هل تتحمل الصين تكلفة دعم “روسيا” في أزمة أوكرانيا؟

في الفترة الأخيرة اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الصين بالدعم غير المعلن لروسيا في الأزمة الأوكرانية، وطالبتها بالوساطة في الأزمة لمنع وقوع الحرب، وفي الوقت نفسه اتهمت الصين واشنطن بالمبالغة في تصعيد الوضع، ومحاولة إدخالها-أي الصين، في الأزمة من خلال سلسلة من التلاعبات السياسية، على حد وصف الصينيين، باعتبارها تسعى- أي بكين، إلى جر الوضع إلى حرب من أجل زيادة الاعتماد الأمني ​​للحلفاء الأوروبيين عليها أو تقويض العلاقة التعاونية بين روسيا وأوروبا.

وإذا كانت الأزمة الأوكرانية، وفقا للمراقبين فرضت على حلفائها الآسيويين احتواء الشرق الأقصى لروسيا بشكل استراتيجي، على اعتبار ما هو قادم يمثل خطوة لإعادة بناء النظام الإقليمي في آسيا من خلال روسيا، وبالتالي إضافة عوامل مضطربة جديدة إلى الوضع الإقليمي- وعليه، هل فعلا تدعم الصين روسيا في الأزمة؟، وهل تستطيع تحمل تكلفة هذا الدعم، وما هو حجم الدعم الصيني لروسيا في حالة وقوع حرب؟، وهل  يمكن أن يؤدي الموقف الصيني تجاه الأزمة إلى تدهور العلاقات الصينية الأوكرانية والصينية الأوروبية، خاصة وأن الأولى تمثل المصدر الوحيد للتكنولوجيا العسكرية للصين؟.

موقف “بكين” من الأزمة:

أكد بيان مشترك بين الرئيس شي جين بينغ والرئيس بوتين على  تواقف صيني روسي على المصالح الحيوية والأيديولوجية، حيث ذكر هذا البيان الذي حمل عنوان “بيانا مشتركا حول العلاقات الدولية والتنمية المستدامة العالمية في العصر الجديد”،- أن “الجانبين يعارضان استمرار توسع الناتو شرقا، وإعادة تأكيد روسيا على دعمها لإعادة توحيد الصين “. وصرح الكثير من المسئولين  والأكاديميين الأمريكيين والأوروبيين، بأن الصين وروسيا مصممتان على تشكيل “جبهة موحدة” ضد الغرب وتغيير قواعد النظام الدولي الحالي وتقويض الأيديولوجيات الليبرالية.

في حين تتهم الصين الولايات المتحدة الأمريكية بتصعيد الوضع ومحاولة جر الصين إلى هذا التلاعب السياسي للتأكيد على دعم الصين لروسيا، وتقويض العلاقات الصينية الأوروبية، واغتنام الفرصة لتشجيع الحلفاء الأوروبيين على المشاركة في مناهضتها. وتعتقد بكين بأن واشنطن تحاول استخدام أزمة أوكرانيا لخلق وهم الحرب، والاستفادة من الاعتماد المتزايد للأصدقاء الآسيويين والأوروبيين على الولايات المتحدة للحماية العسكرية لاغتنام الفرصة لإعادة دمج قوتي التحالف الإقليمي من أجل إنشاء تحالف عبر الإقليمي يهدف إلى مواجهة الصين وروسيا في نفس الوقت للتعويض عن نقص قوتها وتوفير القوة للولايات المتحدة في شن حرب باردة جديدة ضد البلدين.

وفي الواقع، تعكس التقارير والخطابات الرسمية للصين بشكل مباشر أو غير مباشر بأن ضم أوكرانيا لحلف الناتو لتحقيق توسع للناتو يمثل تهديدا للمصالح الحيوية لروسيا، وانتهاكاً لـ “اللوائح” التي وضعها الأمم المتحدة، مع التأكيد على مواصلة بكين اتباع سياسة البقاء على الحياد، ولعب دورها المتواضع في التخفيف من حدة الأزمة في إطار اتفاقية مينسك.

فالصين لن تسعى للتدخل أو دعم روسيا بشكل مباشر في الأزمة الأوكرانية، بل ستواصل معارضتها بشدة  لتصرفات واشنطن، التي تسعى إلى تصعيد الأزمة إلى حرب والتحريض على المواجهة الجماعية، وهذا ما أكده اليوم وزير الخارجية الصينية وانغ يي، الذي اتهم الولايات المتحدة بتصعيد الحرب، وانتهاك القوانين الدولية، ومحاولة إفساد العلاقات الدولية بين الصين وروسيا، وحثها بضرورة التوقف عن عقلية الحرب البادرة.

وأكد أيضا “وانغ يي” أن هذا الوضع المزرى الذي وصلت إليه الأزمة الأوكرانية بسبب الولايات المتحدة الأمريكية يمنع الصين من التدخل في هذه المرحلة الموحلة، وهذا يؤكد وفقاً للمراقبين عدم رغبة الصين في إفساد العلاقات مع أوكرانيا والدول الأوروبية، ومن ناحية أخرى تحترم مخاوف روسيا وتؤكد على أن الأزمة جزء من المصالح الحيوية لموسكو مع احترام سيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية وفقا لاتفاقية مينسك.

تغيرات واضحة:

من الزاوية الأيديولوجية، ترى الحكومة الأمريكية الحالية أن القطبية والأيديولوجية الليبرالية العالمية والهيمنة الغربية بدأت تدخل في حالة من الركود والوهن، بالتالي واشنطن على استعداد  لفعل أي شيء – حتى شن حرب عالمية ثالثة – لمنع حدوث ذلك. وهذا الركود نتاج صعود الصين القوة الاقتصادية وروسيا القوة العسكرية. فالإدارة الأمريكية الحالية تركز سياستها الخارجية على فصل روسيا عن أوروبا المستقلة، وتقويض الصعود الصيني.

وعليه، تحاول تصعيد الأزمة الأوكرانية والتأكيد على أن روسيا قادمة على الغزو، في حين أن الغزو لم يحدث في الواقع، ولكن واشنطن تصرفت كما لو أن الغزو قد حدث .ومن ثم، فإن فهناك احتمال اتباع عقوبات وحتى إمكانية اتخاذ تدابير عسكرية وقائية في منطقة دونباس، وذلك نظرًا لأن الغربيين يعتقدون أن روسيا سوف تغزو، وأن أي عمل عسكري يقوم به الأوكرانيون بدعم من الناتو في دونباس سيعتبر “دفاعًا مبررًا”. في الوقت نفسه، يعتقد آخرون أن الحملة الإعلامية ضد روسيا ستمنع موسكو من اتخاذ أي رد مناسب، وسيتم استخدام الخلاف حول الغاز الطبيعي ومشروع نورد ستريم 2 فقط كأداة فنية للمعارك التأهيلية.

وبالنسبة للصين، ينطبق الشيء نفسه عليها، حيث قام بايدن بتشكيل تحالف مناهض للصين باستخدام الدول الأنجلو ساكسونية (أستراليا والمملكة المتحدة) في اتفاق أوكوس والحوار الأمني الرباعي، المعروف أيضًا باسم كواد (Quad)، وحجر العثرة بالنسبة للصين هذه المرة، هو تايوان (مثل أوكرانيا بالنسبة لروسيا). فالهدف النهائي هو تعطيل ومنع “التوسع الاقتصادي” للصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، ناهيك عن محاولة روسيا دمج خطة “أوراسيا الكبرى” مع مبادرة “الحزام والطريق” لاستعادة “العمق الكبير”.

في الواقع، يمكن القول إن بوتين انتهز فرصة “عجز” الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، واتخذ الهجوم كدفاع، وأخذ زمام المبادرة للهجوم على المناطق العازلة الثلاث، واستخدم أقوى الإجراءات الاستراتيجية للحفاظ على الحد الأدنى الأساسي للأمن لروسيا. ففي البداية، استفاد من الاضطرابات التي أثارها الغرب في بيلاروسيا، وساعد بشكل حاسم لوكاشينكو، وبالتالي توصل إلى تحالف مع بيلاروسيا. بعد ذلك، أرسل  قوات لقمع الاضطرابات في كازاخستان، وتصفية القوات الموالية للغرب في كازاخستان، واستقر نظام توكاييف، وعزز نفوذ روسيا في آسيا الوسطى.

وبالنسبة لأوكرانيا، فإن بوتين لا يريد فقط إجبار أوكرانيا على توقيع تحالف “عدم الانضمام إلى الناتو”، ولكن أيضا للتأكيد على الخطاب الأمريكي الذي يحاول إشعال الحرب لتكثيف المواجهة بين روسيا وأوروبا، ولكنها غير راغبة في شن حرب من أجلها؛ تختلف مواقف روسيا وسياساتها تجاه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ، فروسيا لديها موقف صارم في التفاوض مع الولايات المتحدة، ولن تتنازل عن شبر واحد، لكن لديها موقف إيجابي تجاه “نموذج نورماندي” الذي دعا إليه الاتحاد الأوروبي – المفاوضات الرباعية بين روسيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا. وعليه قد يكون من الواضح أن روسيا تريد أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا في أوكرانيا؛ وبالتالي، منع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو، يمثل الحد الأدنى الذي التزمت به روسيا منذ البداية.

حسابات “بكين” الدقيقة:

وبالرغم من محاولات الولايات المتحدة تضخيم وتصعيد الأزمة الأوكرانية إلى حرب للاستفادة من الاعتماد المتزايد للأصدقاء الآسيويين والأوروبيين على الولايات المتحدة، وتعزيز التحالف ضد الصين وروسيا، وإفساد العلاقات الصينية الأوكرانية والصينية الأوروبية- إلا أن الأحداث في آسيا وأوروبا ليس بالكامل في الاتجاه الذي تتوقعه الولايات المتحدة. ففي أوروبا، وعلى الرغم من مساعيها لتقويض الصعود الصيني وتوسعات الناتو لتقويض التوسعات العسكرية لروسيا في أسيا الوسطي، وبالإضافة إلى محاولات اللاعبان الرئيسيان روسيا وأوكرانيا تجيب الصراع، إلا أن فرنسا وألمانيا وأعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي يصرون على تسوية الأزمة بطرق دبلوماسية لتجنب اندلاع الحرب.

ومع ذلك ورغم ما سبق، فإن منع الحرب لا يعني انتهاء الأزمة الأوكرانية، فلا تزال الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا قائمة. حيث أنه رغم ما قدمته روسيا من مشروع اتفاقية أمنية بشأن الوضع في أوكرانيا إلى الولايات المتحدة، وكذلك الرد الأولى من الولايات المتحدة، وتشديد روسيا على أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي استجابا جزئيًا للمخاوف الأمنية لروسيا- إلا أن القلق الأمني ​​الحقيقي لروسيا- أي توسع الناتو باتجاه الشرق، لم تتم الإجابة عليه.

 فمن الواضح أن العملية لن تكون سهلة، وقد تنطوي على سلسلة من المساومات الدبلوماسية وحتى المفاوضات الماراثونية، وهذا نظرًا لأن مواقف روسيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة بشأن هذه القضية الجوهرية متناقضة، حيث يحاولا الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي استخدام توسع الناتو باتجاه الشرق كأكبر ورقة مساومة لاحتواء روسيا، في حين أن الأخيرة لن تقدم تنازلات غير مبدئية، وبالتالي، من المؤكد أن الولايات المتحدة ستخلق أيضًا سلسلة من الأحداث غير المستقرة في أوكرانيا لمواصلة تأجيج الأزمة وتصعيدها لدرجة التي تحقق أهدافها، الأمر الذي قد يدفع إلى فوضى جيوسياسية، وتغيرات في القارة الأوروبية الآسيوية، ومن الممكن تشكيل مجموعة جديدة من القوى العالمية، وعواقب أسوأ على الاقتصاد العالمي.

في النهاية، من خلال تمشيط الأزمة الأوكرانية في الوقت الحالي، يمكن القول إن سيناريو الحرب ما زال هو الأضعف، والأقل احتمالاً رغم حدة التناقض بين أطرافها. وبالنسبة للموقف الصيني، فإنه يمكن القول إنه رغم تمسك الصين بمخاوف روسيا الأمنية التي تعد جزء من مصالحها الحيوية- إلا أنها لن تسعى للانخراط في الأزمة، وستحافظ على موقف الحياد منعا لعدم الإضرار بمصالحها مع الغرب وأوكرانيا.

ومن ناحية أخرى نجد أن دعم الصين لمخاوف روسيا لمصالحها الحيوية، يعكس أيضا تمسكها بموقفها تجاه قضية تايوان، التي تعتبر من مصالحها الحيوية. كما يمكن القول إن اللقاء الثنائي الأخير بين شي جين بينغ وبوتن وتوقيع اتفاقيات تتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، يعتبر هزيمة للولايات المتحدة، فيما يتعلق بالعلاقات الصينية الروسية، ولكن دون المبالغة بأن هناك تحالف قوي بين الدولتين، فبكين استفادت ولا تزال تستفيد من الخطاب الأمريكي، الذي يصعد الأزمة إلى حرب، فهي تؤكد على احترام السيادة الأوكرانية للحفاظ على علاقتها معها، وتبني موقف حيادي لمنع تدهور علاقتها مع أوروبا، وأيضا تأييد حق روسيا في حماية مصالحها الحيوية ورفض توسع الناتو شرقا، وبالتالي، تحاول تجنب الدخول في الصراع وإفساد علاقتها مع أحد الأطراف، بالإضافة إلى ذلك التمسك بالموقف الثابت تجاه القضية التايوانية وأيضا احترام سيادة الدولة.

 

 

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، و هي باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجة الدكتوراه والماجستير في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى