من الأسواق”، ومن ثم مكافحة التضخم وارتفاع الأسعار.

وأعلنت الحكومة المصرية عن عزمها التصدي لأية ممارسات غير مقبولة تتعلق باحتكار أو إخفاء أي سلع، أو فرض زيادة غير مبررة على أسعار بعض السلع في ظل هذه الأزمة الحالية، ووجهت المحافظين بضرورة التأكد بصفة مستمرة من أن الأسعار المطروح بها السلع تعتبر أسعارا عادلة، وأنه لا توجد أي مبالغة أو مغالاة في تلك الأسعار.

فى النهاية، يمكن القول إن إعلان خطة مالية انكماشية، هو إجراء اقتصادى متوقع فى ضوء ما تمر به اقتصادات العالم من آثار سلبية ناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية. هذا فى الوقت الذى تضع فيه الحكومة المصرية الأولوية لتوفير برامج للحماية الاجتماعية، إلى جانب اتخاذ ما يلزم لتحقيق الانضباط المالي الكامل فى الإنفاق.

وقد تسهم الإجراءات المصرية الاقتصادية فى السيطرة نسبيا على معدل التضخم والحد من ارتفاعه، ولكن يصعب عليها التحكم به بشكل كامل نظرا لكونه فى الأساس ناجم عن أزمة عالمية يرتد صداها على كافة دول العالم ومنها مصر.

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى