لماذا رفضت “أنقرة” إرسال منظومة إس ٤٠٠ إلى أوكرانيا؟

لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية دائرة، والقوات الروسية تحاول السيطرة على العاصمة كييف، ورغم التقدم الملحوظ للقوات الروسية على الأرض، إلا أنه يبدو بطيئا بعض الشئ إذا قارنا بين القدرات العسكرية الروسية بنظيرتها الأوكرانية، وقد أرجع وزير الدفاع البريطاني بين والاس ذلكإلى عدم قدرة الروس على فرض السيادة الجوية على كامل أجواء أوكرانيا الذي أخر من تقدمهم على الأرض، وهى نقطة حاول استغلالها الغرب مؤخرا بتقديم منظومات دفاع جوي لكييف لضمان عدم استسلام زيلنسكي، فتم إرسال منظومة الدفاع إس ٣٠٠ الروسية في بلغاريا وسلوفينيا إلى أوكرانيا، ولكن ما أثار الجدل أكثر، هو ضغط واشنطن على تركيا تسليم منظومة صواريخ إس ٤٠٠ إلى أوكرانيا أيضا. وبناءا على ذلك، يحاول هذا التحليل توضيح موقف أنقرة من العرض الأمريكي وأسبابه.

عرض أمريكي:

بناءا على التأخر الواضح نوعا ما لروسيا في السيطرة على الأجواء الأوكرانية، الذي أخر بالتبعية التقدم على كامل الأرض حتى الآن، وبعد رفض واشنطن طلب زيلنسكي بفرض حظر جوي فوق بلاده أو دعمه بأنظمة دفاع جوي بعد خطابه أمام الكونجرس الأمريكي الأخير، ورفض عرض بولندا إرسال طائرات ميج ٢٩ إلى أوكرانيا ولكن عبر ألمانيا، وبعد تكرار دعوة زيلنسكي للحوار المباشر مع بوتين، وتزايد الحديث عن نية زيلنسكي للاستسلام والاستجابة للشروط الروسية الستة، وهو أمر ليس في صالح واشنطن التي طالما استمرت الحرب واستنزفت روسيا عسكريا واقتصاديا فهي مستفيدة، لذا أدركت واشنطن ضرورة إعطاء الأولوية لدعم كييف جويا، فعرضت على الدول التي تقتني منظومات دفاع جوي روسية إرسالها إلى أوكرانيا المعتادة على التسليح الروسي مقابل تعويضهم بباتريوت أمريكي، مثل سلوفينيا وبلغاريا اللاتي تمتلكان منظومة إس ٣٠٠، وهو ما حدث فعلا وفقا لتصريحات مسئولين بالبنتاغون.

ولكن المثير في الأمر، هو عرض واشنطن على تركيا خلال زيارة نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان إلى أنقرة في ٤ مارس الجاري إرسال منظومة صواريخ إس ٤٠٠ إلى أوكرانيا، وذلك بعد مرور عدة سنوات من التوتر في العلاقات بين واشنطن وأنقرة بعدما أصرت الأخيرة على اقتناء المنظومة الروسية بل وطلب دفعة أخرى منها، وعلى إثر ذلك استبعدت أنقرة من برنامج مقاتلات إف ٣٥ الأمريكية بعدما شاركت _ أنقرة _ في تصنيعها واستثمرت ملايين الدولارات لشراء ١٠٠ نسخة من المقاتلة إف ٣٥ المتطورة، كما فرضت عقوبات اقتصادية قاسية أثرت على الاقتصاد التركي، فضلا عن الاعتراف بالإبادة العثمانية للأرمن في ١٩١٥.

لكن السلطات التركية لم تعلق فورا بشكل رسمي على العرض الأمريكي، في حين رأى محللون أتراك صعوبة قبول أنقرة بذلك بسبب مشكلات فنية تتعلق بتشغيل وتركيب المنظومة في أوكرانيا، فضلا عن المخاوف السياسية من تأثر علاقاتها بموسكو، خاصة على مستوى التعاون التقني العسكري.

خيار أنقرة:

أعلنت تركيا رفضها للعرض الأمريكي في أكثر من مناسبة، أهمها؛ الرفض في البداية على لسان رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون لإرسال تركيا منظومة الدفاع الجوي  S-400إلى أوكرانيا، الذي وصف الطلب الأمريكي بأنه ” غير واقعي “، وأكده موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ٢٥ مارس لوسائل الإعلام التي نقلت عنه قوله بأن موقف تركيا بشأن امتلاك منظومة الدفاع الصاروخي الروسي إس ٤٠٠ ” لم يتغير ” واعتبره ” اتفاقا محسوما “، كما أشار إلى أن المحادثات مع الجانب الأمريكي بشأن طائرات إف ١٦ ومعدات عسكرية جديدة ” تسير بشكل جيد “.

وكان بإمكان أنقرة الموافقة على العرض الأمريكي، أو المساومة على الأقل، لأنه بالرغم من صعوبة القبول به، إلا أنه عرض ينطوي على إغراءات كثيرة بالنسبة لأنقرة؛ فقد يضمن إرسال تركيا للمنظومة الدفاعية الروسية إلى أوكرانيا عودتها إلى برنامج مقاتلات إف ٣٥، وإزالة جميع العقوبات عنها، وإرسال الشركات الأمريكية للاستثمار في تركيا لتلافي آثار العقوبات على اقتصاد تركيا، وهو ما دعا إليه السفير الأمريكي لدي أنقرة- أي باختصار فتح صفحة جديدة تماما للعلاقات التركية الأمريكية، قد تفتح الباب لحلحلة بعض الملفات العالقة لصالح أنقرة، مثل دعم الأكراد والاعتراف بإبادة الأرمن ومساعدتها على استعادة علاقاتها من جديد مع دول المنطقة مثل مصر والسعودية، فضلا عن ملف شرق المتوسط.

لكن في مقابل هذه المكاسب المغرية، ستتخلى أنقرة عن استراتيجية العودة إلى تصفير المشكلات إلى تعميقها مع دولة بحجم روسيا، لأن صفقة إس ٤٠٠ تعتبر القشة التي تستند إليها العلاقات التركية الروسية أمام أي توتر، وبالتالي المغامرة بعلاقاتهما المميزة في الفترة الأخيرة، بعدما حاولت الحفاظ عليها بأقصى قدر ممكن خلال الحرب الأوكرانية، فأنقرة لم تشترك في العقوبات الغربية على موسكو وأعلنت ذلك صراحة على لسان وزير خارجيتها، حتى عندما أغلقت المضايق أما السفن الحربية بعد أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا، فعلت ذلك بعدما أصبح قرارها بإغلاق المضايق لن يؤثر في مسار الحرب أو النيل من حظوظ روسيا بعدما نقلت كافة مستلزماتها الحربية من البحر الأسود خلال الأشهر الماضية.

ورغم ذلك كانت هناك وجهة نظر أخرى، ترى أن إرسال أنقرة المنظومة الروسية لأوكرانيا قد لا يؤثر في علاقاتها بموسكو إلى حد كبير، لأنها أنظمة دفاعية وليست هجومية، فضلا عن أنها روسية، أي ستجيد موسكو التعامل معها، وبالتالي ستنظر روسيا للموقف التركي بأنه ورقة مشروعة لتعزيز مصالحها.

رفض مبرر:

بصرف النظر عن تأثير قبول العرض على العلاقات التركية مع روسيا لأنها مسألة مفروغ منها، لأنه في هذه الحالة ستكون الطائرات الروسية سقطت بأسلحة روسية، وتأثير قبول العرض على الاقتصاد التركي الذي يعتمد على التعاون مع روسيا في عدة مجالات، ولها في قرار روسيا بحظر السياحة إلى تركيا بعد إرسال الأخيرة مسيرات إلى أوكرانيا عبرة، لكن اقتناء الأسلحة الروسية بالنسبة لأردوغان ليس لمجرد الأغراض الدفاعية فحسب، بل هي ورقة يساوم ويضغط بها على الغرب في الوقت المناسب لكي يقدم تنازلات من أجل اصطاف تركيا إلى جانبه كما هو الحال حاليا، وتأكيدا للعنجهية السياسية التي يمتاز بها أردوغان، والتي يؤكد من خلالها استقلالية تركيا، والتي تكسبه تأييد الرأي العام التركي المؤيد لأي سياسة معادية للتبعية للولايات المتحدة، وبالتالي تنازله عنها سيؤثر على شعبيته في الداخل واستعراضه في الخارج، وهو على أعتاب انتخابات رئاسية العام المقبل.

واستنادا إلى دور الوساطة الذي تلعبه تركيا في الأزمة الأوكرانية، قد يكون العرض الأمريكي غير مغري بالنسبة لها، بعد التفاؤل الذي أبداه المسئولون الأتراك والروس والأوكرانيون بشأن المفاوضات التي يتوقع أن تسفر عن تسوية للأزمة بقبول الشروط الروسية، وبالتالي لن تغامر تركيا بخسارة روسيا المتوقع أن تخرج منتصرة من الحرب من ناحية، ومن ناحية أخرى، لا يتوقع أن تغير منظومة الدفاع الجوي في نتيجة الحرب، فهي لا تخرج عن كونها تسويف أو تأجيل لإعلان الخسارة ليس إلا، لذا فزيلنسكي نفسه قد لا يفضل إطالة أمد الحرب بعد الخسائر التي تلقاها وشعبه المشتت في الداخل والخارج، وبعد أن رأي بأم عينه تقاعس الغرب عن حمايته.

أضف إلى ذلك، أنه من أسباب اقتناء أنقرة لمنظومة الصواريخ الروسية _ بغض النظر عن خلافاتها مع واشنطن _ هو أنها كانت تبحث عن حل للفجوة الموجودة في دفاعاتها، والتي لم تستطع أن تجد لها حلا بين حلفائها. ولا يمكن إغفال أن العلاقات التركية الأمريكية تتحسن شيئا فشيئا مؤخرا بشكل ملفت، بعد دور أنقرة في أفغانستان والأزمة الأوكرانية واستعادة علاقاتها مع إسرائيل، الذي دفع الولايات المتحدة إلى إلغاء دعمها لمشروع إيست ميد لنقل الغاز إلى أوروبا عبر اليونان، ودعوة الشركات الأمريكية للاستثمار في تركيا، وتوارد تقارير عن تحويل الشركات التي أوقفت نشاطها في روسيا بعد العقوبات مقراتها إلى تركيا، وإعادة النظر في تسليم أنقرة مقاتلات إف ١٦ بدلا من إف ٣٥. فضلا عن أن إدراج واشنطن لموسكو وبكين على رادارها الأمني يتطلب منها عدم تجاهل تركيا وإعادة النظر في التحالفات التي تستبعدها.

ومن جانبنا نرى، أن تركيا إن كان في نيتها منذ البداية التنازل عن المنظومة لما تحملت العقوبات الاقتصادية والسياسية من قبل واشنطن طيلة هذه السنوات، ولما تغاضت عن إخراجها من برنامج مقاتلات إف ٣٥ المتطورة، وبالتالي فالأسلحة الروسية لها دلالة كبيرة بالنسبة لتركيا تصل إلى درجة تأكيد الهيبة السياسية مهما كلفها الأمر. ونتيجة لكل هذا وذاك، قد لا تتسرع تركيا بالموافقة على الطلب الأمريكي، لأنها من أوائل المستفيدين من إنهاء الحرب لأسباب سياسية واقتصادية وجيوسياسية، خاصة وأنه سيتم مساعدة أوكرانيا بإس ٣٠٠ من سلوفينيا وبلغاريا. وإن قبلت بذاك ستكون أصبحت الوحيدة التي تدخلت عسكريا وعادت روسيا رسميا بصورة مباشرة في وقت لم تقدم أي دولة على مثل هذه الخطوة على رأسها الولايات المتحدة،التي تدفع الجميع للمواجهة مع موسكو وتكتفي بالمشاهدة فقط بحجة الحرص على عدم تأجيج حرب عالمية ثالثة.

ووفقا للكثير من المحللين، فالولايات المتحدة تسعي لتدعيم الدفاعات الجوية لأوكرانيا ليس دعما لها فقط، وإنما دعاية سياسية للإدارة الأمريكية، وضمانة لاستمرار الحرب التي إن خرج منها بوتين منتصرا سيؤكد مكانه كفاعل محوري في نظام عالمي جديد يهدد الهيمنة الأمريكية، ورادعا لدول مثل فنلندا والسويد حال فكرت في الانضمام للناتو، وسيطرة نوعا ما على الاقتصاد الأوكراني المميز للتعافي من أثر العقوبات الغربية، وتسويقا للسلاح الروسي المنتصر في الحرب على حساب نظيره الأمريكي.

وأخيرا، تركيا منذ بداية الأزمة تحاول اتباع مسار متوازن بين طرفي النزاع، فمن ناحية أعلنت امتناعها عن الاشتراك في العقوبات ضد روسيا، ومن ناحية أخرى اتخذت قرارا بغلق المضايق أمام السفن الحربية الروسية بعدما صنفت الهجوم الروسي على أوكرانيا كونه ” حربا “، وبالتالي الإقدام على مثل هذه الخطوة سيحولها إلى طرف غير محايد، بعد كافة المجهودات التي بذلتها في الوساطة بين موسكو وكييف المتوقع أن تؤتي ثمارها قريبا، ودفع العلاقات الروسية التركية إلى حافة الهاوية، لذا فالقرار التركي كان متوقعا إلى حد كبير.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى