اتجاهات تصويت دول العالم حول الغزو الروسي لـ “أوكرانيا”

عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا طارئًا في يوم الجمعة 25 فبراير الماضي، للتصويت على تمرير مشروع قرار صاغته الولايات المتحدة الأمريكية ومعها ألبانيا، يستنكر العدوان الروسي على أوكرانيا، إلا أنه كان من المتوقع في الأساس استخدام روسيا لحق “فيتو” تجاه ذلك القرار، ما جعل الاجتماع يحول دون تمرير ذلك القرار، الأمر الذي لفت انتباه كبير حول ما يشير له ذلك من فشل لمجلس الأمن في وقف العدوان على “كييف”.

وبناءً على ذلك، يهدف التحليل التالي لتوضيح مجريات التصويت العالمي لاتخاذ القرار بهيئة الأمم المتحدة، وأثر “الفيتو” بمجلس الأمن على فعالية التنظيم الدولي، والموقف الدولي من روسيا بعد رفضها تدخل الأمم المتحدة،  أو العودة للحلول الدبلوماسية.

خارطة التصويت:

يشكل حق الرفض القاطع “فيتو” الذي تتمتع به خمس دول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة، عائقًا يمنع تمرير أي قرار يمكنه تهديد مصالح أي دولة من بين الـ (5)، وهى “الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا”، لذلك قيام موسكو باستخدامه خلال اجتماع مجلس الأمن، نتج عنه شلل تام لقدرة المجلس على التدخل بالأزمة ومنع العدوان الروسي، كما امتنعت ثلاث دول من أصل 15 دولة عضو بالمجلس عن التصويت، وهي (الصين، والهند، والإمارات)، وبذلك لم يتوصل المجلس لأي قرار تجاه هجوم روسيا على جارتها “أوكرانيا”.

وكانت هذه النقطة التي تضعف مجلس الأمن، وتؤدي للتخبط وعدم إمكان اتخاذ القرار، تظهر باستمرار طوال حقبة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية، والتي ظهرت فيها عيوب وانتقادات عديدة حول تشكيل مجلس الأمن، وفلسفة وجود دول دائمة العضوية، لها حق في إطاحة أي قرار بصوت واحد منها لرفضه.

وفي المقابل، كان التصويت بـ “الجمعية العامة للأمم المتحدة” أكثر تأكيدًا للحرص على وحدة الأراضي الأوكرانية، حيث حاز القرار لوقف الاعتداءات الروسية بأوكرانيا على اتفاق بتمريره بقبول أغلبية ساحقة، حيث تمت الموافقة عليه بواسطة 141 من أصل 193 صوت، بينما عارضت القرار خمس دول فقط، وهي “روسيا وبيلاروسيا، وكوريا الشمالية، إريتريا، وسوريا”.

 وبذلك فإن الحكومة السورية هي الوحيدة الداعمة للموقف الروسي من بين الدول العربية، التي امتنع بعضها عن التصويت، لاسيما “الجزائر”، بينما أيدت القرار دول أخرى من العرب، بينها “مصر والإمارات”، على خلاف أن الأخيرة كانت قد امتنعت عن التصويت ضد روسيا في اجتماع مجلس الأمن.

تداعيات جديدة:

تزايد السعي الدولي لعزل الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” دبلوماسيًا، إلى جانب العقوبات الاقتصادية التي كانت قد أُعلن عنها مؤخرًا، وقد تعددت المواقف الدولية تجاه الرغبة بطرد موسكو من العضوية الدائمة بمجلس الأمن الدولي، وعضويتها بمجلس حقوق الإنسان، ومن أهم المواقف الدولية في ذلك:

( * ) الموقف الأمريكي: رأت واشنطن أنه يجب الضغط على روسيا سياسيًا أيضًا، حيث طالب وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”  بضرورة طرد “موسكو” من عضوية مجلس حقوق الإنسان، نظرًا لأن الأفعال الروسية تؤدي لتدمير البنية التحتية الأوكرانية، كما تمنع وصول مياه الشرب، بالإضافة للتعدي على السيارات المدنية، وقد أدى الصراع بالفعل إلى مقتل أكثر من 100 شخص مدني، من بينهم أطفال، مؤكدًا دعم بلاده بشكل كامل لأوكرانيا، في مواجهة الاعتداءات الروسية على “كييف”، وقد فاز الاتحاد الروسي بذلك المقعد بمجلس حقوق الإنسان وتولى ذلك بشكل فعلي منذ يناير 2021، على أن تنتهي فترة تولي روسيا لذلك المقعد بعد مرور ثلاث سنوات من ذلك، أي يناير 2024.

( * ) الموقف البريطاني: يبدو أن دول أوروبا الغربية تتناقش لأجل عزل موسكو بشكل كبير دوليًا، وتسعى لإدانتها بقوة، وكان ذلك متضحًا بشدة في موقف بريطانيا، حيث صرح المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، في الأول من مارس الجاري، أن بلاده تسعى لطرد روسيا من مجلس الأمن الدولي، على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا لانتهاك روسيا بذلك ميثاق الأمم المتحدة، وسيتم دراسة ذلك، إلا أنه من غير المتوقع حدوث ذلك، لأن حدوث ذلك يعني انهيارًا للأمم المتحدة، وبالتأكيد يمكن لروسيا منع أي محاولة لتمرير قرار بذلك من خلال مجلس الأمن، عبر استخدام الفيتو، كما أن هناك العديد من الدول الإفريقية والعربية وغيرها أوروبية أيضًا، ستعارض مثل ذلك القرار إذا تمت محاولة تمريره من خلال “الجمعية العامة”، لذلك من غير المحتمل أن يتم تطبيق ذلك، كما أنه لا يستند على أساس قانوني لطرد دولة لها حق العضوية الدائمة فى مجلس الأمن الدولي.

( * ) الموقف الروسي: تؤكد “موسكو” أن القرارات الروسية وأفعالها في أوكرانيا، تتوافق بالكامل مع البند (51) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي توفي بحق الدول في الدفاع عن أنفسها، حيث تعتبر روسيا أن أوكرانيا كانت تهدد أمنها القومي، وذلك بالأخص لطلب “كييف” الانضمام إلى حلف الناتو، بالإضافة إلى قمعها المنفصلين الذين ينتمون للقومية الروسية بـ “إقليم دونباس”، ولم تكن روسيا تتمتع فقط خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي بحق الفيتو، بل كانت تترأس ذلك الاجتماع، وقد تسلمت “الإمارات العربية المتحدة” رئاسة المجلس في بداية مارس الجاري.

تأسيسًا على ذلك، يمكن القول إن تطورات العالم اليوم تؤكد الحاجة لزيادة تمكين للمنظمة الدولية، إذ إن الأزمة الأوكرانية قد أوضحت عدم قدرة “مجلس الأمن الدولي” بشكل خاص، وبالتالي “هيئة الأمم المتحدة ” بشكل عام على اتخاذ موقف حازم، قادر على إيقاف الاعتداءات والعدوان الروسي على “كييف”.

وفي النهاية، تبقى أيضًا قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة غير فعالة، مقارنًة بإمكان تطبيق قرارات مجلس الأمن، إلا أن الأولى تكتسب أيضًا الطابع الرمزي سياسيًا، ولكن تظل هناك سلبيات تضعف باستمرار هيكل الأمم المتحدة، مادام “الفيتو” حاضرًا، ومادامت القضية المتناول نقاشها تخص إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن.

 

محمد صابر

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس العلوم السياسية، متخصص في شئون سوريا والشرق الأوسط، وله العديد من الدراسات منشورة بالمراكز الفكرية، والمجلات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى