حرية الأسواق: حق يراد به باطل

تشهد الأسواق حاليا، حالة من الإنفلات فى أسعار العديد من السلع المهمة، وذلك بحجة الموجة التضخمية العالمية والتى تأججت نيرانها بعد الأزمة الأوكرانية وماترتب عليها من ارتفاع فى العديد من السلع والخدمات كنتيجة لارتفاع المدخلات الرئيسية للإنتاج أو السلع الأولية، وسيادة الإرتباك بالأسواق الدولية. ويعلل البعض ما يحدث بالسوق المصرى بالاستناد إلى القول بأن العمل وفقا لآليات السوق حيث تتحدد الأسعار نتيجة للعرض والطلب. وبعبارة أخرى فان هؤلاء يرون أن إقتصاد السوق يعنى الحرية المطلقة لأصحاب الأعمال والتجار وغيرهما من اللاعبين الأساسيين فى التحكم فى الأسعار. وهى مقولة حق يراد بها باطل، إذ أن المفهوم الصحيح لاقتصاد السوق يشير ببساطة إلى تفاعل قوى العرض والطلب فى إطار مؤسسى وقانونى سليم يضمن عمل الأسواق بطريقة صحيحة، وهو ما يتطلب وجود إطار مؤسسى قوى ينظم هذه العملية. وكما ذكر أحد تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وبحق «انه إذا كان هناك انتصار للرأسمالية فليس هناك ما يستدعى الجشع الشخصي».فعلى الرغم من أن آلية السوق وجهاز الثمن هما من أكفأ الآليات المحققة للنمو الإقتصادى، إلا أن اللجوء إليهما فى كل الأمور، يعد أمرا من قبيل الجنون القاتل، على حد تعبير العالم الإقتصادى الفرنسى ميشيل بو. حيث أثبتت الدراسات أن الأسواق تعانى إختلالات عديدة أكدها الكثيرون بشكل واضح صريح يعود بعضها إلى الأوضاع الإحتكارية، والبعض الآخر ناجم عن الإعتبارات القصيرة الأجل فى العمل، والتى تجعل السوق أقل قدرة على المنافسة أو أقل كفاءة. وهنا تحفل معظم الكتابات الأساسية فى علم الإقتصاد بالعديد من الدراسات التى تشير إلى الإحتكارات بإعتبارها أحد المثالب الأساسية لنظام السوق، الأمر الذى دفع جون ستيورات ميل للقول بأنه إذا لم تتحقق فروض المنافسة الكاملة، يصبح من المستحيل قيام علم للإقتصاد. بل ان آدم سميث نفسه يرى أن الإحتكارات والإمتيازات هما العدوان الرئيسيان اللذان يهددان عمل النظام الإقتصادى الجيد.

وعلى الرغم مما يبدو ظاهريا من سهولة الحكم على هذه المسألة خاصة أن معظم الباحثين يرون أن الاحتكار يحد من الكفاءة الإنتاجية للسلعة ويتقاضى أسعارا أعلى مما تتقاضاه المؤسسات فى ظروف المنافسة الكاملة، فإن المسألة ليست بهذه السهولة فى ضوء تعقيدات الواقع المعيش. إذ يرى البعض أن الصناعة الإحتكارية لا تنتج المقدار الأمثل من السلعة، لأنها تنتج عند النقطة التى يتساوى فيها الإيراد الحدى مع التكلفة الحدية. وبما أن التكلفة الحدية هى أقل من السعر فسوف تستمر العملية مادامت استمرت هذه المسألة، ومن هنا فإن الإحتكار يؤدى إلى سوء تخصيص الموارد.كما يميل احتكاريو القلة إلى المنافسة من خلال الدعاية وإختلاف المنتج بشكل أكثر عدوانية، مما هو عليه من خلال التخفيضات فى الأسعار المباشرة. أى أن هذه المؤسسات تحاول جاهدة جذب الأعمال من المنافسين عن طريق التفوق عليهم بحملات الدعاية الأفضل وليس عن طريق خفض الأسعار والتكلفة. وذلك لأن هذه المؤسسات تستطيع تخفيض الأسعار بسرعة وسهولة وهكذا تميل المؤسسات فى الظروف الإحتكارية إلى الإعتقاد بوجود فرصة لتحسين أرباحها فى الأجل الطويل على حساب المنافسين فى حقل المنافسة غير السعرية، وهى أفضل من الفرصة التى تتاح عن طريق تخفيض الأسعار. ويكون هؤلاء أقل إجتهادا فى مراقبة التكاليف وفى استعمال الموارد بشكل فعال.

وبالتالى فإن نظام السوق له مقومات أساسية ورئيسية لابد من إستيفائها حتى يحقق الغرض منه، فى مقدمتها وضع المؤسسات المناسبة لتحقيق الإنضباط والأطر التى تحمى حقوق كل الأطراف. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال وجود أجهزة رقابية قوية تستطيع مواجهة الأفعال الضارة بالسوق والتى تعوق قدرة الأطراف على إتخاذ قراراتهم وفقا للإعتبارات الإقتصادية وحدها وكذلك لمواجهة الآثار السلبية الناشئة عن الأفعال التى تهدف إلى الإضرار بالمستهلك أو الكيانات العاملة بالسوق. فيما اصطلح على تسميته الوظيفة التنظيمية للدولة والتى تشمل منع الممارسات الإحتكارية والسيطرة عليها وحماية المستهلك. ولا ينبغى النظر لهذه الرقابة على أنها تدخل فى عمل الأسواق بالمعنى الذى يفقدها حرية المبادرة، وإنما الرقابة هدفها مواجهة الأفعال والتصرفات الضارة بالسوق. خاصة أن المستهلك يمثل أضعف حلقات التعامل، وبالتالى يصبح من الضرورى العمل على حمايته من هذه الممارسات.

فى ضوء ما سبق أصبح من الضرورى العمل على تنظيم الأسواق ومواجهة السلوك الإحتكارى وتفعيل دور الدولة لتعويض أوجه النقص. وذلك عن طريق التدخل الواعى والذكى وضبط عملية السوق بما يجعلها قادرا على العمل بكفاءة وفعالية وتضمن توافر الظروف التى تجعل تفاعل العرض والطلب يتم فى إطار حقيقى غير مصطنع، نابع من الإرادة الحقيقية للمتعاملين. مع ضمان التخطيط الإستثمارى السليم عن طريق توفير البيانات والمعلومات الأساسية عن القطاعات الإقتصادية بالمجتمع، وذلك بالشكل الذى يمكن الجميع من إجراء دراسات الجدوى السليمة والصحيحة. وكذلك توفير المناخ الإستثمارى الجيد. وهذا يعنى ببساطة إيجاد بيئة تنافسية تدفع للمزيد من الكفاءة فى الإنتاج مع ضمان عدالة التوزيع لثمار النمو. إذ أن السياسة الصحيحة هى التى تعمل على ضمان حصول المواطن على السلعة الجيدة بالأسعار المناسبة بما يحقق له مستوى معيشة لائقا. جنبا إلى جنب مع العمل على مساندة الصناعة المحلية وتدعيم المنتج المحلى وتشجيعه على الوقوف أمام المنافسة العالمية غير العادلة، وكلها أمور تصب فى النهاية لمصلحة المواطن وتساعد على تهدئة الأسعار، وزيادة الصادرات وفتح مجالات جديدة.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى