هل قام “الجولاني” بتسليم “القرشي” للتحالف الدولي؟

تطرح تفاصيل وتوقيت عملية مقتل القرشي زعيم “داعش”، التي تمت بمحافظة “إدلب” في الثالث من فبراير الجاري عبر إنزال جوي لقوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة بهدف تصفيته- العديد من التساؤلات، حول حدود دور “أبو محمد الجولاني” في تسهيل نجاح الضربة، خاصة وأن العملية نفذت في شمال سوريا في محافظة “إدلب”، المسيطرة عليها هيئة تحرير الشام التي تضخمت خلافاتها مع تنظيم “داعش”.

وإذا كانت تصفية “القرشي” وفقاً للمراقبين لم تكن الأولى من نوعها لتحييد قيادي داعشي في “إدلب” السورية، بل حدث هذا السيناريو سابقًا أثناء مقتل الزعيم الأسبق للتنظيم “أبو بكر البغدادي” في عام 2019- يبقى السؤال، وهو: هل فعلا سهل “الجولاني” عملية مقتل “القرشي” خاصة، وأن “القرشي” كان حريصاً بشدة ولديه مخاوف أمنية جعلته طوال الثلاث سنوات السابقة- أي خلال مدته كخليفة، لم يتمكن من بث مقطع فيديو لنفسه أو مقطع صوتي أيضا؟، وما هي الوعود التي قدمت له- أي للجولاني، وما هي المكاسب المحتمل يحققها الأخير، خاصة وأن مقتل زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية”، أبو إبراهيم الهاشمي القرشي “يمثل ضربة قوية للتنظيم، قد تربك حساباته ومساره في إعادة بناء نفسه بشكل جديد بعد هزيمته في 2019؟.

اختلافات أيديولوجية:

يتضح في الآونة الأخيرة قيام “هيئة تحرير الشام” بمحاولات عدة لإظهار نفسها على أنها حركة معارضة مدنية، بل وأنها تستطيع المشاركة بالحياة السياسية، ويحاول الجولاني تحسين صورته أمام الغرب، على أنه قائد معتدل بل وأنه المسيطر الأمثل في “إدلب” السورية، ومحو أي فكرة سلبية عن “تحرير الشام”، وإظهارها على أنها لا ترتكب أي تهديد للأمن والسلم الدوليين، بل فصيل سوري له أهداف وطنية وليست دولية، وهي تحقيق التحرر والاستقلال، وبذلك تختلف أيديولوجية “الهيئة” المستحدثة عن أفكار تنظيم الدولة “داعش” التكفيرية، ذات التوجه العالمي.

 ويبدو أن إستراتيجية الجولاني كانت قد نجحت نسبيًا في استرضاء الولايات المتحدة – ولو بشكل طفيف – فيما سبق، بعدما قام “جيمس جيفري” المبعوث الأمريكي الأسبق لسوريا بوصفه بذلك، إلا أن الجولاني و”الهيئة” لا يزالان على قائمة الإرهاب.

وتبقى “الهيئة” مسئولة عن المعضلة الإنسانية في إدلب، التي يتعرض لها ملايين من المدنيين السوريين بالمحافظة، ففي ظل الادعاء بالحوكمة الجيدة بمناطق سيطرة “تحرير الشام” بواسطة “حكومة الإنقاذ” التي تديرها “الهيئة”، لا تزال شكاوي المدنيين السوريين هناك مما يتعرضون له مستمرة، ولاسيما حالات الاعتقال واغتيال المعارضين وملاحقتهم، الأمر الذي يشير إلى عدم ترجيح إزالة “الجولاني” و”تحرير الشام” من قائمة الإرهاب في المدى القريب.

موقف غامض:

تسبب موقف “الهيئة” من مقتل “عبدالله قرداش” المعروف بـ “أبو إبراهيم القرشي”، زعيم “داعش”، في إثارة العديد من الشكوك حول مدى إسهام “الجولاني” وفصيله في العملية، خاصًة وأن “القرشي” كان مختبئًا في مناطق نفوذ “تحرير الشام” (إدلب)، وقد أشارت بعض التقارير أن الجولاني كان على علم بتواجد زعيم “داعش”، كما أنه تم إخباره بهذه العملية قبل إتمامها بقرابة نصف ساعة، وأعطى “الجولاني” أوامره بعدم اعتراض الطائرات الأمريكية خلال تنفيذ الهجوم، ولكن جاء رد فعل “الهيئة” على مقتله مخالفًا لكل ذلك، حيث أكد “الجولاني” في بيان “تحرير الشام” عدم معرفته من الأساس بوجود “القرشي” هناك، مستنكرًا عملية الإنزال الجوي لكونها أدت لمقتل 13 شخصًا، بينهم 6 أطفال و4 نساء، بحسب بيان الهيئة.

وبالرغم من هذا البيان لا يزال من غير المبرر عدم اتخاذ “تحرير الشام” أى تدابير أثناء عملية الإنزال في المنطقة التي تسيطر عليها، حيث لم تقم بالتدخل خلال الاشتباكات ضد “القرشي”، والتي استمرت قرابة ثلاث ساعات، وحتى إن بيان “الهيئة” حول مقتله جاء متأخرًا، الأمر الذي يزيد من الشكوك حول غموض موقفها، خاصًة مع تعدد مصالح “الجولاني” مع الغرب والولايات المتحدة، ورغبته المستمرة في تحسين صورته وعلاقته معهم، وإظهار “الهيئة” أنها تحارب الإرهاب ولا تدعمه، لاسيما بمقاتلة الجماعات الجهادية وطرده لتنظيم “حراس الدين” من إدلب مؤخرًا.

يُلاحظ أيضًا أن خطاب الولايات المتحدة لم ينتقد “تحرير الشام” ولم يوجه الشكوك تجاه “الهيئة” بإيواء زعيم تنظيم الدولة “داعش” في منطقة نفوذها، الأمر الذي يضع تساؤلات وشكوكًا عدة حول أن “الهيئة” في الأساس هي من وشت بموقع “القرشي” لـ”واشنطن”، سواء بشكل مباشر أو بواسطة الجانب التركي.

مكتسبات عدة:

تتوافر أهداف ومكتسبات لـ “هيئة تحرير الشام” سواء بمقتل زعيم “داعش”، أو عبر إضعاف التنظيم نفسه، ويمكن سرد بعض هذه المكاسب على النحو التالي:

(*) زيادة تمكين الجولاني في إدلب: بعد مقتل زعيم داعش، بالإضافة إلى هجمات التحالف الدولي ضد تنظيم “حراس الدين” التابع لـ “تنظيم القاعدة”، تطرح الفرصة الأكبر لـ “تحرير الشام” لتحقيق امتيازات أكبر بعد إزاحة تلك الأطراف عن طريقه، وبالأخص مع دعم تركيا للجولاني، حيثلأنقرة أفضلية تقديم الدعم لفصيل الجولاني، عن وقوع إدلب في نفوذ الجيش السوري، ما يساعد “هيئة تحرير الشام” على بسط نفوذها في إدلب بشكل أوسع عسكريًا ومدنيًا.

(*) اكتساب صفة المعارضة النزيهة: إن كان هناك دور للهيئة في تسليم الجولاني، فإن ذلك قد يحقق للجولاني هدفه الأكبر والأهم “إزالة اسمه وفصيله عن قائمة الإرهاب”، وكسب الثقة في قدرة “الهيئة” في فرض السيطرة في “إدلب” السورية، بل ويسعى “الجولاني” للمشاركة في أي ترتيبات سياسية لحلحلة الأزمة السورية، كفصيل سوري محلي معارض، ولن يدخر أى فرصة وأي جهد لتحقيق ذلك الهدف، وإن كان ذلك يتناقض مع أيديولوجيته.

(*) زيادة ثقة الغرب والولايات المتحدة بالهيئة: مازال “الجولاني” في دائرة “الجهادية” بالنسبة للغرب، وإن كانت توجهاته المعلنة مؤخرًا تتصف بالاعتدال، ويسعى لكسب ثقة الولايات المتحدة باستمرار وتأييد الغرب، والتنسيق مع التحالف يحقق للجولاني هدف التحول بفصيله إلى هيكل مؤسساتي بل والتفكير في الحصول على حكم ذاتي لمناطق نفوذه في سوريا، إن لم يكن يسعى لتكرار النموذج الطالباني في أفغانستان، بواسطة “تحرير الشام” في سوريا.

بناءً على ما سبق، يمكن القول أن المعطيات المتوافرة تظهر أن “أبو محمد الجولاني” في حاجة بالأساس للتنسيق مع الولايات المتحدة، ويبدو أنه كان له دور بشكل أو بآخر في عملية مقتل زعيم “داعش”، أما بالنسبة لأهداف “الجولاني” المتعلقة برفع اسمه عن قائمة الإرهاب لا يمكن تحقيقها في المدى القريب، ولكن رئيس “الهيئة” براجماتيًا في إستراتيجيته ويمكنه قبول العمل لصالح واشنطن عند الحاجة، ولا يُستبعد تنسيقه مع الأخيرة خلال عملية مقتل “القرشي”.

وإجمالًا، يبدو أن هناك الكثير من المكتسبات التي يمكن لـ “تحرير الشام” تحقيقها بعد إزاحة زعيم تنظيم الدولة، وأن “الجولاني” أصبحت له العديد من العلاقات مع عدة دول، ويسعى للانفتاح بشكل واسع، والحصول على ثقة الغرب، وبالنسبة لتنظيم “داعش” فقد لا يتأثر بمقتل زعيمه “القرشي”، خاصًة لاعتماده على “اللامركزية بالإدارة”، وإن كان للجولاني دور، فقد يزداد التوتر بالفترة القادمة، إذا وضع “داعش” مقاتلة “هيئة تحرير الشام” ضمن إستراتيجيته في سوريا.

 

 

 

 

 

محمد صابر

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية، الباحث مهتم بشئون سوريا والشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى