“رع للدراسات”.. يناقش فرص الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات حرب أوكرانيا

عقد مركز رع للدراسات الاستراتيجية حلقة نقاشية يوم الأحد الموافق 27 مارس 2022 تناولت فرص الاقتصاد المصري في ظل تحديات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتي خلفت حتى الآن آثاراً عالمية على الاقتصادات المختلفة، وتأثرت بها بشكل أكبر الدول النامية، واقتصادات الشرق الأوسط، ومن بينها الاقتصاد المصري.

شارك في حلقة النقاش نخبة من خبراء الاقتصاد والخبراء في قطاع الصناعة والقطاع المالي والنقدي، حيث شارك الدكتور سمير صبري خبير الصناعة، والدكتورة جيهان عبد السلام مدرس الاقتصاد بجامعة القاهرة ومساعد مدير مركز رع للدراسات الاستراتيجية، والدكتور محمد أبو سريع الخبير في مجال الاستثمار، وأدار حلقة النقاش الدكتور أبو الفضل الإسناوي المشرف العام على مركز رع، وبحضور الدكتور أكرم حسام نائب مدير المركز، وكل من دكتور عبد الناصر سعيد نائب مدير المركز لتطوير المحتوى، كما شارك بالحلقة عدد من خبراء المركز وباحثيه وبحضور عدد من وسائل الإعلام.

مداخلات الخبراء والنقاش:

بدأ الدكتور سمير صبري الخبير في القطاع الصناعي حديثه بالإشادة بمساهمات مركز رع البحثية والتحليلية، مثمناً كل ما يقدمه المركز من أوراق عمل وتقديرات موقف في مختلف المجالات، داعيا المركز لتخصيص حيز أكبر من اهتمامه للمجال الاقتصادي، مؤكداً على دعمه لهذا التوجه ومساندته له بكل قوة، معتبراً أن الاقتصاد هو عصب أي دولة، وهو القوة المحركة لها، وحاجة الدولة والشركات العاملة في القطاعات المختلفة لوجود مركز دراسات موثوق، يقدم تحليلات لبيئة المخاطر الداخلية والإقليمية والدولية، ومدى تأثيرها على مجال الأعمال بشكل عام، سواء داخل مصر أو خارجها.

وفيما يتعلق برؤيته لتأثير الحرب الأوكرانية على الاقتصاد المصري وفرصه المستقبلية، أكد د. سمير صبري أن الاقتصاد المصري سيتأثر بهذه الحرب، بسبب افتقاد الصناعة المصرية للبنية المتكاملة، والاعتماد في معظم الصناعات – عدا الصناعات الغذائية – على مواد من الخارج، وبعضها يتم استيراده من روسيا وأوكرانيا أو من البلدان المنخرطة بصورة أو بأخرى بهذه الحرب، وضرب بعض الأمثلة منها أن ( 90% من خام البيلت المستخدم في صناعة الصلب يتم استيراده من روسيا وأوكرانيا، استيراد الطاقة لمصانع الأسمنت بحوالي 50% من الفحم من روسيا و40% من الفحم من أوكرانيا. كما أشار إلى اعتماد صناعة الزيوت المصرية على 40% من الزيوت من أوكرانيا.

بينما أشارت الدكتورة جيهان عبد السلام لأهمية روسيا وأوكرانيا في المجال الزراعي تحديداً، فروسيا تحتل المركز الأول في إنتاج القمح عالمياً بينما تحل أوكرانيا في المرتبة الخامسة، وتحتل البلدان معاً ثلث صادرات القمح العالمي، إلى جانب محاصيل أخرى مثل فول الصويا وزيت عباد الشمس، ونوهت الدكتورة جيهان للطفرة التي حققتها مصر في مجال توسيع الرقعة الزراعية خلال السنوات الأخيرة، واعتبرت أن ذلك ساهم في تخفيف حدة الأزمة الحالية على احتياجات مصر من بعض المحاصيل الاستراتيجية ( زيادة إنتاج القمح من 3.2 مليون طن إلى 9.2 مليون طن في 2021).

وأشارت الدكتورة جيهان إلى أنه في ظل استيراد مصر لنصف حاجاتها تقريبا من القمح، فإن هذه الحرب ستؤثر على فرص الاستيراد من الخارج، سواء بنقص المعروض من الدول المنخرطة في الحرب، أو برفع الأسعار من الدول الأخرى، التي ستلجأ للاحتفاظ بكميات من إنتاجها تحسباً لظروف الحرب. ودعت الدكتورة جيهان لاستمرار الدولة في سياسة توفير السلع الأساسية ودعم أسعارها، حتى لا يتأثر المواطن العادي بتداعيات هذه الحرب، وفي هذا الإطار أشادت بحزمة الإجراءات التي اتخذتها مصر لمواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ومنها حظر تصدير القمح والأرز لمدة 3 شهور.

أما عن التأثيرات المالية للحرب في أوكرانيا على السياسة المالية والنقدية في مصر، تطرق الدكتور محمد أبو سريع إلى أن الأزمة عملت على انخفاض معدل النمو العالمي بمقدار 1% ورفع التضخم العالمي بمقدار 2%، علاوة على رفع أسعار النفط والغاز، وأسعار الشحن وأسعار المواد الغذائية. ونوه الدكتور أبو سريع إلى أن اقتصاديات دول شرق أوروبا ستكون من أكثر البلدان تضرراً من هذه الحرب، كما أن القارة الأفريقية ستتأثر سلباً بهذه الحرب، نتيجة اعتماد 25 دولة من أفريقيا على ثلث غذائها من روسيا وأوكرانيا، متوقعاً حدوث عجز في ميزانية بعض هذه البلدان، نتيجة للعجز في الميزان التجاري.

وأشار إلى احتمالية لجوء بعض البلدان لصندوق النقد الدولي للحصول على قروض جديدة لدعم موقفها المالي والاقتصادي من هذه الحرب( مصر، المغرب، تونس)، وعن احتمالية تأثر بعض الاستثمارات الروسية في مصر بهذه الحرب، تخوف الدكتور أبو سريع من ظهور تأثيرات للعقوبات الغربية على روسيا على نشاط بعض الشركات الروسية العاملة في السوق المصري، علاوة على تأثر السياحة الروسية والأوكرانية من هذه الحرب.

وأشاد أبوسريع بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الدولة المصرية منها رفع الفائدة بنسبة 1%للحفاظ على الاستثمارات الخارجية بمصر، ورفع الوعاء الادخاري بنسبة 18 %، وإعادة النظر في سعر الجنية المصري مقابل الدولار، وتثبيت سعر الدولار الجمركي للحفاظ على السلع الاستراتيجية. كما أشاد ببعض السياسات المالية منها زيادة رسوم قناة السويس بنسبة 10%، زيادة الحد الأقصى للإعفاء الضريبي لزيادة القوة الشرائية للمصريين، مع إجراءات للحماية الاجتماعية بحوال 130 مليار دولار، وزيادة مخصصات مواجهة الأزمات بمقدار 130 مليار دولار. بينما دعا للتحوط لقيام البنك المركزي الأمريكي برفع متتالي لأسعار الفائدة.

التوصيات:

  1. أهمية توجيه الاهتمام للصناعات التحويلية بالاقتصاد المصري، ورفع نسب مساهماتها الحالية والتي تتراوح بين ( 16%-17 %) لمستويات أكبر.
  2. تبني استراتيجية جديدة في قطاع الصناعة تحت عنوان ” مصر مصنع الشرق الأوسط” تضخ بها استثمارات كبيرة لبناء مصانع جديدة وتوسيع المصانع الحالية، واستغلال المزايا النسبية للموقع المصري وتوافر القوى العاملة وكفاءتها وتوافر معظم المواد الخام.
  3. ضرورة الإسراع بتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الاستراتيجية بالدولة، وعلى رأسها الغذاء والدواء، وهو ما يتطلب ما يلي:

(*) التوسع في البنية التحتية لمصانع الزيوت سواء الكبيرة أو الصغيرة، وذلك بتشجيع إنشاء مصانع عصر وتعبئة الزيوت، لسهولتها وما يمكن أن تحققه من فوائض للاقتصاد المصري.

(*) العمل على تشجيع تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء والبيضاء.

(*) العمل على تأمين صناعة الدواء من خلال تشجيع الاعتماد على المواد الخام للأدوية، خاصة مع توافرها في البيئة المصرية، وتشجيع المصانع الصغيرة على تصنيع خامات الأدوية، خاصة وأنها من الصناعات المربحة.

(*) تبني استراتيجية لتشجيع قطاع الزراعات الدوائية وتخصيص مساحات من الأراضي المصرية الجديدة لهذا القطاع.

(*) تشجيع تحقيق التكامل في الصناعات الغذائية وصناعات الزيوت.

(*) وضع منظومة متكاملة لتوطين صناعة مواد البناء كصناعة استراتيجية للدولة، في القطاع المدني والعسكري.

(*) اتخاذ مزيد من الخطوات التشجيعية لرجال الأعمال في القطاع الصناعي، منها تخفيض أسعار أراضي المصانع، والتوسع في حزم الإعفاءات الخاصة بالصناعة.

  1. ضرورة تبني سياسة إحلال الواردات، بالبحث عن البدائل المحلية، وتشجيع القطاع الخاص على توفيرها، مع تقديم دعم وتشجيع لهذا الأمر.
  2. تغيير السياسة الزراعية الحالية، والتوجه نحو مزيد من المركزية والعودة لدور أكبر للدولة في العملية الزراعية منذ بداياتها وحتى نهايتها، والتي يمكن من خلالها تحديد نوعية المحاصيل المطلوبة، وتخصيص الأراضي لكل محصول، مع توفير البذور والتقاوي والأسمدة، والإشراف الزراعي والميكنة الزراعية الحديثة.
  3. التركيز على زيادة الاستثمارات الأجنبية من الخارج وزيادة فرص الاستثمار والترويج الجيد والمدروس للاستثمار في مصر.
  4. الاستعانة بشركات دولية متخصصة للترويج لفرص الاستثمار في مصر.
  5. تفعيل المواد الخاصة بالمسئولية الاجتماعية للشركات في القطاع الخاص، للقيام بدوره نحو المجتمع، خاصة فيما يتعلق بتوفير مستلزمات القطاع الزراعي ودعم المزارعين بشكل غير مباشر.
  6. الحفاظ على العملات الأجنبية والاحتياط النقدي من خلال بعض السياسات منها إحلال محل الواردات، وتحقيق التكامل في مجال الصناعات لتوفير العملة الصعبة.
  7. البحث عن حلول من خارج الصندوق لزيادة الاحتياطي المصري من العملة الصعبة وتعزيز موقف مصر المالي ومنها ما يلي:

(&) البحث عن الأصول المصرية بالدول الأجنبية، وتشكيل لجان متخصصة وناجزة للنظر في فرص الاستفادة منها سواء بالبيع آو بالتأجير أو بالتشغيل.

(&) بالنظر في إمكانية بيع 25% من الاحتياطي المصري من الكهرباء بأعلى الأسعار، خاصة مع حاجة بعض البلدان في المنطقة للكهرباء خلال فترة الصيف.

(&) دعم الشركات الناشئة في مجال ريادة الأعمال خاصة الأعمال الزراعية  وتخصيص حاضنة أعمال لهذه الصناعة، كذلك تخصيص حاضنة أعمال لصناعة النقل والدواء وغيرها.

وضع محاور مباشرة للتعامل مع الأزمات المتكررة في قطاع السياحة منها التوجه للتركيز على الوجهات السياحية من مناطق شرق آسيا والاهتمام بالسياحة الثقافية.

  1. عدم التعجل في الوقت الراهن في استنفاذ كافة عقود البيع الخاصة بالغاز المسال، تحسباً لارتفاع أسعاره خلال الفترة القادمة.

وفي النهاية، أكد الدكتور أبو الفضل الإسناوي المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية على أهمية مثل هذه الحلقات النقاشية، مؤكداً ثقته في حكمة القيادة السياسية وقدرة الحكومة المصرية على تخطي تداعيات هذه الأزمة، كما نجحت من قبل في تخطي أزمة كورونا وغيرها. الذي أكد في بداية الحلقة على أهمية متابعة وتحليل أبعاد الأزمة في أوكرانيا على الاقتصاد المصري،  مؤكداً أن هذه الحلقة هي بداية لسلسلة من حلقات النقاش التي سيعقدها المركز في إطار متابعة متخصصة لكافة القطاعات المحتمل تأثرها بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، ومنها قطاع الغاز والنفط، قطاع الدواء، قطاع الأسمدة، قطاع البتروكيماويات…..الخ،  خاصة مع وجود توقعات بأن أمد هذه الحرب قد يمتد لسنوات قادمة.

وأكد الإسناوي على حرص مركز رع في كافة نشاطاته على تقديم رؤى متقدمة لصناع القرار، مصحوبة بتوصيات واستراتيجيات حركة ملائمة، حسب تصورات الخبراء.

 

د.أكرم حسام

نائب مدير المركز خبير في الشؤون الخليجية، دكتوراه علوم سياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ٢٠١٣، عمل في عدة مراكز بحثية داخل مصر أخرها المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وعمل خبير في الأمن الإقليمي بالعديد من مراكز الدراسات بدول الخليج. شارك بأوراق بحثية في بعض المؤتمرات الدولية، بدعوة من مركز نيسا بالولايات المتحدة الأمريكية بواشنطن (2017-2018)، ومعهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية الإيطالية بروما (2019-2020).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى