أين وصلت أزمة سد النهضة؟

أعلنت إثيوبيا في الـ 20 من فبراير الجاري عن بدء التشغيل التجريبى لأحد توربينات توليد الكهرباء بسد النهضة فى تصرف بشكل أحادى، يعد خرقًا لإعلان المبادئ الموقع فى  مارس عام 2015.

إعلان إثيوبيا عن عملية التشغيل وسط أجواء احتفالية كبيرة قامت بها- قد يؤدى إلى تفاقم الأزمة، خاصة في ظل صمت كبير من قبل الاتحاد الأفريقي باعتباره الجهة المنوط بها تسوية الأزمة وفقا للحلول الأفريقية.

تأسيساً على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى رصد رد فعل دولتى المصب (مصر والسودان)، فضلًا عن توضيح أهداف أبى آحمد من هذا الإعلان، وأبزر مخاوف مصر والسودان من جراء هذا التصرف.

موقف واضح:

اعتبرت مصر وفقًا لتصريحات المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية المصرية، أن التشغيل التجريبي لتوليد الكهرباء من السد دون الوصول لاتفاق ملزم بين أثيوبيا وكل من مصر والسودان يعد إمعانًا من الجانب الإثيوبي فى خرق التزاماته بمقتضى اتفاق إعلان المبادئ الموقع من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي فى مارس 2015.

وهو نفس ما أكدت عليه السودان، والتى رأت أن بدء توليد الكهرباء من سد النهضة يعنى انتهاء المفاوضات حول السد، وأنها باتت غير ذات جدوى لكل من الإطراف، فلم يعد يتبقى شئ للتفاوض عليه سوى الملء الثالث من السد، والذى تواجه أثيوبيا فيه مشاكل عديدة.

وقد سارعت السلطات المصرية إلى توجيه خطاب جديد إلى مجلس السلم والأمن الدوليين، وهو ما يؤكد على إتباع كل من مصر والسودان الأساليب القانونية والشرعية فى تدويل قضية سد النهضة، وعرض الأزمة على الرأي العام العالمي، حيث تضمن البيان المصري أن ” الإعلان الإثيوبى، هو إجراء أحادى الجناب يضاف إلى عمليات ملء أعوام 2020 و 2021 من جانب واحد ويعد خرقًا لاتفاق المبادئ المبرم فى مارس 2015، والذى يقتضى من إثيوبيا بشكل واضح لا لبس فيه التوصل لاتفاق ملزم قانونًا بشأن القواعد المنظمة لملء سد النهضة وتشغيله قبل بدء عملية الملء والتشغيل”[1]. يذكر أن المندوب المصري بالأمم المتحدة، طلب بتعميم البيان حتى يصبح وثيقة من وثائق مجلس الأمن بالبند المعنون بالسلام والأمن فى أفريقيا.

كما أكدت مصر عبر رسالتها أن إثيوبيا قد امتنعت عن إجراء الدراسات المطلوبة بشأن الآثار الهيدرولوجية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية المترتبة على بناء سد النهضة، وعن التشاور المسبق بشأن ذلك وفقًا لقواعد القانون الدولي للأنهار الدولية والاتفاقيات الدولية الموقعة. واعتبرت أن بدء الملء يعد خرقًا للبيان الرئاسي الصادر من مجلس الأمن فى سبتمبر الماضى، الذى يطالب فيه الدول الثلاث بالعودة للمفاوضات، والوصول إلى اتفاق ملزم بشان قواعد ملء وتشغيل السد، وهو ما يعني أن إثيوبيا تراوغ إثيوبيا فى الجلوس على طاولة المفاوضات من أجل الوصول لذلك الاتفاق.

البحث عن مكاسب:

تسعى  الحكومة الإثيوبية من وراء الإعلان عن توليد الكهرباء بقدرة 375 ميجا وات، التي تعد كمية ضعيف جدًا من الكهرباء عبر تشغيل أحد التوربيات، بل خطوة مؤجلة منذ قرابة 44 شهرًا، وذلك لتحقيق عدة أهداف، هي كالتالي:

(*) تعانى إثيوبيا منذ يونيو 2020 من صراع طويل وممتد مع جبهة تحرير شعب التيجراى، والتى حققت انتصارات متوالية كادت تطيح بنظام أبى أحمد لولا تدخل بعض القوى الإقليمية، والدولية لمساعدة نظام آبى أحمد عبر إمداده بالعديد من أنظمة الدفاع والطيارات بدون طيار، التى أدت إلى تراجع تكتيكى من قبل الجبهة، وقام خلالها نظام آبي أحمد بارتكاب العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط على نظامه ومطالبة العديد من المنظمات الدولية بمحاكمته على ذلك.[2]

وبالتالي، وتأسيساً على ما سبق، يسعى آبي أحمد إلى تحقيق انتصار ولو معنوي من أجل إعادة حشد الشعب الإثيوبي ضد خطر وهمى يروج له دائما بعدم رغبة دول المصب (مصر والسودان) فى إبقاء الشعب الإثيوبي دون تنمية، كذلك  حشدهم عبر تصدير فكرة إعادة تكوين الإمبراطورية الإثيوبية، كذلك زيادة الضغوط لداخلية وسط دعوات من بعض الأقاليم بالانفصال، وهو ما يهدد بقاء دولة إثيوبيا ذاتها، وبالتالي تخفيف تلك الضغوط عن نظامه.

(*) تمرير كمية من المياه المتراكمة خلف سد النهضة، وذلك من أجل خفض منسوب المياه حتى لا تمر من فوق الممر الأوسط، الذي تريد تعليته حتى تتمكن من البدء فى عملية الملء الثالث للسد، والمقدرة بحوالى 10 مليارات م3 خلال الفترة ما بين شهري يوليو وسبتمبر القادمين، وذلك على الرغم من أن تقديرات بعض الخبراء تنبأ بأن إثيوبيا لن تستطيع القيام بالتعلية الكافية للملء الثالث.

مخاوف متعددة:

تعد أبرز مخاوف كل من مصر والسودان بشأن بالبدء فى تشغيل سد النهضة بشكل منفرد وأحادي من قبل إثيوبيا، الذي يعد خرقًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي، باعتبار ما حدث سابقة قانونية من قبل دولة من دول المنابع تجاه المعاهدات الدولية المنظمة للمياه فى نهر النيل. هذا بالإضافة إلى أن ما تفعله إثيوبيا يمثل انتهاك واضح للحقوق التاريخية المكتسبة، بل يمثل إلحاق ضرر تجاه دول المصب، دون الإخطار المسبق قبل البدء فى أى مشروعات على حوض نهر النيل، الأمر الذي قد يمهد للعديد من الخروقات من قبل دول المنابع، التى تسعى نتيجة لخطط التنمية الموجودة لديها إلي التحول من نظام الرى المطير إلى الرى الدائم عبر إنشاء السدود لتخزين المياه من أجل توفير المياه للمحاصيل الاقتصادية، التى تعمد عليها مثل البن والشاى ، وغيرهما.[3]

هذا بالإضافة المخاوف المرتبطة بتزايد السكان فى دول حوض النيل بشكل مضطرد، والذى من المتوقع أن يصل إلى قرابة 650 مليون نسمة بحلول عام 2030 بزيادة أكثر من 52 % من عدد السكان فى 2010، خاصة أن العديد من الدراسات تشير إلى أن ما يزيد عن 72 % من السكان فى دول حوض النيل سيعيشون فى المناطق الريفية بدول حوض النيل، وهو ما يعنى زيادة الضغوط على المياه والأراضي، مما يترتب عليه زيادة حدة التنافس على المياه والتى قد تؤدى إلى حروب على المياه بين دول الحوض حال عدم وجود اتفاق قانونى ملزم ومنظمة مستقلة لإدارة النهر .[4]

وفى ذات السياق، يعد من ضمن مخاوف دولتى المصب، هو عدم قيام إثيوبيا بعمل الدراسات اللازمة للسد سواء بيئية أو هيدرولوجية أو اجتماعية، خاصة المتعلقة بمعدل أمان السد، وهل من الممكن أن يتحمل تخزين كمية المياه المقدرة من الجانب الإثيوبي  ب74 مليار م3 ؟ وهو ما يهدد حياة الملايين من سكان السودان ومصر وهى تكلفة أكبر بكثير من الفوائد المتوقعة من السد لإثيوبيا.

في النهاية، يمكن القول إن ما تقوم به إثيوبيا من تصرفات أحادية بشأن إدارة وتشغيل سد النهضة فى تحدى صارخ لمبادئ القانون الدولي وإعلان المبادئ الموقع فى 2015 والخطاب الرئاسى لمجلس الأمن الصادر فى سبتمبر 2021- يعنى تعمدًا ومماطلة من قبل إثيوبيا حتى تنتهي من بناء السد وفرض سياسة الأمر الواقع أو على الأقل ملء كمية كبيرة من المياه تجعل من قيام أى من دولتى المصب بأى تصرف ضده يشكل خطرًا عليهما، وهو ما يشكل خطرًا جسيمًا على أمن منطقة حوض النيل وزيادة حدة التنافس على المياه قد يصل بها إلى حرب على المياه بعيدًا عن التعاون، الأمر الذى يدلل على غياب الوعي والإدراك للفوائد المحتملة التى يمكن تحقيقها من جراء التعاون حول النهر، فالتعاون حول النهر لابد أن يتحقق على كافة المستويات لجنى المنافع سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئة، وبالتالي تجنب ويلات الحروب بين دول يجمعهم شريان واحد للحياة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مضر توجه خطاب الى مجلس الأمن بعد بدء إثيوبيا تشغيل سد النهضة  بتاريخ 25/ 2/ 2022 على رابط

https://arabic.rt.com/middle_east/1328648

[2]د. محمد فؤاد رشوان ، الصراع فى إثيوبيا التداعيات وسيناريوهات المستقبل ، مجلة الاهرام العربي ، العدد1280، 4 ديسمبر 2021

[3]د. محمد فؤاد رشوان ، التعاون فى حوض النيل .. الفرص والتحديات ، مجلة الثقافة الجديدة ( القاهرة ، المجلس الاعلى للثقافة، اكتوبر 2016 )

[4]Nile Basin Initiative, Nile Cooperation Opportunities &Challenges (Entebbe: Nile Basin Initiative, September 2014),PP.6-7 .

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى