مستقبل النظام الدولي في ظل الأزمة الأوكرانية

د. خالد بن نايف الهباس

بعيداً عمَّا ستؤول إليه الأزمة في أوكرانيا، وبغضّ النظر عن الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي يبذلها عدد من الساسة في العالم لمنع وقوع غزو روسي وشيك لأوكرانيا، هناك مضامين عميقة لهذه الأزمة تستوجب التوقف عندها. فقد طالب رئيس وزراء بريطانيا روسيا بالتراجع عما سماه «شفير الهاوية»، وذلك فيما يتعلق بالحشود العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية.

والحقيقة أن وصف «شفير الهاوية» يجب أن يتجاوز الأزمة الأوكرانية ليصف بشكل واضح الحالة التي وصل إليها النظام الدولي. إذ تشهد السياسة الدولية في السنوات الأخيرة تزايد حدة الاحتقان، بل التوتر بين القوى الدولية. وكما يؤكد أساتذة العلاقات الدولية، وما أثبته سياق الأحداث خلال الحرب الباردة وقبلها، فإن ما يحصل على مستوى قمة الهرم الدولي سيؤثر بلا شك على بقية أجزاء النظام.

واضح للعيان الانقسام الحاد بين القوى الدولية، وأن هذا الانقسام يرتكز على بعض الروافع التي تتجاوز العوامل الآيديولوجية التي تراجعت أهميتها بعد نهاية الحرب الباردة، فيما تراجعت مسوغات «الصراع الثقافي» الذي بشّر به البعض في مرحلة التسعينات من القرن الماضي؛ الآن أصبح جلياً أن لغة المصالح وتوازنات القوة، وكذلك طبيعة الأنظمة السياسية، هي الناظم للعلاقات بين القوى الكبرى. بمعنى آخر، هناك تنافس على المصالح الجيو استراتيجية والاقتصادية بين روسيا والصين من ناحية، والولايات المتحدة والدول الغربية من ناحية أخرى. هذا يقودنا للقول إن التفكير الواقعي في العلاقات الدولية المرتكز إلى القوة والمصلحة بدأ يسيطر على الفكر الاستراتيجي أكثر من قبل.

هذا يمكن إسقاطه على التنافس بين معسكر الأنظمة الأوتوقراطية، ممثلة بالصين وروسيا ومن يدعمهما من الدول النامية، وبين الدول الديمقراطية الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية. وإذا كانت الكفة من جميع النواحي تميل إلى صالح القوى الغربية، خاصة لجهة التحالفات وشبكة العلاقات مع بقية دول العالم، بالإضافة إلى القوة الاقتصادية والوجود العسكري والنفوذ السياسي حول العالم، فإن كل معسكر يملك من مقومات القوة والأوراق ما يجعل التكلفة باهظة للجميع ولاستقرار النظام الدولي الذي بدأ يترنح مؤخراً. هذا لا يعني بالضرورة أن حرباً عالمية ثالثة وشيكة الوقوع، وذلك في ظل وجود السلاح النووي وحالة الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الكبرى. لكن العالم المعاصر في مرحلة تغير حتمي على صعيد توازنات القوة الدولية وأنماط التفاعل بين دوله.

في هذا السياق، يتوجب فهم الأزمة في أوكرانيا لأنها ناجمة عن الرغبة الروسية في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للعالم، ووقف توسع حلف الناتو على التخوم الروسية، خاصة في ظل ما بدا أنه تراجع حتمي لنفوذ واشنطن حول العالم وتأثيرها في النظام الدولي، في الوقت الذي يشهد تنامي قوة التنين الصيني وعودة دور الدب الروسي، وإن كان بدرجة متفاوتة. في مثل هذه التحولات الهيكلية، عادة ما يتراجع دور القانون الدولي ومسارات التعاون الدولي لصالح لغة القوة والمصالح. وهذا ما هو حاصل في الفترة الحالية. فقد سعت كل قوة دولية من جانبها إلى تعزيز تموضعها استعداداً لما هو قادم، فصاغت الولايات المتحدة تحالفاً رباعياً مع الهند واليابان وأستراليا، فيما سعت روسيا والصين إلى تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية، وكذلك تقوية تحالفاتهما في وسط آسيا والشرق الأوسط.

وهنا، يمكن القول إن لبّ الموضوع هو التحدي الحقيقي الذي يمثله النموذج الصيني بشكل رئيس، وكذلك النموذج الروسي، للنظام السياسي الغربي، سواء على صعيد الدول أو على الصعيد الدولي؛ فنحن أمام مقاربات سياسية متنافسة ومتعارضة في قيمها المعيارية وأساليب عملها وتطلعاتها السياسية والمصلحية.

وأعتقد أن الدول النامية ستجد نفسها ضحية لتسارع عجلة التنافس الدولي، ومن غير المتوقع أن يوفر لها ذلك مساحة للمناورة بين القوى الدولية المتصارعة أو الوقوف على الحياد التام؛ وقد يختلف مدى استفادتها من ذلك من دولة إلى أخرى، ما يعني أن عليها صوغ سياسة خارجية أكثر ديناميكية وأن تأخذ في الاعتبار الإسقاطات الاقتصادية والسياسية والعسكرية للتنافس الدولي، سواء ما يتعلق بالأمن الغذائي أو إمدادات الطاقة والممرات البحرية… إلخ. فعلى سبيل المثال، هددت واشنطن عدداً من الدول التي أبرمت صفقات سلاح متقدمة مع روسيا، فيما تسعى لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية وتطويقها. وهذا لا يعدو أن يكون أمثلة على ساحات المواجهة بين القوى الدولية التي سيحول امتلاكها للسلاح النووي دون وقوع حرب شاملة، لكن لا يُستبعد وقوع الحروب بالوكالة والحرب الإلكترونية والبيولوجية وسباق الذكاء الصناعي، بالإضافة إلى محاولة السيطرة على سلاسل الإمداد وموارد الطاقة.

في العقود القليلة الماضية، أصبح الشرق الأقصى مركزاً واضحاً للثقل الاقتصادي والتقني حول العالم، فيما يظل الشرق الأوسط مخزناً للطاقة في العالم، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي المهم. ولا يقل الأمر أهمية بالنسبة لبعض دول أورآسيا، كما لا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي. في هذا السياق، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً؛ ما مصير هذه المناطق فيما يتعلق بمستقبل الصراع الدولي؟ وهل هي مستعدة لتبعات ذلك؟ أعتقد أن دُور الفكر الاستراتيجي مدعوة للبحث المستمر والمستفيض بشكل أكبر في هذا الشأن، وعدم ترك ذلك لمراكز الأبحاث في الدول المتقدمة.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى