الانعكاسات الأمنية لـ “انسحاب” القوات الأوروبية من مالى

شهدت الأيام الأخيرة  تدهور العلاقات بين مالى وفرنسا بشكل متسارع،  ففى مطلع شهر فبراير الجارى أعلن المجلس العسكرى الحاكم فى مالى طرد السفير الفرنسى فى باماكو جويل ميير والذى تم استدعاؤه من قبل وزير الخارجية وإبلاغه بضرورة مغادرة البلاد عقب تصريحاته بأن “المجلس العسكرى الحاكم فى مالى لا يتمتع بالشرعية”، وكذلك التصريحات المعادية من قبل المسئولين الفرنسيين بشأن تدهور الأوضاع فى مالى عقب الانقلاب العسكرى الأخير وصعوبة استمرار تواجد القوات الفرنسية فى مالى.[1]

تأسيساً على ما سبق، يحاول هذا التحليل التطرق إلى تفاصيل الأزمة بين البلدين، وكشف مسار انسحاب القوات الفرنسية وتوقيته الزمني، وكذلك الانعكاسات الأمنية المحتملة.

بداية الأزمة:

تصاعدت حدة التوتر بشكل ملحوظ بين الدولتين منذ وصول العقيد عاصمى جويتا إلى السلطة  فى مايو 2021، وتواجد العديد من الخبراء الروس لدعم جهود الحكومة فى مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن، فضلًا عن مطالبتها باريس بمراجعة الاتفاقيات الدفاعية الثنائية بينهما، بالإضافة إلى تصاعد حدة الرفض الشعبى للوجود الفرنسى فى دول الساحل، والذى عكسته التظاهرات المتكررة المناهضة لباريس وقيامهم بقطع الطريق على القوافل الفرنسية العسكرية.[2]

وقد أعلنت فرنسا سحب قواتها من مالى بعد التنسيق مع بعثة الأمم المتحدة والقوات الأوروبية على أن يتم إغلاق القاعدة العسكرية الفرنسية فى مالى خلال ستة أشهر، وذلك عقب اجتماع مشترك بين الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون وعددًا من القادة الأفارقة والأوربيين لتنسيق انسحاب القوات الفرنسية والأوروبية من مالى بعد تسع سنوات من التدخل العسكرى ضد الجهاديين. وقد شارك فى الاجتماع من الجانب الأفريقي قادة دول الساحل من النيجر وتشاد وموريتانيا وكذلك بعض دول غرب أفريقيا مثل ساحل العاج وغانا وتوجو وبنين، والتى تواجه تهديدًا إرهابيا متزايدًا من قبل الجماعات الإرهابية، ومن الجانب الأوربي شارك فى الاجتماع كل من رؤساء المجلس الأوروبي شارل مرشال والمفوضية أوروسلا فون ووزير الخارجية جوزيب بوريل إلى جانب قادة من الدول المشاركة فى العملية تاكوبا( القوات الخاصة) وبعثة الأمم المتحدة(مينوسما) وسط غياب كل من مالى وبوركينا فاسو واللذان تم وقف عضويتهما فى الاتحاد الإفريقي نتيجة للانقلاب العسكرى فيهما .[3]

مصير القوات الفرنسية:

من المرجح أن يتم سحب القوات الفرنسية من مالى وإعادة توزيعها فى مناطق مختلفة من دول الساحل، حيث توجد قاعدة جوية فى دول النيجر خاصة وأن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلى قد زارت مطلع الشهر الجارى العاصمة النيجرية نيامى والتقت الرئيس محمد بازوم للتنسيق لتواجد تلك القوات بجانب العديد من الدول الأخرى فى غرب أفريقيا مثل ساحل العاج وبنين والسنغال لمساعدتها فى القضاء على انتشار الجهاديين فى خليج غينيا.

وتقدر عدد القوات الأوروبية بحوالى 25000 عسكرى فى منطقة الساحل بينهم 4300 فرنسى يوجد منهم فى مالى 2400 جندى فى إطار عملية مكافحة الإرهاب (برخان).[4]

الانعكاسات الأمنية المحتملة:

حذرت وزيرة الدفاع الأسبانية من إمكانية تكرار سيناريو أفغانستان فى مالى، حيث أن الانسحاب المفاجئ للقوات الفرنسية سيفرز فراغًا كبيرًا يمكن أن تستغله الجماعات الإرهابية فى تعزيز تواجدها وتوسيع انتشارها ومحاولاتها السيطرة على الموارد الطبيعية فى منطقة غرب أفريقيا وتحديدًا فى مالى، خاصة مع عدم وجود أى دعم جوى من قبل القوات الفرنسية لمواجهة تلك الجماعات .

وفى المقابل تراهن السلطات فى مالى على التواجد الروسى وأنه بإمكانه ملء هذا الفراغ. وعلى الرغم من نفى السلطات فى مالى أى تواجد لشركة المرتزقة الروسية فاجنر Wagner (شركة شبه عسكرية روسية)- إلا أن دول التحالف الأوروبي منها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا قد أدانت بشدة انتشار قوات المرتزقة على الأراضي المالية.

وعلى الرغم من النفي من قبل المجلس العسكرى فى مالى عن انتشار أى قوات لشركة فاجنر الروسية  وتأكيدها على أن الخبراء الروس الذين تم نشرهم يأتى فى إطار التعاون العسكرى بين دولتى مالى وروسيا- إلا أن العديد من التقارير الدولية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا وكندا تؤكد أن المئات من المرتزقة التابعين لقوات فاجنر الروسية تم رصدها، وكذلك تم رصد طائرة روسية من طراز TU- 154  تحلق إلى العاصمة المالية باماكو، وهي طائرات من سلاح الجو الروسى. [5]

وعلى صعيد أخر فقد شهدت العلاقات العسكرية بين روسيا ومالى تقدمًا كبيرًا حيث عزز المجلس العسكرى فى مالى اتصالاته مع الجانب الروسى بما فى ذلك زيادرة وزير الدفاع المالى ساديو كامارا إلى موسكو ومتابعة بعض المناورات الروسية فى 4 سبتمبر الماضى، وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إن نائب وزير  الدفاع الروسية ألكسندر فويمن التقى كامارا خلال منتدى عسكرى دولى وناقشا مشاريع التعاون الدفاعى بالتفصيل، بالإضافة الى مسائل الأمن القومى المتعلقة بغرب أفريقيا .[6]

وفى ذات السياق، فقد سلمت طائرة شحن أربع طائرات هليكوبتر وأسلحة وذخيرة من روسيا إلى مالى فى أكتوبر الماضي، وهو ما وصفته الحكومة المالية بالصفقة التجارية الناجحة مع دولة روسيا مع وجود العديد من المدربين الروس فى إطار اتفاق ثنائي بين مالى وروسي.[7]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]مالى طرد السفير الفرنسى .. والامور تتجه نحو المجهول فى 1 فبراير 2022 على الرابط :

https://www.skynewsarabia.com/world/1497846

[2]https://www.bbc.com/arabic/world-59541641

[3]فرنسا تبحث مع شركائها الانسحاب العسكرى من مالى وإعادة الانتشار فى منطقة الساحل لمكافحة الإرهاب ، 16/2/2022 على الرابط :

https://www.france24.com/ar/

[4]بعد الانسحاب من مالى .. فرنسا تكشف وجهة القوات الجديدة، 17/ 2 / 2022 على الرابط :

https://al-ain.com/article/1645089355

[5]https://english.alarabiya.net/News/world/2022/01/21/US-army-confirms-Russian-mercenaries-in-Mali-

[6]https://www.reuters.com/world/africa/exclusive-deal-allowing-russian-mercenaries-into-mali-is-close-sources-2021-09-13/

[7]https://www.france24.com/en/africa/20211227-russia-to-keep-providing-military-assistance-to-mali-despite-western-criticism

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى