جذور ممتدة: متى بدأت الأزمة بين “روسيا” و”أوكرانيا”؟

أعلنت روسيا فجر الخميس 24 فبراير الجاري، بدء عملية عسكرية على “كييف”، بعد حشد عسكري روسي طالت مدته على الحدود مع أوكرانيا، واعتراف موسكو باستقلال جمهوريتي “دونيتسك ولوغانسك”، وبالتزامن مع ذلك دخول قوات الجيش الروسي لمنطقة “إقليم دونباس”، والإعلان عن عملية عسكرية روسية بهدف تجريد أوكرانيا من السلاح، حيث استمر القصف على العديد من المواقع بالأخيرة، وحتى داخل العاصمة “كييف” منذ الساعات الأولى للغزو حتى تاريخه.

تأسيسًا على ذلك، يسعى هذا التحليل لتوضيح جذور الأزمة التاريخية وأساسها، لتوضيح أسباب الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى توضيح آثار ذلك على روسيا نفسها مستقبلًا.

الجذور التاريخية للأزمة:

الغزو الروسي لأوكرانيا له عدة أسباب، ولا يمكن الحكم على القضية بين روسيا وأوكرانيا من منظور تقليدي مرتبط بعدم أحقية روسيا في الاعتداء على كييف فقط، وإنما تقاس العلاقات الدولية بشكل كبير من خلال مبدأ المصلحة القومية والحيوية للدولة، ولتوضيح ذلك يجب النظر للجذور الأساسية للأزمة والتي ترجع للصراع بين دول الشرق ودول الغرب، الذي يعود إلى صراع حلفي “الناتو ووارسو” طوال فترة الحرب الباردة.

كان الهدف من قيام حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة في الأساس، هو حماية دول غرب أوروبا من تهديد الاتحاد السوفييتي، واستمرت الحرب الباردة بين “ناتو” و “وارسو” قائمة حتى وصول “غورباتشوف” لحكم الإتحاد السوفييتي، ومن ثم  تفككه عام 1991، وشهدت خارطة التوازنات انضمام دول كانت في الأساس من أعضاء حلف “وارسو” سابقًا، إلى حلف “الناتو”، لاسيما (بلغاريا ورومانيا وبولندا)، الأمر الذي أثار حفيظة روسيا، ففي إطار برنامج لتوسعة الناتو بفكرة الولايات المتحدة، رأت واشنطن ضرورة عدم انتهاء الحلف رغم تحقيق هدفه لحماية غرب أوروبا من الحصار الروسي الذي كان مفروضًا عام 1949، بل تغيير إستراتيجية الناتو لتشمل توسيعه كذلك، وانضمام دول من وسط وشرق أوروبا، مع استبعاد روسيا لأسباب متعددة من أهمها أن الأخيرة ليست بدولة أوروبية خالصة، ودون ذكر أي استبعاد لـ (أوكرانيا ودول البلطيق) من الانضمام للحلف مستقبلًا، وظلت موسكو تطالب بمطلب رئيسي وهو ضرورة عدم ضم هذه الدول للناتو، وفيما يلي الأسباب التي رأت فيها روسيا ضم أوكرانيا للحلف تهديدًا تهديدً مباشرًا للأمن القومي الروسي:

(*) العامل الجغرافي: روسيا وأوكرانيا دولتان بينهما حدودًا مشتركة، وانضمام الأخيرة للناتو يعني محاصرة موسكو من قبل الناتو، ووجود قوى عسكرية من دول الحلف على الحدود الروسية مع أوكرانيا، كما قد يهدد ذلك روسيا بالتحول إلى دولة حبيسة، وحجبها عن إطلالة البحر الأسود على الحدود مع أوكرانيا، وكان ذلك السبب هو ما قام بجذب روسيا لغزو”شبه جزيرة القرم”، للوصول إلى المياه الدافئة، والاتصال بدول أوروبا وأفريقيا، والحفاظ على موقعها المركزي عالميًا.

(*) العامل الاقتصادي: تقوم روسيا بتصدير الطاقة لدول غرب أوروبا، مرورًا بـ “كييف”، ولذلك خضوع أوكرانيا للناتو، أمرًا يمكنه أن يمثل تهديدًا للمصالح الروسية، وهذا ما أدركته موسكو، وتجدر الإشارة للغاز الروسي أنه عامل ضغط رئيسي في يد روسيا على دول غرب أوروبا.

تطورات مُسبقة:

مع مطالبة أوكرانيا باستمرار، الانضمام لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، ازداد التوتر وكانت دول الحلف قد رحبت بالمطلب الأوكراني عام 2008، خلال “قمة بوخارست”، ورفضت الولايات المتحدة مطالب روسيا لرفض عضوية أوكرانيا، باعتبار ضم الأخيرة للحلف حقًا سياديًا لها كدولة تتمتع بالسيادة، إلى أن وصل الرئيس الأوكراني السابق “فيكتور يانوكوفيتش” للحكم في فبراير 2010، وقد كان مقربًا من روسيا، لذلك لم يكن مفاجئًا تأكيده أن بلاده لم تعد بحاجة للانضمام إلى الناتو، كما أقر البرلمان الأوكراني بعد ذلك مشروع قانون لمنع انضمام كييف إلى الحلف في يونيو 2010، وشهدت هذه المرحلة نقلة هامة وانفراجة للعلاقات الاقتصادية بين موسكو وكييف، حتى اشتدت الاحتجاجات المؤيدة للإتحاد الأوروبي في أوكرانيا، والتي انتهت بعزل “يانوكوفيتش” وفراره إلى روسيا عام 2014.

بالتزامن مع هذه المجريات قامت روسيا بغزو “شبه جزيرة القرم” الأوكرانية، وسط تظاهر محتجين بأوكرانيا معظمهم ينتمون للقومية الروسية، ضد ما يجري بكييف في مطالبة منهم بزيادة التكامل مع موسكو، كما طالب المحتجون بحكم ذاتي واستقلال القرم عن “كييف”، وزاد إلغاء قانون اللغة للأقليات، وإعلان اللغة الأوكرانية لغة رسمية وحيدة، من تأجيج غضب بعض الأقاليم في أوكرانيا، حيث يشير ذلك إلى أن المحتجون في “كييف” الذين أطاحوا بحكم “يانوكوفيتش” لديهم توجهات عنصرية، وعلى ذلك تم إجراء استفتاء في “القرم” للانفصال عن أوكرانيا وجاءت نتيجته لصالح ذلك، والانضمام بالتالي إلى روسيا.

وقد مثل دعم موسكو للحركات الانفصالية في “إقليم دونباس” شرق أوكرانيا (دونيتسك ولوغانسك)، نقطة خلاف مع “كييف”، حيث يتركز بذلك الإقليم جزء كبير من ثروات أوكرانيا الطبيعية، ومحطات توليد الطاقة، وصناعات ثقيلة، لذلك يًوصف الإقليم بـ “سلة الغذاء والصناعة” بأوكرانيا، وظلت روسيا تنفي اتهامات الغرب وأوكرانيا لها بدعم الانفصاليين بالإقليم، في ظل اشتداد النزاع بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين، حتى تم توقيع “اتفاق مينسك للسلام” في سبتمبر 2014، بين أوكرانيا وروسيا و “دونيتسك ولوغانسك”، والذي كان يتم خرقه باستمرار في الأساس، كما تم توقيع اتفاق آخر لوقف إطلاق النار في فبراير 2015 “مينسك 2″، واستمر خرقه أيضًا على مدار السنوات الماضية.

شرارة الحرب:   

حملت نهاية العام السابق 2021، إشارات عديدة للإنذار بالغزو الروسي لأوكرانيا، حيث قامت موسكو بإجراء مناورات عسكرية برية وبحرية وجوية مُوسعة حول الأراضي الأوكرانية، وقامت روسيا مؤخرًا بنشر ما يزيد عن 150 ألف جندي على الحدود مع أوكرانيا، مما زاد التوتر وأثار القلق العالمي، وكانت المطالب الروسية واضحة تجاه أوكرانيا والناتو، بعدم ضم الحلف لـ “كييف”، إلا أن الولايات المتحدة ومعها دول الحلف أكدت رفضها للمطالب الروسية وأشارت إلى أن طلب أوكرانيا حق سيادي لها، ولا يمكن لموسكو أن تعترض على ذلك الأمر.

كان العالم يترقب يوم 16 فبراير الجاري، غزو روسيا لأوكرانيا على أساس ما قام الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بنشره، ولكن روسيا على خلاف ذلك قامت بانسحاب جزئي لجنودها على الحدود مع كييف، ذلك الذي اعتبره العالم إشارة إلى سلام حذر، وأن روسيا ترغب في التفاوض. بالتزامن مع ذلك قامت موسكو بتنفيذ مناورات عسكرية هائلة في سوريا تحمل رسائل قوية للناتو، بالتواجد الروسي في البحر المتوسط، ذلك الضغط الروسي على الغرب الذي لم يكن فقط سياسيًا  وعسكريًا، وإنما صاحبه ضغطًا اقتصاديًا، من حيث ملف “الغاز” والأمن الغذائي العالمي، كلها أوراق ضغط في جعبة روسيا، تقوي من موقفها أمام الناتو وتجعل الأخير في حالة تردد تجاه فكرة التدخل ومنع الغزو الروسي لأوكرانيا، أو إيقافه حاليًا، بعد اقتراب وصول الغزو للسيطرة على العاصمة “كييف”.

 في إطار ذلك الغزو قام الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بإعلان رسالة حادة، باعتراف روسيا باستقلال جمهوريتي “دونيتسك ولوغانسك” عن أوكرانيا، يوم الاثنين 21 فبراير الجاري، بالرغم من عدم الميل للاعتراف باستقلال إقليم دونباس من قبل الحكومة الروسية تاريخيًا، بما كان في الأساس مؤشر حقيقي لنية “بوتين” تجاه أوكرانيا.

الانعكاسات على روسيا:

تتضح تداعيات الأزمة  بفرض العقوبات الاقتصادية على موسكو، ولكن بالنسبة لفكرة الرد العسكري من الناتو، فمن غير المتوقع حدوث ذلك مع عدم تمتع “كييف” بضمانات الدفاع المتبادل للناتو، ولا يوجد تهديد مباشر للناتو، حيث لم تصبح أوكرانيا عضو بالحلف حتى الآن، كما أكدت وزيرة الدفاع الفرنسية “فلورانسي بارلي” عدم رغبة الغرب أو واشنطن في الدخول بحرب مع روسيا إطلاقًا، لذلك فإن العقوبات التي يمكن فرضها على موسكو ستكون اقتصادية، إلا أنها لا تمثل تهديدًا في الأساس لروسيا، فيمكن للأخيرة تجاوزها وعدم التأثر بها إلا تأثيرًا طفيفًا.

 وإذا قررت واشنطن وحلفاؤها تطبيق عقوبات إضافية، ستكون آثارها الأكبر على اقتصادات دول غرب أوروبا أكثر من كونها مؤثرة على روسيا نفسها، فتمتلك موسكو من الأدوات ما يمكنها من الضغط على الأسواق الأوروبية، ولا سيما أنها تستطيع أن تزيد من ارتفاع أسعار تصدير الطاقة والمواد الأولية الزراعية لدول غرب أوروبا، ويفسر ذلك قيام واشنطن بالبحث مؤخرًا عن بديل لتصدير النفط لأوروبا عن روسيا، ولذلك فإن الاقتصاد الروسي بات مقاومًا بقوة، ولا يتأثر بعقوبات الغرب التي تم الإعلان عنها حتى الآن.

بناءً على ما سبق، من المتوقع أن تسعى أطراف المجتمع الدولي للتسوية السلمية، وأن يتم توقيع اتفاقًا يضمن التسوية، والأمر المرجح هو أن يكون في صالح روسيا بشكل كبير، وفي مقدمة الشروط الروسية التي لا يمكن لـ “بوتين” أن يتخلى عنها ضمان عدم انضمام أوكرانيا للناتو مستقبلًا، وضمان حقوق الأقليات الأوكرانية بإقليم دونباس، إن لم يسعى للاعتراف الدولي باستقلاله نهائيًا.

وفي النهاية، يمكن القول أن النظام الدولي بات متعدد الأطراف، واستطاعت روسيا أن تسترد جزءًا كبيرًا من مكانتها الدولية في عهد الاتحاد السوفيتي السابق، ويعتبر غزو أوكرانيا بمثابة تحدي جديد لقوة الولايات المتحدة عالميًا، والآن من جراء متابعة الناتو لتوسعه شرقًا منذ نهاية الحرب الباردة ليضم الدول السوفييتية سابقًا، على العكس من أن الولايات المتحدة كانت تهدف من ذلك الحفاظ على السلام الأوروبي، بات السلم العالمي مهددًا بالفعل.

محمد صابر

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس العلوم السياسية، متخصص في شئون سوريا والشرق الأوسط، وله العديد من الدراسات منشورة بالمراكز الفكرية، والمجلات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى