هل ينشط “داعش” في مناطق جديدة بعد الحرب الأوكرانية؟

تتوقع بعض مراصد الإرهاب في العالم احتمالات تزايد نشاط تنظيم داعش، ليس فقط في مناطقه القديمة، المتمثلة في العراق وسوريا، وفي مرتكزاته الإفريقية، بل في بعض متخللات مناطق الصراع بين روسيا وأوكرانيا، مستغلة في ذلك غياب الضربات الجوية الروسية في بعض المناطق لانشغال موسكو بأزمة أوكرانيا، وسحب روسيا أغلب قواتها من مناطق تمركز التنظيم، لتنفيذ خطة السيطرة الروسية علي كييف، وكافة المدن الأوكرانية، مما يثير تساؤل يتعلق بمدي إمكانية تصاعد أعمال العنف وسيطرة تنظيم داعش علي مساحات جديدة في مناطق تمركزها، بالإضافة إلى حدود إمكانية تمركز التنظيم وسيطرته علي الحدود الأوروبية في ظل الوضع الراهن.

فقه استغلال الأزمات:

المتابع لتنظيم داعش منذ نشأته، يرصد كيف نشأ التنظيم تزامناً مع اجتياح الحروب الأهلية في سوريا، وسقوط صدام حسين في العراق، وأولي لبنات مؤشرات ظهوره عقب الاحتلال الأمريكي للعراق، مما يشير إلي فقه استغلال الأزمات لدي التنظيم، فالتنظيمات التكفيرية وعلي رأسها داعش، تندثر وتخمل مع الأنظمة والدول المستقرة، وتنشط وتصعد في ظل الأنظمة الهشة، والصراعات والحروب، فوجودها والاستقرار في وضع عكسي مضطرد.

تأسيسا علي هذه القاعدة سابقة الذكر؛ يمكن تحليل وقراءة وضع التنظيم، في ضوء الحرب الأوكرانية، فقد أعلن التنظيم منذ اليوم الأول، عدم المشاركة في الحرب الأوكرانية بأي شكل، داعياً المسلمين في كل مكان بعدم المشاركة في هذه الحرب، التي أطلق عليها حرب صليبية- صليبية. عليه، من غير الممكن أن نجد مساعدة لأحد طرفي الصراع من قبل التنظيم، لغياب الحاضن العقائدي لداعش في هذه الحرب، وهذا لا يعني عدم مشاركة بعض عناصر التنظيم بشكل منفرد، فالبعض قد يشارك للانتقام من الجانب الروسي أو الأوكراني حسب خلفياته الشخصية، والبعض قد يشارك من أجل الدافع المادي، ممن لا ينتمون لتلك التنظيمات لدافع عقائدى، بل لدوافع اجتماعية ومادية صعبة.

في ذات السياق، استغل التنظيم انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، للدعوة إلي الانضمام إلي صفوفه بشكل معلن، عبر وسائل إعلام التنظيم، مما يعكس أن التنظيم يقف علي أرض صلبة، ويأمل في تحقيق مكاسب جهادية جديدة، مستغلاً الانشغال الدولي بالحرب الأوكرانية، والتداعيات الاقتصادية المترتبة عليها. وعليه، فواقع الحال يشير إلي احتمال زيادة معدل التجنيد والمنضمين للتنظيم خلال الفترة القادمة، بالتالي تصاعد مؤشر عمليات داعش، خاصة مع عدم وضوح توقيتًا محدداً لانتهاء هذه الحرب.

دلالات التمدد المحتمل:

قراءة المعطيات علي الساحة الدولية، تشير إلى احتمالات زيادة العناصر المنضمة لداعش، وزيادة قوته التي تمكنه من السيطرة علي مناطق جديدة؛ وذلك للأسباب التالية:

(*) انعكاسات الوضع الراهن: من المرجح أن يدفع الوضع الراهن بعناصر من تنظيمات أخري أو متطرفين غير منتمين لتنظيم “داعش” إلي الانضمام لصفوفه، خاصة بعد الحرب الإعلامية التي شنتها عناصره، ضد بعض التنظيمات، مثل مقاتلي الشيشان، خاصة من الذين يقاتلون في صفوف الجانب الروسي، مما أوحي لبعض المتطرفين أن عناصر تنظيم داعش هم الفرقة الناجية التي يبحث عنها أي متطرف تطبيقا لأيديولوجيته، حيث يدافع التنظيم وينظر ويطبق صحيح العقيدة وفقا لرؤيته. فتشير بعض التقارير المنشورة إلي حدوث زيادة في أعداد المنضمين لداعش من الشيشان ومن الروس أيضا، وذلك بسبب استغلال التنظيم لحالة الرخاوة الأمنية، ورغبة منه في توسيع شبكة خلاياه في تلك المنطقة الجديدة غير المستقرة.

(*) تراجع ضربات التحالف الدولي ضد التنظيم: من الواضح أن تنظيم داعش يحرص بقوة على استغلال الخلافات بين القوى الدولية في الوقت الراهن، بالإضافة إلى غياب الغارات الروسية في أماكن تمركزه في سوريا والعراق، وبالتالي بدأ يصعد من أعمال العنف في تلك المناطق، وهو ما يؤكد على وجود علاقة طردية بين فترة أمد الصراع الروسي الأوكراني وتوسيع داعش لنشاطه، فمن المحتمل يؤثر طول عمر الحرب على ترتيب داعش لبنيته الداخلية. وعليه، يُرجح أن يقوم التنظيم بضربات في بعض المناطق السورية والعراقية، خاصة بعد سحب روسيا قواتها (فاغنر) من سوريا والعراق لتغطية الاحتياج الحربي في أوكرانيا.

(*) توقف صفقات السلاح القادم من روسيا: من المحتمل أن يخدم توقف صفقات السلاح القادم من روسيا إلى الدول المأزومة بسبب ظروف الحرب- تنظيم داعش، وذلك لعدم قدرة الدول التي مازال يتواجد بها التنظيم علي الصمود لمجابهته، في ظل ضعف إمدادات السلاح، الذي تتزايد تداعياته إذا استمر الوضع الراهن.

(*) انسحاب قوات (فاغنر) من إفريقيا: حيث تشير التقارير إلي رصد عملية إجلاء واسعة في يناير الماضي بالعديد من الدول الإفريقية مثل دولة مالي ودول إفريقيا الوسطى، وذلك للحاق بالعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وهو ما قد يخدم مصالح التنظيم، ويسمح له بالتمدد في بعض الامتدادات الإفريقية. يذكر أن أكثر من 17 دولة إفريقية امتنعت عن التصويت لصالح القرار ألأممي، الذي يطالب روسيا بالتوقف عن استخدام القوة ضد أوكرانيا.

(*) التوقف الكامل للغارات الروسية ضد داعش: فقد أسهم توقف الغارات الروسية في تصاعد أعمال العنف في مناطق تمركز التنظيم، بل إعلان التنظيم عن نفسه بقوة غير متأثر بمقتل زعيمه منذ شهرين تقريباً. فمن الواضح أن توقف الغارات الروسية التي وصلت 674 غارة في الشهر الأخير-أي قبل الحرب الأوكرانية، أعطي التنظيم فسحة من الوقت جعلته يعيد ترتيب حساباته، خاصة بعد تخلصه من الرصد الاستخباراتي والعسكري في بعض المناطق، وهو أتاح له العمل بشكل أكثر جاهزية وبأعداد أكبر في العملية الواحدة.

حزام أوروبي مستهدف:

كما واجهت الدول الأوروبية مشكلة في الحصول علي أدلة محاكمة العائدين من تنظيم داعش في سوريا والعراق، فضلا عن صعوبة إعادة تأهيل هذه العناصر نتيجة تشبعهم بالفكر المتطرف- قد تواجه أيضاً خطرا جديداً، متمثلاً في مصير العائدين من أوكرانيا بعد الحرب، وذلك على غرار العائدين من أفغانستان بعد الحرب ضد السوفيت في التسعينات، وما مثلته هذه الأعداد من قنابل موقوتة وحواضن للإرهاب، شكلت خطورة لم تسلم منها دولهم.

فمن الواضح، أن الجانب الروسي بدأ يحشد بعض المقاتلين الشيشانيين من ذوي الخبرة، هذا بالإضافة إلى عناصر أخرى من حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني، وبالتالي تصبح عودة هؤلاء إلى بلادهم أو إلى بلدان أخري عند انتهاء الحرب، بمثابة مهددات مجتمعية خطيرة، خاصة أن ممارسة الإرهاب الدموي يصنع في وجدان الإرهابي، الرغبة في ممارسة العنف، وهو ما يعرف بالمتوالية الهندسية للدم لدي المتطرفين.

بناء عليه؛ فإن الصعوبات العملية والتخوفات الأمنية سوف ينتج عنها قيام حكومات أغلب الدول الأوروبية وغيرها بمنع استقبال تلك العناصر العائدة، التي شاركت في هذه الحرب، وهو ما قد يتسبب في بقاء أغلب العناصر الإرهابية المقاتلة في تلك الحرب بالمتخللات الواقعة بين روسيا وأوكرانيا، بالتالي الانضمام لداعش الذي قد يتمركز في المناطق المتنازع عليها بين روسيا وأوكرانيا قائم.

وتشير تقارير منشورة إلى مشاركة عناصر من استونيا وبيلاروسيا والتشيك وغيرها من الدول المجاورة لأوكرانيا في الحرب الأوكرانية، فضلا عن المقاتلين الشيشان، كل هذه العناصر من المحتمل الانضمام إلي داعش في المنطقة المذكورة، وتكوين حزام داعشي في تلك المنطقة، تنطلق منها عمليات عنف تشكل خطراً محتملاً علي العمق الأوروبي.

في ذات السياق؛ تظل احتمالات التعاون بين عناصر التنظيم في المنطقة الواقعة بين روسيا وأوكرانيا، مع ولاية خراسان فرع التنظيم في أفغانستان كبيرة، حيث يتبني ولاية خرسان عقيدة قتال العدو البعيد متمثلا في الغرب، وتداعيات الحرب ستجعل المنطقة المتاخمة لأوكرانيا مسرح جهادي مفتوح، لتمركز الجماعات الإرهابية. وقد أكد علي هذا الرأي التقرير ألأممي الرابع عشر، حيث حذر من مخاطر المقاتلين العائدين إلي أوروبا، يأتي هذا مع تزايد تفكيك خلايا داعش في أوروبا، المتورطين في جرائم تمويل إرهاب، من خلال تحويل مبالغ مالية إلي جمعيات وتنظيمات إرهابية. فإذا افترضنا عجز هذه الدول عن محاكمتهم، بسبب ضعف الأدلة أو تسربها، تكون النتيجة المتوقعة لجوء هذه العناصر للتنظيم المتمركز علي الحدود الأوروبية.

أخيرا؛ يبدو من مجمل الشواهد والقراءات السابق ذكرها، أن الحزام الأوروبي الواقع بين روسيا وأوكرانيا وامتداداته، خاصة داخل أوكرانيا، سيكون حاضنة مثالية للجماعات المتطرفة منها داعش، وربما تتطور الأحداث والمعطيات التي تجعل تنظيم داعش، يسيطر علي مناطق أوسع، ويتمكن من القيام بعمليات داخل أوروبا ذات تأثير، فضلا عن تصاعد نشاطه في أماكن تمركزه التقليدية في الشرق الأوسط وإفريقيا للأسباب السابق ذكرها.

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى