ما الذي شجع “بوتين” على غزو أوكرانيا؟

بعد أسابيع من الترقب الذي صاحب التصعيد الحاصل على الحدود الروسية الأوكرانية، ومن بعدها إعلان الرئيس الروسي اعترافه باستقلال المناطق الانفصالية الموالية لروسيا في أوكرانيا، ثم استصدار قرار من البرلمان الروسي بالسماح باستخدام القوات الروسية في الخارج، بدأت العملية العسكرية الروسية لغزو أوكرانيا الخميس الماضي، والتي أطلقتها روسيا من عدة جبهات، من الشرق والشمال والجنوب.

وقد صاحب هذه العملية إدانات دولية واسعة خاصة من قبل واشنطن وحلفائها الغربيين، فقد أعلنت واشنطن حزمة من العقوبات الجديدة على الشركات والبنوك الروسية العاملة في الولايات المتحدة، ومنع الاقتراض والتعامل بالدولار، كما جاء الموقف البريطاني في سياق الموقف الأمريكي تماما، بالإضافة إلى الإدانة الفرنسية والألمانية، حيث وصفت الأخيرة الغزو

الروسي لأوكرانيا بـ ” اليوم الأسود ” في تاريخ أوروبا، كما أدانت أنقرة _ التي تعد طرف أساسي في الصراع _ الغزو الروسي والموقف الغربي الباهت منه، واختصارا، جاءت المواقف الدولية برمتها في هذا الصدد، ولا يستثنى منها سوى الموقف الصيني والإيراني والسوري الذي أبدى تفهمه للتصرف الروسي في إطار تحقيق الضمانات الأمنية لوحدته الدولية.

وفي الوقت الراهن لا يسعنا الحديث سوى عن ماهية العوامل التي شجعت روسيا على اجتياح جارتها أوكرانيا، ولم تعبأ بالتهديدات والعقوبات الغربية، مع محاولة وضع تصور للخطوة التالية التي ستقدم عليها روسيا بعد ذلك.

عوامل مشجعة:

من المؤكد أن الخطوة الخطيرة والمكلفة التي أقدمت عليها روسيا نبعت من عدة عوامل شجعت على القيام بعملية عسكرية في أوكرانيا رغم التهديدات والتكاليف، لعل من بينها:

(*) تجارب سابقة: ففي ٢٠١٤ أعلنت روسيا ضمها لشبه جزيرة القرم الواقعة جنوب أوكرانيا والمطلة على البحر الأسود، وذلك بعد إعلان نتيجة استفتاء صوتت خلاله غالبية سكان الجزيرة لصالح الانضمام لروسيا في ١٦ مارس ٢٠١٤، وبذلك أصبحت جزءا من روسيا، ولكن لم يحرك الغرب ساكنا لمواجهة روسيا، واكتفى فقط بفرض بعض العقوبات الاقتصادية التي اعتادت عليها روسيا، وبدأت تتعايش معها، والتي فرضت على بعض الشخصيات والمؤسسات الروسية، بالإضافة إلى مجموعة الإدانات اللفظية فقط، حتى تناست قضية القرم. الشئ ذاته هو ما حدث بعد احتلال روسيا لمناطق في جورجيا في ٢٠٠٨ على مرمى أعين المجتمع الدولي، وبالتالي قد تكون روسيا ضمنت صمت المجتمع الدولي عن سلوكياتها العدوانية، وعدم إدانتها من قبل مجلس الأمن بفضل الفيتو السوفييتي والصيني، وبالتالي ما الذي يمنع روسيا من التوسع على حساب جيرانها دون رادع؟.

(*) ضمان عدم المواجهة الغربية: لا شك أن جزءا من الأريحية التي تتعامل بها روسيا مع أوكرانيا، هو عدم وجود التزام غربي بدعم كييف على حساب موسكو، بل الأدهى أن أعلنت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا عن عدم عزمها التدخل العسكري لدعم أوكرانيا، أو إرسال قوات أمريكية إلى داخل أوكرانيا والمواجهة مع روسيا، كما أعلن ستولتنبرج رئيس حلف الناتو أيضا عدم وجود نية بتاتا لإرسال قواته للتدخل لحماية أوكرانيا، وبرروا ذلك بالعواقب الوخيمة التي قد يؤدى إليها هذا التصرف، واحتمال انجرار العالم لحرب عالمية جديدة، واستمر الرفض الغربي الصريح لإرسال قوات لدعم أوكرانيا حتى بعد الغزو الفعلي لأوكرانيا وتقدم القوات الروسية نحو العاصمة، الأمر الذي أبدى الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي أسفه وإحباطه منه. وبالتالي ضمنت روسيا بشكل أو بآخر أن أقصي ما يستطيع الغرب فعله هو الإدانات اللفظية والعقوبات الاقتصادية التي اعتادت عليها روسيا، والتي من المؤكد أنها احتاطت بشأنها، وليس ببعيد أن يكون هناك ضوء أخضر لموسكو من قبل واشنطن أو تنسيق استخباراتي في هذا الشأن.

(*) النزعة القومية لدى بوتين: من الواضح من خلال تصريحات وتصرفات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غلبه النزعة القومية السوفييتية، والرغبة في استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، الذي اعتبر أن سقوطه ” غلطة تاريخية ” و ” وكارثة إنسانية ” فما يقارب ٢٥ مليون روسي وجدوا أنفسهم بداخل دول أجنبية، وهو ما عبر عنه الرئيس الروسية صراحة في لقاء متلفز، الأمر الذي أكدته مادلين أول برايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في عهد بيل كلينتون، والتي وصفت الجهود الغربية بأنها ستذهب هباءا في مواجهة النزعة القومية لبوتين، وبناءا على ذلك، توقعت أن بوتين سيعمل على تحرير كامل أوكرانيا وليس جزءا منها، لأنها من وجهة نظره استعادة جزءا من الأراضي الروسية وليس اجتياح لدولة أخرى.

وفي هذا السياق، وصف بوتين في مقال له العام الماضي الروس والأوكرانيين بأنهم “أمة واحدة”، ووصف انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه “تفكك لروسيا التاريخية”. كما زعم أن أوكرانيا الحديثة تم إنشاؤها بالكامل من قبل روسيا الشيوعية وهي الآن دولة دمية في يد الغرب، كما عبر عن تخوفه إذا ما انضمت أوكرانيا إلى الناتو، فقد يحاول الحلف استعادة شبه جزيرة القرم.

(*) مخاوف أمنية: فالمسألة الأوكرانية بالنسبة لروسيا هي أمن قومي، وبالتالي لا مجال للمقامرة بذلك أو التأجيل لضمان أمنها المهدد من قبل الناتو، خاصة وأنها عرضت مطالبها على الجانب الأمريكي بوقف توسعه في شرق أوروبا، والعدول عن فكرة ضم أوكرانيا للناتو، أو تراجع أوكرانيا نفسها عن الفكرة، إلا أن مطالبها قوبلت برفض غربي وتحدي أوكراني غير محسوب، وبالتالي وفقا لمحللين روس أصبحت روسيا مضطرة لحماية أمنها بنفسها (بيدي لا بيدي عمرو)، لأن سيطرتها على أوكرانيا رغم تكلفتها الاقتصادية والعسكرية، إلا أنها ستضمن أمنها، وفي نفس الوقت السيطرة على الاقتصاد الأوكراني برمته، والاستمرار في تصدير الغاز لأوروبا، وبذلك تحاول التقليل من أثر العقوبات الغربية عليها، خاصة وأن العقوبات لم تشمل قطاع الطاقة، فأمريكا تستورد حوالي ٨٠٠ ألف برميل نفط من روسيا، أما عن أوروبا فحدث ولا حرج، هذا إلى جانب تعاونها مع الصين.

خطوة استباقية:

مع وجود احتمالية كبيرة لتخطيط روسيا مسبقا لعملية عسكرية موسعة في أوكرانيا، لهذا حاولت روسيا استباق العقوبات الغربية المتوقعة بخطوة من خلال حزمة من الإجراءات، يأتي على رأسها:

(*) التعاون مع الصين: فقبل احتدام الأزمة مع أوكرانيا والتوجه للمواجهة العسكرية، أجرى الرئيس الروسي زيارة إلى الصين، والتي اعتبرت بمثابة خطوة استباقية في إطار الاستعدادات الروسية لاجتياح أوكرانيا، والتحسب للعقوبات الاقتصادية التي سيفرضها الغرب حال أقدمت على عمل عسكري في أوكرانيا، وقد يكون فحوى التعاون الاقتصادي بين موسكو وبكين فتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الروسية، خاصة في مجال الطاقة، وفي هذا الإطار، عقدت الصين وروسيا صفقة تورد بموجبها الأخيرة الغاز الروسي إلى الصين بقيمة ٤٠ مليار دولار تقريبا، ولكن من المؤكد أن الصين حصلت على هذه الصفقة بأسعار امتيازية ومغرية بالنسبة إلى الكمية المتفق عليها مقابل دعمها في حربها مع أوكرانيا، أو الغرب بمعنى أصح، هذا بالإضافة إلى دعمها على المستوى السياسي للموقف الروسي باعتباره معبرا عن استراتيجية الصين المحتملة بخصوص تايوان، وبالتالي قد يكون الموقف الصيني بمثابة اختبار للعلاقات بين البلدين، والذي تعتبر بكين قد نجحت فيه حتى الآن بعد تأييدها الخطوة التصعيدية الروسية، ومن شأن هذا التعاون أن يؤثر في شكل النظام العالمي بصورة جدية.

(*) إنشاء سلة العملات غير دولارية: أفاد عدد من التقارير الاقتصادية أن روسيا عملت طوال الفترة الماضية على تكوين سلة من العملات غير الدولار، وهو ما يؤكد أن بوتين تحسب مقدما للعقوبات الأمريكية الجديدة التي منعت التعامل الروسي بالدولار أو الاقتراض بالدولار من البنوك، كما وقعت الصين وروسيا في٢٠١٤ اتفاقية مقايضة عملات لمدة ثلاث سنوات بقيمة ١٥٠ مليار يوان، أي ما يعادل ٢٤.٥ مليار دولار تقريبا، وفي أغسطس ٢٠٢٠ أظهرت بيانات اقتصادية أن حصة الدولار في الحسابات التجارية في البلدين هبطت بحوالي ٥٠٪ للمرة الأولى على الإطلاق. كما ازداد احتياطي النقد الأجنبي الروسي منذ ٢٠١٤ وحتى ٢٠٢٢ إلى ٦٣٠ مليار دولار، رغم تداعيات أزمة كورونا والعقوبات الغربية، ووصلت نسبة الدولار فيه ١٦٪ فقط بعد أن كانت حوالي ٤٠ ٪ منذ خمس سنوات.

الاحتياطي النقدي الروسي من ٢٠١٤ وحتى ٢٠٢٢

وبذلك يكون بوتين قد استوعب الدرس من العقوبات التي فرضت على اقتصاده في٢٠١٤ على خلفية ضم شبه جزيرة القرم، فعمل على تقوية دفاعاته بالابتعاد عن الدولار، فبحلول يناير الماضي تجاوزت الاحتياطات الروسية من العملات الأجنبية والذهب ٦٣٠ مليار دولار ليساعد في دعم العملة المحلية، وهذا يؤكد أن روسيا خططت لهذه الخطوة منذ سنوات، وأن خطوة الغزو لم تأت نتيجة التطور الطبيعي للأحداث فقط.

وتأسيسا على ما جرى في أوكرانيا، هل ستكتفي روسيا بالمواقع التي سيطرت عليها في شرق أوكرانيا، ومن ثم تعمل على استنزاف السلطة الأوكرانية وتعمل على إسقاط الحكومة الحالية وزيلنسكي، وإحلالها بحكومة موالية لروسيا _ على غرار جارتها بيلاروسيا _ لا تندفع نحو الغرب أو الناتو، أم ستعمل على السيطرة على كامل أوكرانيا ومن ثم الاستمرار فيها ؟.

وأيا كان السيناريو الذي تخطط إليه روسيا، إلا أنه من الملاحظ أنها تخطط فعلا لإزاحة السلطة السياسية في أوكرانية، بعدما وصفها بوتين بـ ” الفاسدة وغير الشرعية ” خلال خطاب التوقيع على استقلال لوغانسك ودونتسيك، كما وصفها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بـ ” النازية ” والرئيس الأوكراني بـ ” غير المتزن “، فإذا نجحت روسيا في إسقاط الحكومة ستكون أمام خيارين، إما الخروج من أوكرانيا بعد تأمين سلطة لا تخرج عن تعليماتها، أو البقاء والسيطرة الكاملة على الحدود والاقتصاد الأوكراني، وفي كلا الحالتين لن تكون بحاجة إلى موافقة الغرب على ضماناتها الأمنية.

 

 

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى