التحولات في الموقف الألماني تجاه الأزمة الأوكرانية

أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز في السابع والعشرين من فبراير الماضي في خطاب وصف بالتاريخي والاستثنائي في البرلمان الألماني عن عزم بلاده إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا والاهتمام بتطوير القدرات العسكرية لبلاده أكثر من ذي قبل، وعُدت هذه الخطوة تحولا جوهريا في ثوابت السياسة الألمانية المتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥، الحرب التي تعتبر نتائجها السبب الرئيسي في ابتعاد ألمانيا عن الانخراط في أي صرعات دولية أو تقديم الأسلحة في المناطق التي حلت بها. لذا يتناول هذا التحليل أهم التحولات في الموقف الألماني تجاه الأزمة الأوكرانية، وفي القرارات الخاصة بالمجال العسكري داخل ألمانيا، والمستجدات التي أدت إلى ذلك.

أسباب تاريخية:

بعد عدائية هتلر واجتياحه لعدد من المدن الأوروبية على رأسها باريس، ومحاولته السيطرة على موسكو أكثر من مرة، والتي تسبب جميعها في اندلاع الحرب العالمية الثانية التي خسرتها ألمانيا، وصاحبت الهزيمة العسكرية خسائر بشرية واقتصادية جمة، فضلا عن تقسيم ألمانيا، أعد دول الحلفاء خطة مورجنتاو لاحتواء ألمانيا نهائيا، والتعلم من درس الحرب العالمية الأولى التي لم تكف العقوبات التي تقررت عقبها لردع ألمانيا، بل ظهرت النازية الألمانية بصورة أكثر عدوانية. لذا عمل الحلفاء على تقليم أظافر ألمانيا عسكريا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وجعلها بدون عتاد أو صناعة عسكرية كبرى، ونصت العقوبات هذه المرة على تحجيم عدد القوات الألمانية بحيث لا تزيد عن ٣٧٠ ألف جندي، ومنع حيازة أسلحة الدمار الشامل، ومراقبة الأنشطة النووية السلمية، فضلا عن الاتفاق الداخلي في ألمانيا على إخضاع الجيش للسلطة المدنية، وهو ما استمر حتى الآن، وأصبح مجرد ذكر كلمة حرب في ألمانيا يثير حساسية شديدة

خطاب استثنائي:

بعد أن اكتفت برلين خلال الثلاثة أيام الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا بتصريحات خافتة ومحسوبة اقتصرت على الإدانات والاحتجاجات اللفظية، بالإضافة إلى الاشتراك مع حلفائها الغربيين في فرض عقوبات اقتصادية على موسكو، ومعارضة محاولة بريطانيا إخراج روسيا من نظام السويفت الدولي واعتبرته موقف ” غير حيوي ” ولن يحقق مصالحهم، وفي هذا الصدد أكد المتحدث باسم الحكومة الألمانية ” نحن منفتحون، لكن يجب علينا أن نعرف عاقبة ما نقوم به هل سيدفعها _ روسيا _ إلى وقف إمدادات الغاز ؟، وإذا توقفت، فما تأثير ذلك على وارداتنا من الغاز “. إلى أن تحول الموقف الألماني بشكل جذري، فالموقف الألماني لم يمثل انقلابا على علاقاتها بموسكو، بل انقلابا على الوضع والدور الذي اختارته لها دول الحلفاء وارتضته هي بعد الحرب العالمية الثانية.

وقال المستشار الألماني خلال خطابه أمام البرلمان الألماني ( البوندستاج ) في ٢٧ فبراير الماضي إن بلاده ستقدم الأسلحة لأوكرانيا، وأعلنت أنها ستزود أوكرانيا بألف قاذفة للصواريخ، و٥٠٠ صاروخ من طراز ستينغر لمساعدتها في مواجهة الاعتداء الروسي، وهو في حد ذاته تحول لافت في السياسة الخارجية الألمانية التي ترفض قطعيا إرسال الأسلحة الألمانية إلى مناطق النزاع، وبناءا على ذلك رفضت تسليم أوكرانيا أي أسلحة قبل الهجوم الروسي على أراضيها.

لم تكتف برلين بهذا الحد، بل قررت مراجعة ميزانيتها العسكرية والاهتمام بالمجال العسكري أكثر، بعد أن أحست أن التطورات استوجبت ذلك، وبعد ضغط أمريكي، وتخوف من الأطماع الروسية، وهو ما قد يفسره تصريحات وزير المالية الألماني ” نأسف على إهمال جيشنا في الماضي والآن هو غير قادر على تنفيذ مهامه “، وتصريح المتحدث باسم الحكومة الألمانية التي أكدت على خطورة العقوبات الأوروبية على روسيا والتي قد تكلفها وقف إمدادات الغاز، وقد يعتبر هذا التصريح جس نبض ومساومة لأوروبا وأمريكا بمواقف ضعيفة في البداية للحصول على الموافقة والدعم في تقوية الجيش الألماني من جديد، مقابل اتخاذ موقف صارم ضد روسيا قد يكلفها التضحية بمصالح حيوية تربطها بموسكو. لهذا نتيجة تصريحات ألمانية التي توحي بتخوفها من التطلعات الروسية أرسلت الولايات المتحدة سبعة آلاف جندي لتطمين ألمانيا.

ولكن، ما المقابل؟:

بعد تضحية ألمانيا غير المتوقعة بحيادها تجاه الأزمة، واشتراكها في العقوبات القاسية المفروضة على روسيا، ودعم أوكرانيا عسكريا ضد روسيا، وتضحيتها _ ولو مؤقتا _ بخط الغاز نورد ستريم ٢ مع روسيا، قد تكون أدركت أن التهديد الروسي لأوكرانيا فرصة بالنسبة لها _ ألمانيا _ لاستعادة قوتها العسكرية، التي ستجعلها غير معتمدة على الحماية الأمريكية ولا متخوفة من القدرات الروسية لهذه الدرجة، لأن القدرات العسكرية الألمانية حاليا ضعيفة ومثيرة للقلق بالفعل، وبالتالي قد تكون هناك رغبة ألمانية لاستعادة أمجادها الماضية، ولعل ذلك ما يكون قصده شولتز في خطابه حينما قال إن ” الرئيس بوتين بحربه في أوكرانيا قد خلق واقعا جديدا استوجب ردا واضحا، لذا قررنا أمس إرسال أسلحة لأوكرانيا، وأرسلنا قوات عسكرية إلى ليتوانيا وبولندا ورومانيا، وفرضنا عقوبات على الدائرة المقربة من الرئيس بوتين “.

فمن الواضح، أن الأزمة الأوكرانية دفعت المسئولين الألمان لإعادة النظر بشكل جدي بالفعل لاستعادة القدرات العسكرية الألمانية، وهو ما عبر عنه شولتز صراحة، من الواضح أننا يجب أن ” نستثمر أكثر في أمن بلدنا من أجل حماية حريتنا وديمقراطيتنا، من خلال جيش قوي وعصري “، كما أعلن عن تخصيص ١٠٠ مليار يورو سنويا للجيش الألماني، واستثمار أكثر من ٢ ٪ من الناتج الإجمالي المحلي سنويا لصالح الإنفاق العسكري، لذاك وصف خطاب شولتز بأنه أقوى خطاب منذ الحرب العالمية الثانية. وفي هذا الإطار، تحول موقف وزير المالية الألماني بعد أن أشار إلى ضعف إمكانيات الجيش الألماني في مواجهة روسيا، إلى تأكيده على أن ألمانيا ستصبح من أقوى جيوش أوروبا. وعلى ما يبدو أن الموقف الألماني جاء بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول المقابل الذي ستحصل عليه ألمانيا بعد وقوفها ضد روسيا والتضحية بالمصالح التي تجمعهما، وعلى رأسها الغاز الروسي.

وبخصوص ملف الغاز، قد تكون واشنطن تعهدت بإيجاد بديل لمصادر الطاقة الروسية في سبيل تكوين تحالف مضاد ضد موسكو كليا، وفي نفس الوقت شل الاقتصاد الروسي بالكامل، باعتبار أن مجال الطاقة لم تتطرق إليه العقوبات الغربية خوفا من قطع الإمدادات الروسية عن أوروبا. وعلى ذلك، قد يكون البديل الأقرب هو الضغط على دول الخليج بزيادة الإنتاج لسد حاجة السوق الأوروبية والأمريكية من ناحية، والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة من ناحية أخرى، وهو ما يفسر عزم الرئيس الأمريكي على زيارة السعودية قريبا، وفقا لوسائل إعلام أمريكية. كما تمثل فنزويلا بديلا آخرا باعتبارها إحدى الدول المصدرة للنفط، ولهذا أجرى مسئولون أمريكيون زيارة إلى كاراكاس من أجل استعادة العلاقات معها بعد أن تم قطع العلاقات مع فنزويلا ٢٠١٩ أثناء فترة ترامب بعد اتهام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بتزوير الانتخابات، وحثها على زيادة الإنتاج، والمساهمة في تعويض الأسواق الغربية عن النفط الروسي مقابل إسقاط العقوبات المفروضة عليها، بعد أشهر من محاولات الوساطة والتهدئة داخل البيت الأبيض للضغط للتخلي عن السياسة المتشددة تجاه مادورو.

ولكن، رغم المحاولات الأمريكية للضغط على أوروبا للتخلي عن النفط الروسي، إلا أن الدول الأوروبية لم ترحب بالفكرة حتى الآن، وبالأخص ألمانيا، بعد أن اتضح أن مواقف واشنطن تسعي لخدمة مصالحها فقط، فهي لا تعتمد على مصادر الطاقة الروسية بشكل كبير، وبالتالي فهي غير متضررة حال قطع الإمدادات، على خلاف أوروبا التي تعتمد على الإمدادات الروسية بشكل كبير، كما أن بدائل الغاز الروسي قد لا تكون كافية في الفترة الحالية على الأقل لسد حاجات الأسواق الأوروبية،لذا فقد تكون العقوبات الأوروبية على روسيا _ باستثناء الطاقة _ كافية بالنسبة لأوروبا لضمان استمرار واردات الطاقة باعتبارها أيضا المنفذ الوحيد تقريبا لروسيا لدعم اقتصادها.

وأخيرا، ومن المفارقات أن الجيش الألماني يحاول بناء قواته العسكرية من بوابة موسكو التي انتهت عندها أسطورة الجيش الألماني في الحرب العالمية الثانية بعد هزيمة القوات الألمانية في موسكو في عهد ستالين.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى