السياسة المالية ومشروع الموازنة الجديدة

عبدالفتاح الجبالي

تعكس القرارات الاقتصادية الأخيرة سواء تلك المتعلقة برفع سعر الفائدة أو تخفيض الجنيه المصرى وتداعياتها الاجتماعية، الرغبة فى التصدى للآثار الناجمة عن الأحداث الجارية على الساحة الدولية خاصة الحرب الروسية الأوكرانية. وهو ما استتبع بالضرورة تدخل السياسة المالية للتقليل من الآثار السلبية المتوقعة بحزمة من الإجراءات المالية بقيمة 130 مليار جنيه. حيث تمت زيادة العلاوة الدورية للمخاطبين بالخدمة المدنية وغير المخاطبين بدءا من ابريل وليس يوليو كما كان متوقعا، وكذلك زيادة قيمة الفئات المالية الممنوحة لهؤلاء فضلا عن اقتراح رفع حد الإعفاء الضريبى إلى 30 ألف جنيه سنويا بدلا من 24 ألفا. وكذلك زيادة المعاشات بنسبة 13% وبحد أدنى 120 جنيها وغيرها من الإجراءات.

وجاءت هذه الإجراءات متسقة مع التطورات الفكرية المتعلقة بدور السياسة المالية حيث كان التركيز، قبل الأزمة الحالية، يتجه إلى السياسة النقدية باعتبارها القادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادى والمالى. بينما أثبتت التغيرات الحالية أن السياسة المالية هى الأداة الأهم فى سبيل تحقيق التنمية الاحتوائية الشاملة. الأمر الذى يتطلب زيادة الإنفاق العام على الجوانب الاجتماعية حتى لو أفضت إلى تحريك العجز فى الموازنة مؤقتا.

وتكتسب السياسة المالية خصوصيتها من كونها إحدى أدوات السياسة الاقتصادية التى تمكن الدولة من تنفيذ سياساتها الاقتصادية والاجتماعية الهادفة إلى رفع مستوى معيشة ورفاهة المواطنين. كما أنها تعكس الموارد المالية المتاحة والتى يمكن استخدامها فى تمويل الخدمات التى عادة لا يقبل على توفيرها القطاع الخاص. ولذلك فقد أعيد النظر فى دور سياسة المالية العامة فى العقد الأخير على أثر الأحداث والظروف التى مر بها الاقتصاد العالمى وأبرزها الأزمة المالية العالمية 2008، وفيروس كورونا. وأصبح ينظَر إلى سياسة المالية العامة عموما باعتبارها أداة فعالة لتشجيع النمو الإحتوائى والمساهمة فى استقرار الاقتصاد الكلى، لاسيما أثناء فترات الركود وحين تصبح السياسة النقدية أقل فعالية. وفى نفس الوقت، تزداد أهمية الإدارة المالية العامة السليمة مع إرتفاع مستويات الدين ووجود تحديات ديموجرافية طويلة الأجل وزيادة المخاطر.

وعلى وجه الخصوص، ينبغى أن ترتكز السياسات على إطار موثوق للمدى المتوسطى ضمن بقاء الدين فى حدود يمكن تحملها، وإدارة المخاطر بكفاءة، وبناء هوامش أمان أثناء فترات الصعود الدورى وعلى وجه الإجمال. وبعبارة أخرى فإن السياسة المالية ينبغي أن تكون مواتية للنمو وذلك باستخدام الإجراءات الضريبية والإنفاق العام كأدوات هيكلية لدعم محركات النمو طويل الأجل، ولا تزال هناك دواع قوية لزيادة الاستثمار العام نظرا لمواطن الضعف الكبيرة فى البنية التحتية، وإن كانت دقة اختيار المشروعات والإدارة والتقييم من المفترض أن تضمن كفاءة الاستثمار أيضا.

من هذا المنطلق فإن حسن إدارة المالية العامة يتوقف على مدى فعاليتها فى تحقيق الأهداف الرئيسية لها، كما أن تحديد خطورة العجز من عدمها ترتبط بالأساس بالحالة الاقتصادية للبلاد، سواء فى الأجل القصير والمتوسط أو الطويل. أى أن هدف التنمية يحظى بالأولوية فى السياسة الاقتصادية حتى ولو جاء على حساب التوازن المالي. إذ أن زيادة الإنفاق العام مع ما يترتب عليه من زيادة للقوى الشرائية للمجتمع كوسيلة للانتعاش الإقتصادى تصبح أمرا مطلوبا. من هنا تناقش فكرة تحديد الحجم الأمثل للإنفاق العام الذى يحقق الأهداف المنوطة به. وهو ما يتوقف على طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة. الأمر الذى يتيح للمجتمع تحديد كيفية إنفاق الموارد المحدودة بأكبر قدر من الكفاءة والفاعلية فى المجالات التى تحتاج إلى التدخل العام. من هذا المنطلق تناقش فكرة تحسين كفاءة وفعالية الإنفاق العام، وهو ما يتطلب تحديدا دقيقا للمجالات التى يجب أن يكون للحكومة دور واسع فيها، وتلك التى لا ينبغى أن يكون لها فيها دور على الإطلاق.

وفى هذا السياق فقد أحسنت الحكومة صنعا حين قررت العمل على إعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة للعام المالى المقبل، وذلك بما يتسق مع مستجدات الأزمة، ووضع حلول وتوقعات للتعامل مع السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، للتخفيف من حدتها، لتوفير برامج للحماية الاجتماعية، والتى تستهدف الفئات الأولى بالرعاية، إلى جانب اتخاذ ما يلزم لتحقيق الانضباط المالى الكامل مع ترتيب الأولويات. وتأتى أهمية هذه المسألة فى ضوء ما أشار إليه المفكر الإقتصادى الهندى والحائز على جائزة نوبل أمارتيا صن فى كتابه المعنون «التنمية حرية» إلى أن التنمية هى عملية توسيع فى الحريات الحقيقية للناس وبالتالى فهى ليست فقط نموا فى الناتج أو زيادة فى الدخول ولكنها بالأساس توسيع نطاق الحريات التى يتمتع بها الأفراد جنبا إلى جنب مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ولذلك ينبغى أن يكون هناك دور أكبر للدولة خاصة فيما يتعلق بتعزيز النمو وتحقيق العدالة الاجتماعية، باستخدام أدوات السياسة المالية وذلك لكونها القادرة على إحداث فروق كبيرة فى معالجة عدم المساواة. وأصبح الإنفاق العام يلعب دورا أكبر عن ذى قبل فى تعزيز النمو الإحتوائى والمستدام وأصبح ينظَر إليه باعتباره أداة فعالة لتشجيع النمو الإحتوائى وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. كما أن الإنفاق العام على الصحة والتعليم يسهم مباشرة فى تحسين نوعية الحياة ويؤدى إلى جودة النمو، ويزيد من رأس المال البشرى وبالتالى يعد بمثابة استثمار قومى جيد يقوم بتغطية تكاليفه من خلال زيادة الإنتاجية وزيادة الدخول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى