التضخم وأسعار الفائدة

عبدالفتاح الجبالي

يدور في الآونة الحالية جدل شديد بالأسواق العالمية عموما ولدى البنوك المركزية على وجه الخصوص حول مستقبل معدلات الفائدة، وذلك بعد أن أوضحت المؤشرات الاقتصادية أن التضخم أعلى وأكثر استقرارا مما كان متوقعا من قبل. حيث وصل في الولايات المتحدة إلى 7.5% فيما يعد أعلى مستوى منذ أربعين عاما وكذلك داخل البلدان الأوروبية وهكذا أصبحت البنوك المركزية في مأزق شديد فهي من جهة تبحث عن آليات السيطرة على التضخم واحتواء آثاره السلبية والحفاظ على مصداقية السياسة النقدية، ومن جهة أخرى ترغب في الحفاظ على التعافي الاقتصادي الضعيف في ظل جائحة كورونا.  وبعبارة أخرى فإما تشديد السياسة النقدية عن طريق رفع معدلات الفائدة وإما الاستمرار في سياسة التيسير النقدي والحفاظ على معدلات الفائدة الراهنة. وهي مسألة تتوقف على القراءة الدقيقة لطبيعة التضخم وأسبابه، هل هو مؤقت ولا يحتاج إلى المزيد من السياسات النقدية؟ أم انه عميق ومستمر فترة زمنية طويلة ويحتاج إلى التدخل من جانب البنوك المركزية؟ ومما يزيد من صعوبة الموقف الوضع الاقتصادي العالمي الهش وارتفاع درجة عدم اليقين، والمخاطر السياسية القائمة مع طبول الحرب التي تدق في أوكرانيا بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلنطي على خلفية توسع الحلف في شرق أوروبا وأزمة الغاز.

وتكمن المشكلة في التأثيرات المختلفة لسعر الفائدة فهو لا يؤثر فقط على معدل الاستثمار والادخار، بل يتعداهما ليشمل المالية العامة للدولة والدين العام وسعر الصرف وكذلك الجهاز المصرفي نفسه. فإذا كانت تؤثر على جانب العرض لأنها تؤثر على حجم الاستثمار ونوعيته وبالتالي على حجم الاقتراض وتوزيعه بوصفه عنصرا من عناصر التكلفة، ومن ثم على نمو الإنتاج. فإنها تؤثر أيضا على حجم الطلب الكلى عن طريق التأثير فى حجم الاستهلاك الجاري ومن ثم الادخار. لذلك يُعد سعر الفائدة ومستواه الملائم من الموضوعات والقضايا المهمة التي يجب البحث فيها بدقة وموضوعية لمعرفة سعر الفائدة التوازني الذي يجب أن يسود بالأسواق ويحقق الأهداف التنموية للمجتمع. وهي مسألة تختلف من مجتمع لآخر وتتوقف على طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة.

فمن المعروف أن المغالاة في أسعار الفائدة الحقيقية ترفع من تكلفة رأس المال وتحد من الطلب على الاستثمار في قطاع الإنتاج. كما أنها تؤدى إلى الحد من التوسع فى الائتمان وتحويل الموارد المالية نحو المؤسسات الكبيرة القادرة على خدمة هذه الديون وبالتالي الابتعاد عن المؤسسات المتوسطة والصغيرة والتي يعول عليها كثيرا في هذه الآونة لامتصاص جزء من البطالة في سوق العمل. فضلا عن ذلك فإن ارتفاع أسعار الفائدة سوف يضعف من طلب القطاع العائلي على كل من السلع المعمرة والاستثمار العقاري للسكن وغيرهما وهذا من شأنه أن يحد من الطلب الكلى وبالتالي النمو.

وعلى الجانب الآخر فإن عجز الموازنة وما يرتبط به من اللجوء للاقتراض من الأسواق المحلية عبر طرح أذون وسندات على الخزانة العامة يؤدى إلى تحفيز أصحاب الثروات على الاستثمار فى هذه الأصول عديمة المخاطر وذات الفائدة المرتفعة وبالتالي يؤثر بالسلب على الاستثمار المحلى. والأخطر من ذلك أن هذه السياسة تؤدى إلى قيام الجهاز المصرفي بالاستثمار فى هذه الأوراق على حساب تمويل التنمية. هذا فضلا عن أن ارتفاع أسعار الفائدة على أذون الخزانة يؤدى إلى زيادة عبء الدين العام المحلى ومن ثم زيادة عجز الموازنة والتي تلجأ بدورها إلى طرح المزيد من الأوراق المالية الحكومية وهكذا ندخل في دائرة مفرغة وتفاقم من عجز الموازنة العامة للدولة. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر على البنوك نتيجة لتوسعها فى منح الائتمان وارتفاع تكلفة الودائع لديها. وبالتالي احتجاز جانب كبير من أموال البنوك كمخصصات.

 وعلى الجانب الآخر فإن أسعار الفائدة المنخفضة لها العديد من الآثار السلبية حيث تدفع المؤسسات والشركات إلى المزيد من الاقتراض ليس فقط لتمويل الاستثمار الثابت، ولكن أيضا لتمويل المخزون السلعي. والتوسع غير المدروس في الأنشطة الاقتصادية والدخول فى مجالات ليست بالضرورة نفس مجالات التخصص، وهي أحد الأسباب الأساسية التي تكمن فى فشل العديد من المشروعات وما ترتب عليها من تعثر للمستثمرين والمقترضين من البنوك، ويؤدى إلى استفحال مشكلات الديون المتعثرة. كما يؤدى إلى قيام البعض، خاصة المدخر الصغير، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفي إما للاكتناز وإما للاستهلاك وهو ما يؤدى فى الحالتين إلى تراجع حجم المدخرات المحلية.

ومن أهم الآثار التي قد تنجم عن هذه العملية هو التحول للنقد الأجنبي والعودة إلى ظاهرة الدولرة. هذا فضلا عن انها قد تؤدي إلي تعرض السندات السيادية الحكومية المطروحة بالأسواق العالمية إلي عمليات بيع تقلل من قيمتها ومن ثم ترفع العائدات المستحقة عليها ويرتبط بذلك احتمالات التأثير على استثمارات الأجانب في الدين المحلي وخروجهم من السوق.

وإذا كان تحقيق مستوى مرتفع للنمو الاقتصادي يتطلب إحداث زيادات منتظمة في رأس المال وكذلك في فاعلية استخدامه، فإن ازدياد حجم الاستثمارات لن يكون قابلا للاستمرار إلا إذا تحقق بشكل ينسجم مع وجود وضع اقتصادي سليم وبيئة استثمارية مناسبة. وهو ما يتطلب أيضا، وبنفس القدر، الاهتمام بتعبئة المدخرات المحلية. وهكذا يعرف سعر الفائدة التوازني، والمصحح لاحتساب أثر معدل التضخم المتوقع، بأنه يعادل كلا من المعدل الحدي الذي يكون الأفراد عنده مستعدين لاستبدال الاستهلاك الحاضر بالاستهلاك في المستقبل. والمعدل الحدي الحقيقي للعائد المتوقع من الفرص الاستثمارية المتاحة للمقترضين. وبمعنى آخر فإن إصلاح أسعار الفائدة يشير إلى تحريك السعر ليصبح أقرب إلى التوازن بالأسواق.

نقلا عن جريدة الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى