تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على الأزمة السورية

يتزايد تفاقم وتعقد الأوضاع في كييف، مع استمرار العملية العسكرية التي أطلقتها روسيا على أوكرانيا، في ظل هذه الحرب تتوتر العلاقات بين موسكو وواشنطن، الأمر الذي أصبح يهدد اليوم الترتيبات الثنائية بين الطرفين، لاسيما التفاهم الأخير حول بعض الملفات الشرق أوسطية، والقمة التي جمعت ما بين الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ونظيره الروسي “فلاديمير بوتين” في يونيو 2021، وتوصلهما إلى توافق مبدئي تجاه الملف السوري. 

وبعد مرور 11 عامًا على الثورة السورية، باتت الأزمة الأوكرانية تنذر اليوم بمزيد من التوتر في الملف السوري، بين الأطراف المتداخلة في الصراع، حيث إن التفاهمات ما بين روسيا وأطراف الناتو “الولايات المتحدة وتركيا” قد تتهدد بالفشل في سوريا، وما بين بوتين وبشار من ناحية، وبايدن وحلفائه من قسد، وأردوغان وحلفائه من المعارضة السورية المسلحة، والعداء الإيراني الإسرائيلي، قد تبقى سوريا اليوم ساحة للتوتر الذي نشب بين روسيا والناتو، من جراء الصراع الروسي الأوكراني.

ويسعى هذا التحليل لتفسير الأوضاع الحالية مع الذكرى الـ 11 للحرب الأهلية في سوريا، وتوضيح آثار الأزمة الأوكرانية وتداعياتها على الملف السوري، بعدما احتل الصراع بين موسكو و كييف اهتمام العالم، بما ينعكس على العلاقات بين أطراف الصراع بسوريا.

التدخل السوري:

ترتبط وتتداخل معظم الأزمات الإقليمية والدولية، ومهما تباينت أو تباعدت مناطقها يظل لكل منها آثار متعددة ومتبادلة فيما بينهم، وقد كان موقف الحكومة السورية من الأزمة الأوكرانية مؤيدًا للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، سواء بتدعيمها لـ “موسكو” في تصويت الجمعية العامة لدى الأمم المتحدة، أو اعتراف دمشق باستقلال جمهوريتي لوهانسك ودونيتسك، بالإضافة إلى دعم إقليم “دونباس” ماديًا عسكريًا، حيث قامت سوريا بتقديم ما يعادل 110 طن من السلع في إطار مساعداتها لهم، ولذلك فإن انخراط “الأسد” في الأزمة الأوكرانية قد أدى إلى تحويل سوريا بشكل كبير لخط  دفاع روسي، وقد ينعكس ذلك بشكل كبير على الملف السوري سلبيًا.

من جانب آخر فقد استخدمت موسكو سوريا كأداة في مواجهة توتر علاقاتها مع دول الناتو، في زيارة وزير الدفاع الروسي “سيرجي شويجو” إلى قاعدة حميميم الروسية بسوريا قبل اندلاع العملية العسكرية في أوكرانيا بساعات، للتأكيد من خلال هذه المناورات – التي تم إجراءها بالبحر المتوسط – على رسائل عديدة، مضمونها أن سوريا صارت خط دفاع لموسكو بالمقام الأول في مواجهة تهديدات الناتو، وتذكير الغرب بتواجد ونفوذ روسيا بالبحر المتوسط، في حال اتساع نطاق الأزمة الأوكرانية، إلى مناطق مختلفة من العالم.

وبناءً على ذلك، فإن القيادة السورية تدعم بقوة الموقف الروسي بالملف الأوكراني، وقد وضع “الأسد” كامل الرهان على نجاح “بوتين” في جني مكاسب عديدة من العملية العسكرية على “كييف”، وتعتمد دمشق على استرضاء موسكو لكونها الحليف الأقوى للحكومة، سواء في تحقيق التقدم العسكري الذي نجحت به القوات السورية بمساعدة القوات الروسية، والميليشيات الإيرانية مؤخرًا لاستعادة الأراضي التي كانت تقع تحت أيدي عناصر “داعش” أو بعض القوى المعارضة، أو الحصول على الدعم السياسي الروسي لاسيما بمفاوضات سوتشي واللجنة الدستورية.

انعكاسات عديدة:

 يبدو أن آثار الخلاف الروسي الأمريكي على خلفية الصراع بين “موسكو” و “كييف”، قد تتضح بشكل كبير على الأراضي السورية، وعلى مسار العملية السياسية لحلحلة الأزمة بـ “دمشق”، وتتعدد تداعيات الأزمة الأوكرانية على الجمهورية العربية السورية، ومن أهمها:

  ( 1 ) توتر العلاقات بين أطراف الملف السوري: تبقى إسرائيل محسوبة كأحد أطراف الناتو منذ نشأتها، كما أن تركيا الموجودة بالشمال السوري وتدعم المعارضة السورية واحدة من أعضاء التحالف، ومن ناحية أخرى يستمر تواجد الولايات المتحدة في الشمال السوري دعمًا لقوات سوريا الديمقراطية، ما يجعل الأراضي السورية بالتالي موقع منافسة آخر بين روسيا والناتو، ولذلك تجنبت “تل أبيب” غضب “موسكو” وسعت باستمرار لأن تكون وسيطًا لحل الأزمة، كما امتنعت عن إمداد كييف بنظام ”
القبة الحديدية”، فتحتاج إسرائيل إلى تنسيق أمني بشكل مستمر مع روسيا في تنفيذ الأولى لهجماتها العسكرية في سوريا، والتي تدعى أنها تُنفذ ضد الميليشيات الإيرانية، كما أن أي توتر مع تركيا أيضًا قد يؤدي لتعقيد كبير في العديد من الملفات السورية، ولاسيما تسويات “إدلب”، ما قد يتأثر بقرار أنقرة مؤخرًا تحت ضغط واشنطن، بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية، تفعيلًا لاتفاقية مونترو 1936.

  ( 2 ) الإضرار بمسار العملية السياسية: تقوم سياسة التقارب بين القوتين العظمتين واشنطن وموسكو المسماة “خطوة بخطوة” على أساس التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا للتوصل لحل الملف السوري، وهو ما اتضح بشدة في القمة التي جمعت بين الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ونظيره “فلاديمير بوتين”، في منتصف العام الماضي، ويتهدد الآن ذلك التوافق فقد يتأثر بالسلب من جراء الأزمة الأوكرانية، وتشير العديد من التقارير إلى أن المبعوث الأممي إلى سوريا “غير بيدرسون” قد عبر عن قلقه من ذلك بشدة.

  ( 3 ) تزايد التواجد الإيراني والميليشيات التابعة لطهران: أسرعت الأزمة الأوكرانية من وتيرة الاتفاق النووي في مصلحة “إيران”، وقد ازداد موقفها التفاوضي صلابة، حيث حقق الصراع الروسي الأوكراني مكاسب عديدة لإيران، قد تمكنها من الضغط أكثر على الغرب ولاسيما في مجال الطاقة، كما قد يحقق ذلك مرونة لحركة الميليشيات المدعومة من طهران بالمنطقة، كما أصبحت هناك احتمالات كبيرة لإزالة “الحرس الثوري” من قائمة الإرهاب، الأمر الذي ترفضه إسرائيل بشدة، وتهاب موافقة إدارة بايدن على ذلك.

  ( 4 ) تعقد وصول المساعدات الإنسانية:  قد تسعى روسيا للضغط على الغرب باستخدام حق النقض “فيتو”، في مناقشات ملف المساعدات الإنسانية، حيث يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا في يوليو المقبل، لبحث تجدد الأعمال الإنسانية بواسطة المعابر الحدودية، لاسيما في مناطق المعارضة السورية شمال غرب البلاد،  بما قد يهدد أي فرصة للتعاون بين واشنطن وموسكو في الملف السوري.

  ( 5 ) تفاقم الأوضاع الاقتصادية: لا أحد بمعزل عن التداعيات الاقتصادية للأزمة الأوكرانية، والآثار تطول الاقتصاد العالمي بأكمله، بما قد أثر بالفعل على سوريا اقتصاديًا، وقد يؤثر بشكل اكبر نتيجة العقوبات الأمريكية الغربية على روسيا، فتعتمد دمشق على موسكو وكييف أيضًا في الحصول على الكثير من حاجتها من الغاز والنفط والمواد الغذائية، بما يعرض سوريا إلى مخاطر ارتفاع التضخم، وارتفاع الأسعار وبالأخص بالنسبة للطاقة في ظل استيراد أغلبها من الخارج، كما أنه من المتوقع تراجع قيمة الليرة السورية بمعدل أكبر من جراء الأزمة، وقد شهدت الليرة السورية تراجعًا شديدًا مؤخرًا فاستقر سعر الصرف للدولار في دمشق للشراء 3905 ليرة ليوم الخميس 31 مارس المنقضي، كما تشهد الأسواق السورية تزايدًا للأسعار بالأضعاف لشراء المواد الغذائية وبالتحديد القمح وعبوة الزيت، وقد سجلت الأخيرة مؤخرًا 17 ألف ليرة سورية، الأمر الذي يعزز من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في سوريا وتقييد القدرة الشرائية للمواطنين، وتزايد الأعباء على حياة المواطن اليومية، ولذلك اتخذت الحكومة السورية عدة قرارات لمواجهة تداعيات الأزمة الأوكرانية على البلاد، وقد شملت إجراءات عديدة، فقد تم حظر تصدير مجموعة من المواد الغذائية الهامة مثل الزيوت النباتية لمدة شهرين، كما تم تمديد قرار حظر تصدير جميع أنواع البقوليات، لتأمين حاجات الأسواق السورية بزيادة المعروض من السلع الغذائية المهمة.

تأسيسًا على ما سبق، فمن المتوقع أن تتزايد الضغوط على الحكومة السورية بشكل أكبر الفترة القادمة في ظل انشغال موسكو بالأزمة وتداعياتها على روسيا نفسها، وقد شهدت التطورات الأخيرة تقارب سوري عربي، تمت ترجمته في زيارة الأسد إلى الأمارات، التي حملت العديد من الدلالات، وبالرغم من اعتراض الولايات المتحدة على هذه الزيارة، فإن التقارب العربي مع سوريا قد يكون من شأنه طمأنة دمشق وتقليل اعتمادها على الحليف الروسي في الفترة المقبلة، حيث إن إغلاق الأبواب العربية أمام “الأسد” كان من أسباب اعتماده على موسكو وطهران.

وفي النهاية، تبقى سوريا متأثرة بشدة من جراء الأزمة الأوكرانية، وقد اختار “الأسد” دعم موسكو في ذلك المسار، إلا أن هذا لا يعني التزام موسكو بدعم الحكومة السورية بنفس اليقين في الملف السوري، وتظل السياسيات الدولية متغيرة ومتلونة، إلا أن المواطن السوري وأراضي البلاد هم الأكثر تضررًا في جميع الاتجاهات، في حال استمرار التوتر بين روسيا والولايات المتحدة، وبالأخص إذا مس ذلك الخلاف ملف المساعدات الإنسانية إلى سوريا بمجلس الأمن الدولي، وفي ظل حالة التدهور الاقتصادي التي تمر بها الدولة.

محمد صابر

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس العلوم السياسية، متخصص في شئون سوريا والشرق الأوسط، وله العديد من الدراسات منشورة بالمراكز الفكرية، والمجلات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى