تأثير الأزمة الأوكرانية على فرص ماكرون في الانتخابات القادمة

مع بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل المقبل، والتي ستعقد على دورتين؛ الأولي في العاشر من أبريل، والثانية في الرابع والعشرين من الشهر ذاته، تثار العديد من التكهنات حول مستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفرصه في الانتخابات القادمة بعد إعلان ترشحه رسمياً في الثالث من مارس الجاري، ونحن في خضم الأزمة الأوكرانية التي لا تزال تشغل الرأي العام العالمي والمسئولين الفرنسيين.

وبالرغم من تأكيد تراجع شعبية الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون عما سبق بسبب مجموعة من الأحدث التي شهدتها البلاد خلال فترته الأولى مثل السترات الصفراء، إلا أنه لا يزال يستحوذ على النسبة الأكبر من أصوات الناخبين، وعلى سبيل المثال، أعلن معهد ” بي في آي ” عن استطلاع رأي أظهرت نتيجته تراجع شعبية ماكرون، وحصوله على ما يقارب ٣٠٪ من الأصوات خلال الجولة الأولي، مقابل ١٨ ٪ لماري لوبان، كما توقع المعهد وفقا لنتائج الاستطلاع خوص لوبان ضد ماكرون جولة الإعادة، والتي سيحسمها الأخير بحوالي ٥٨٪.

وتأسيسا على ذلك، يرصد هذا التحليل بعض الأزمات الداخلية في فرنسا، ومدى تأثيرها في تراجع شعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتوضيح ما إذا كانت الأزمة الأوكرانية ستشكل فرصة أم تهديدا بالنسبة لماكرون وهو على أعتاب استحقاق انتخابي للحصول على دورة ثانية، خاصة وأن “ماكرون” وفقاً لبعض المراقبين، بدى دوره ضعيفا خلال الأزمة بكافة مراحلها، واتخاذ موقف من روسيا يعبر عن فرنسا بشكل جدي.

يذكر أن المجلس الدستوري الفرنسي أعلن في ٧ مارس عن أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية، وبالبالغ عددهم ١٢ مرشح، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين الجمهوري فاليري بيكريس، وعن الحزب الاشتراكي آن هيدالغو، وجان لوك ميلنشون مرشح فرنسا الأبية، ومرشحة حزب التجمع الوطني مارين لوبان، ومرشح حزب استعادة فرنسا إيريك زمور، ومرشح حزب الخضر يانيك جادو.

أزمات سابقة:

لقد واجهت الحكومة الفرنسية عدة أزمات داخلية أسهمت في تراجع التأييد الشعبي لها وللرئيس الفرنسي قبل تصاعد المسألة الأوكرانية، يتمثل أهم تلك الأزمات في:

(*) أزمة السترات الصفراء: التي اندلعت في نوفمبر ٢٠١٨، وشارك فيه آلاف الفرنسيين، واستمرت لعدة أسابيع متواصلة، وانتقلت بعدها إلى عدة دول أوروبية وعربية، احتجاجا على سياسة الحكومة الفرنسية فيما يخص الوقود، بعدما ارتفعت أسعار الوقود وتكاليف المعيشة عموما، وطالبوا من خلالها بخفض أسعار الوقود، ورفع الحد الأدنى للأجور، إلى أن اتسع سقف المطالبات إلى حد استقالة ماكرون، وسقط فيها العديد من الضحايا، ومن بعدها أخذت شعبية ماكرون وأعضاء حكومته في التراجع وفقا لاستطلاع للرأي نشرته صحيفة ” لو جورنال دو ديمانش “.

(*) قانون الأمن الشامل: فقد صاحب الإعلان عن القانون موجة من الاحتجاجات الرافضة لمشروع قانون الأمن الشامل، الذي يجرم تصوير قوات الأمن الفرنسية أثناء عملها، وتوقيع غرامات وفقا لذلك، واستخدام الطائرات المسيرة والكاميرات للرقابة أثناء المظاهرات، حتى لا تظهر انتهاكات الشرطة الفرنسية، والتشهير بها على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصف القانون بأنه يمثل انتهاكا لحرية المواطنين، ويؤسس لنظام رقابة جماعية، في حين دافعت الحكومة الفرنسية عن القانون الذي اعتبرته حماية لعناصر الشرطة أثناء أداء عملها. وكانت قد بدأت الاحتجاجات على القانون في نوفمبر ٢٠٢٠، وتخللها صدامات مع قوات الشرطة، حتى تجددت مرة أخرى رغم الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، واستمرت الاحتجاجات لفترة حتى بعد إعلان ماكرون عن إمكانية إعادة النظر في القانون، مما يشير إلى تراجع الثقة في ماكرون.

(*) أزمة فيروس كورونا: فقد أثار تعامل الرئيس الفرنسي وحكومته مع أزمة فيروس كورونا موجة من الانتقادات بعدما تأخر في إجراءات الإغلاق العام التي طبقتها عدة دول أوروبية، مما أدى لتزايد أعداد الإصابات بين المواطنين، ولجأ إلى اتخاذ القرار فقط بعد دخول البلاد في الموجة الثالثة من فيروس كورونا، والتي اضطرا ماكرون أخيرا للاعتراف بأنها أشد فتكا، إلا أنه اعتبر أن تأخيره فرض إجراءات الإغلاق العام ” لا يعد جريمة، ولا يشعره بالندم “، وهو ما استدعى وصمه من قبل معارضيه وفئة من الجمهور بالملك الطاغية الذي يحيط نفسه بحاشية من المخلصين ولا يستمع لأحد. كما راهن في مطلع العام الماضي على حظر التجوال وإغلاق المطاعم وغيرها من أماكن التجمعات حتى انتشرت في مارس سلالة جديدة أشد عدوى، بينما كانت عمليات التطعيم في بدايتها، بعدها اضطر ماكرون لتقديم اعتذار وصف بالخجول نوعا ما، لأنه اعتبر أن السياسة الخاطئة درسا للتعلم وتحسين الأداء.

لذا فتعامل الحكومة الفرنسية بأكملها مع أزمة الكورونا، والضغوط الاقتصادية التي نتجت عنها، هي العامل الأكثر إسهاما في تراجع شعبية ماكرون وفقا للعديد من استطلاعات الرأي، وهو ما أدى إلى خسارته الانتخابات الإقليمية، وحتى وإن كان لا يزال المرشح الأوفر حظا، فهذا غير راجع لإنجازاته أو شعبيته الجارفة، بل لضعف تأثير المرشحين الآخرين، وحملاتهم وبرامجهم الضعيفة، مما دفع البعض إلى إعلان امتناعهم عن الذهاب إلى اللجان.

(*) أزمة الغواصات: عندما ألغت أستراليا في سبتمبر الماضي صفقة الغواصات التي سبق وأن عقدتها مع فرنسا في ٢٠١٦ بما يقارب ٥٠مليار دولار، واستبدلتها بأخرى مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وتوترت العلاقات على إثرها بين أطراف الأزمة، إلى حد مطالبة فرنسا الدول الأوروبية بالتخلي عن ” السذاجة ” واستخلاص العبر فيما يتعلق بالخيارات الاستراتيجية الجديدة لواشنطن، والسعي لتحقيق الاستقلالية الأوروبية عسكريا وسياسيا واقتصاديا عن واشنطن. تلك الأزمة أثارت ردود فعل حادة من قبل الأحزاب والشخصيات المنافسة لماكرون وقطاع من الشعب الغاضب من سياسة التبعية الفرنسية والأوروبية عامة لواشنطن، خاصة بعدما اقتصر الموقف الفرنسي على مجرد رد الفعل اللفظي فقط، حتى بعدما تولت فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي يناير الماضي.

تأثير الأزمة الأوكرانية:

على الصعيد الدولي، لم يحرز ماكرون أي تقدم ملحوظ على خط الأزمة، ومنع تصاعدها إلى نزاع عسكري، رغم مساعيه المتكررة، حتى مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى موسكو قبل غزو أوكرانيا في فبراير الماضي، إلى جانب الاتصالات الدبلوماسية المكثفة على عدة مستويات، وعلى رأسها تواصل ماكرون مع بوتين شخصيا الذي استمر حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أنها لم تجد نفعا في حلحلة الأزمة.

ولكن، عمل ماكرون على تأسيس موقف متوازن بين أطراف الأزمة، فقد دفعت الأزمة الأوكرانية إلى الاشتراك مع الولايات المتحدة في عقوباتها الاقتصادية على روسيا من جهة، وفي ذات الوقت عدم مجاراتها في قرار حظر النفط الروسي القادم إلى أوروبا من جهة أخرى، في ظل عدم توافر بديل بشكل كافي وسريع للغاز الروسي حتى الآن، ولأن أي اندفاع وراء واشنطن في هذا الملف بالذات قد لا تحمد عقباه على الصعيد الداخلي، فقد سبق وهددت روسيا أوروبا بحظر واردات الغاز لأوروبا حال فرضت حظر على النفط الروسي، وترهيبا لأوروبا أوقفت روسيا خط غاز يامال إلى أوروبا.

لذا، فالقرار الفرنسي بعدم الامتثال للقرار الأمريكي بحظر صادرات النفط والغاز الروسي، كان يهدف في جانب منه إلى بيان وجود نوع من الاستقلالية عن واشنطن، بعد انتقاد الداخل الفرنسي لوضع التبعية الفرنسية بعد أزمة الغواصات مع أستراليا. ومن ناحية أخرى، كان سيؤثر القرار حال اتخاذه على مستويات أسعار الطاقة في فرنسا، والخدمات المرتبطة به بالتبعية في مجال الصناعة والتدفئة وغيرها، فقد سبق وأن عانت فرنسا بسبب احتجاجات السترات الصفراء، والتي كان السبب الأساسي فيها ارتفاع أسعار الوقود. كما أنه من المعروف في أدبيات السياسة الخارجية أن المواطن العادي يوجه اهتمامه لقضايا السياسة الداخلية أكثر من الخارجية، باعتبار أن الأولى تؤثر في المصالح المباشرة للمواطنين، لذا قد تكون مرجعية الموقف الفرنسي في الأزمة الأوكرانية هي تحقيق مصلحة داخلية، خاصة أن الأزمة تزامنت مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

فرغم عدم تأثير الدور الفرنسي بشكل كبير في الأزمة على الصعيد الدولي، إلا أنه قد يحمل معه إشارات إيجابية داخلية قد تعظم من فرص ماكرون في السباق الانتخابي، بعدما تركزت أنظار الأحزاب الفرنسية والمرشحين الآخرين في مراقبة تطورات الأزمة، والعمل على تقزيم الدور الفرنسي، ودور ماكرون شخصيا في محاولة لإجهاض فرصه في الانتخابات، الأمر الذي ترتب عليه عدم التفرغ لا من جانب المرشحين لتقديم برامج وحملات انتخابية مقنعة، ولا الرأي العام الفرنسي نفسه كان على استعداد للانشغال ببرامج الأحزاب بسبب أزمة أوكرانيا، كما أنه لم يكن راضيا تماما وحتى الآن عن أسماء المرشحين، وهو ما يوضحه وجود نسبة قد تتجاوز الـ ١٥ ٪ من الناخبين الذين أعلنوا عزوفهم عن الاقتراع حتى الآن.

فضلا عن أن الأزمة قد أظهرت ماكرون كرجل دولة، وهي ميزه يفتقدها منافسيه، فقد حاول من خلال الجهود الدبلوماسية، والاتصالات المكثفة مع نظيره الروسي _ بغض النظر عن النتائج _ والتي دأب على إعلانها للرأي العام، لكسب احترامهم، وإثبات جدارته كرئيس وتأكيد الحضور الفرنسي في الأزمة. لذا فماكرون يحاول أن يستفيد أقصى استفادة من منصبه كرئيس حاليا، مثل إدارة الأزمة الصحية والجهود الدبلوماسية خلال الأزمة الأوكرانية، وقد يكون هو السبب في تأخير إعلانه عن ترشحه رسميا للرئاسة، حتى يتمكن من تقديم نفسه كرجل دولة يركز على قضايا الساعة قبل دخول الاستحقاق الانتخابي.

وفي الختام، قد يستفيد ماكرون من الحملات الانتخابية غير الحماسية لمنافسيه في الانتخابات، وعجزهم عن فرض أنفسهم على الساحة، فرغم ترجيح استطلاعات الرأي قبل الانتخابات تراجع شعبية ماكرون التي أصبح لا يصح معها الجزم بفوزه، إلا أنه المرشح الأوفر حظا حتى الآن بين المرشحين بعد الأزمة الأوكرانية،وانقسام اليمين بين مرشحيه لوبان وزامور، وهما المنافسين الأبرز لماكرون إلى جانب فاليري بيكريس، ولكن حتى موعد الانتخابات قد تتغير أمور كثيرة في ظل وجود فئة لا يستهان بها من الجمهور لم تحسم خياراتها حتى الآن.

 

 

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى