حسابات “تايوان”: كيف تري الصين التحرك الروسي تجاه أوكرانيا؟

مع استمرار اشتداد الصراع بين روسيا وأوكرانيا، بدأت التوترات تتصاعد في جميع أنحاء أوروبا الشرقية. وفقًا لوزارة الدفاع الأوكرانية، يوجد حاليًا ١٢٠ ألف جندي روسي يتمركزون على بعد ٢٠٠ كيلومتر من الحدود الأوكرانية، كما تم تجميع أكثر من ١٤٠ ألف جندي روسي مدرع ثقيل في المنطقة العسكرية الغربية لروسيا، على استعداد لشن “هجوم شتوي” ضد أوكرانيا.

وترتيبا على ما تقدم، رتب الناتو بشكل عاجل لقوة الرد السريع التابعة للناتو للقيام بانتشار قتالي لضمان قدرتها على الذهاب إلى المنطقة الخطرة لأداء المهام في أي وقت بعد حدوث حالة الطوارئ. ومع ذلك، خفت حدة التوترات على الحدود الأوكرانية قبل اكتمال النشر الرسمي لقوة الرد السريع التابعة لحلف شمال الأطلسي. وفي الآونة الأخيرة، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الدفاع الروسية نقلته وسائل الإعلام الأجنبية، أنهى ١٠ آلاف جندي روسي تدريباتهم في منطقة الحدود الأوكرانية ويعودون الآن ببطء إلى مسرح العمليات الجنوبي لروسيا، الواقع في شبه جزيرة القرم، وسيقرر باقي الجنود الروس متابعة الانتشار وفقا لتطور الوضع على الحدود.

والسبب يعزي إلى أنه في مواجهة الزيادة المستمرة للقوات الروسية على الحدود الأوكرانية، بالإضافة إلى التحذيرات القوية، نادرًا ما “تمتثل” الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لروسيا، قائلة إنه نظرًا لأن أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو، فإنها لن ترسل قوات للتدخل في قضية أوكرانيا. وهذا أعطى روسيا أيضًا تنحيًا، ففي النهاية لم يكن بوتين ينوي خوض منافسة وجهاً لوجه مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

وعلى الرغم من أن إدارة بايدن ترفض إرسال قوات إلى أوكرانيا، ولكنها تظاهرت بدعم الحكومة الأوكرانية من خلال إرسال “تحذيرًا بشأن العقوبات” لروسيا. وقد سُبق وفرضت عقوبات جماعية على روسيا من قبل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة بسبب شبه جزيرة القرم، مما تسبب في تضرر الاقتصاد الروسي بشدة. ومن المتوقع أنه إذا استمر الوضع في أوكرانيا في التفاقم، فستواجه روسيا مرة أخرى عقوبات وقمعًا من العالم الغربي بأسره، والضغط على بوتين أمر وارد.

لذلك، في هذا الوقت، فإن اختيار روسيا لسحب بعض القوات المقاتلة من المنطقة الحدودية يرسل أيضًا إشارة إلى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مفادها أن روسيا ليس لديها نية لتصعيد الموقف في أوكرانيا، ويمكن للجانبين التفاوض بطرق سلمية. والسؤال هنا، كيف ترى الصين التحرك الروسي تجاه أوكرانيا، وهل هناك موقف صيني داعم لموسكو، وهل هذه الأزمة تتعلق بمستقبل قضية تايوان للصين والولايات المتحدة الأمريكية؟

التركيز على قضية تايوان لـ “وقف” زخم صعود الصين:

يمكن ملاحظة أنه من وعلى الرغم من “الصعيد الإعلامي الأمريكي والغربي” باحتمالية شن روسيا حربا على أوكرانيا، وعقد اجتماع مجلس الأمن في ٣١ يناير بعد إرسال المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة برسالة إلى رئيس مجلس الأمن في ٢٧ يناير يطلب فيها عقد اجتماع علني حول الوضع الحالي في أوكرانيا. وعلى الرغم من تصويت روسيا والصين ضد التصويت الإجرائي يوم ٣١، واختارت الهند والجابون وكينيا الامتناع عن التصويت. ونظرًا لأن التصويت الإجرائي يتطلب ٩ أصوات فقط لصالحه، فقد وافق مجلس الأمن أخيرًا على الاقتراح بأغلبية ١٠ أصوات مقابل صوتين ضده، وعقد هذا الاجتماع. ومع ذلك، تمكن بايدن من حل أزمة أوكرانيا دون إراقة دماء من خلال الضغط الدبلوماسي والتهديدات، مما يعني أن الولايات المتحدة تخفض من مصارعتها مع روسيا في أوروبا الشرقية، وتركز اهتمامها وطاقتها الرئيسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وبمعنى أوضح فهي تعيد الاستثمار في قضية تايوان. فبالنظر إلى سلسلة الإجراءات والتصريحات الأخيرة للولايات المتحدة واليابان في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فمن الواضح أن الولايات المتحدة تعتزم تحويل مضيق تايوان إلى ساحة معركة رئيسية مع الصين. ومن زاوية إدارة بايدن، بدلاً من الضغط على روسيا بشأن قضية أوكرانيا، من الأفضل التركيز على استخدام قضية تايوان لـ “وقف” زخم صعود الصين.

ومع ذلك، هناك أيضا انتقادات من بعض الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين من تخلي واشنطن في كل مرة تقع فيها أزمة في مضيق تايوان وأوروبا الشرقية عن الخيارات العسكرية، وحذرت أيضا من أن الولايات المتحدة تواجه حاليا “خطر الحرب على جبهتين”، وأن القوات الموجودة ليست كافية للتعامل مع الجبهتين في نفس الوقت، والانتباه إلى الثغرات الموجودة في استراتيجيتها للدفاع القومي. كما أكد البعض بأنه في حالة استيلاء القوات الروسية على المنطقة الممتدة التي تربط شبه جزيرة القرم بروسيا، “فستكون هذه مشكلة حقيقية لأوكرانيا وأوروبا”، فيجب لحلف الناتو والجيش الأمريكي الرد بعقوبات عسكرية أشد صرامة، حيث أن بيلاروسيا تشترك في الحدود مع أوكرانيا وبولندا ولاتفيا وليتوانيا، وإذا دخلت القوات الروسية روسيا البيضاء، فإن الجيش الروسي سيهدد بشكل مباشر ثلاثة من حلفاء الناتو، الأمر الذي “سيخلق مشاكل أكبر”. وهذا يوضح أنه بالنسبة للولايات المتحدة فإن الاتجاهان (أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ) مترابطان بالنسبة للصين فيما يتعلق بقضية “ضم تايوان”.

فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن واشنطن ترى محتوى التدريبات الصينية الروسية المشتركة الحالية “لا يزال بدائيًا للغاية”، إلا أن أكثر ما يثير قلقها هو ما إذا كانت الصين وروسيا قد اختارتا العمل معًا” وما إذا كانا “سيقسمان التحالفات في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ ويعيدان كتابة النظام الدولي القائم على القواعد الأيديولوجية للصين وروسيا”. ويرى بعض الأكاديميين التايوانيين المختصين في المجال العسكري بأن من نقص القوات الأمريكية على جبهتين يعكس الإشكالية في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية ولا يتوافق مع الهيكل الحالي للقوة العسكرية الأمريكية. فتمثل هذه الاستراتيجية القتال في مسرح والردع في مسرح آخر.

مكانة “تايوان” في الصراع الدائر:

في الواقع، فإن “استراتيجية ردع الصين” من خلال تايوان التي تطبقها إدارة بايدن حاليًا هي في الحقيقة التحضير لحرب محدودة، أي حرب تقليدية مع الصين دون استخدام الأسلحة النووية. لأنه بالنسبة للولايات المتحدة، في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يمكن الاستفادة من اليابان وأستراليا والأسلحة لمواجهة الصين. وبالنسبة للصين، حتى لو هزمت الولايات المتحدة وحلفائها في حرب مضيق تايوان، فقد يكون مجرد نصر مأساويا في النهاية، ولكن بمجرد خسارته، سيؤدي إلى تدهور حاد في المكانة والنفوذ الدولي، بينما الولايات المتحدة، فإن الفوز سيزيد من تسريع استراتيجيتها لاحتواء الصين، فلا يهم إذا خسرت، فليس أكثر من إعادة فرض الحصار على سلسلة الجزر الثانية.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إنه من أجل تجنب توسع الحرب، ستحصر الولايات المتحدة حرب مضيق تايوان بأكملها في محيط منطقة تايوان، ولن توسع نطاق الحرب إلى أقصى حد. فوفقًا لتوقعات الولايات المتحدة، فإنها ستهزم الصين من خلال “حرب محدودة”، ثم تستخدم ضغط الدول الغربية لإجبار روسيا على تقديم تنازلات وتسويات بشأن قضية أوكرانيا، مما سيؤثر على نفوذ ومكانة الصين وروسيا في المجتمع الدولي إلى أقصى حد ممكن.

ولكن، تتمتع كل من الصين وروسيا بقوى نووية استراتيجية قوية، فهل تستطيع الولايات المتحدة حقًا تحقيق “السيطرة” من خلال حرب محدودة؟ من الواضح أن الولايات المتحدة لا تستطيع فعل ذلك، فهي تقرر متى ستبدأ الحرب ، لكنها لا تستطيع أن تقرر متى ستنتهي الحرب.

الموقف الصيني من الأزمة الأوكرانية:

ترى الصين الأزمة الأوكرانية من منظور رؤيتها لقضية تايوان، التي تُمثل شأن داخلي للصين، ولا يمكن لأحد أن يهز سيادة البر الرئيسي الصيني. وبالمثل، ترى أن أوكرانيا ترتبط بالفضاء الأمني ​​الاستراتيجي لروسيا، ولن تسمح موسكو أبدًا للولايات المتحدة بنشر صواريخ على أعتابها. وهذا ينعكس في الموقف الصيني خلال اجتماع مجلس الأمن بشأن الأزمة الأوكرانية في ٣١ يناير، حيث أكد المتحدث الرسمي لبكين، بأن الولايات المتحدة والغرب شنت حربا إعلامية مزيفة ضد روسيا، وزعمت بأنها ستشن حربا على أوكرانيا بالرغم من التصريحات المتكررة من الجانب الروسي بأنه ليس هناك نوايا لشن هجوما على أوكرانيا. وأكد أيضا على بكين تدعو جميع الأطراف المعنية إلى التزام الهدوء ، وتكثيف الجهود الدبلوماسية الهادئة ، والامتناع عن فعل أي شيء لإثارة التوترات. كما رفضت الصين السبب الرئيسي لعقد اجتماع مجلس الأمن، بناءا على طلب أمريكا على أساس أن نشر روسيا لقوات على الحدود الأوكرانية يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، حيث أنه لا يفضي إلى خلق مناخ ملائم للحوار والمفاوضات، أو تعزيز حل التوترات. وأكدت على أن موقف بكين من الأزمة الأوكرانية، يتركز بشكل أساسي على اتفاقية مينسك الجديدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٠٢، وهي وثيقة سياسية أساسية وملزمة معترف بها من قبل جميع الأطراف ويجب تنفيذها بشكل فعال.

وردا على “استراتيجية الردع الصيني” للولايات المتحدة والغرب من خلال تايوان، أكد المتحدث الرسمي خلال الاجتماع تعليقا على أزمة أوكرانيا، بأن الناتو هو نتاج الحرب الباردة ، وتوسع الناتو هو التعبير المركّز لسياسة التحالف. وتعتقد أن أمن دولة ما لا يمكن أن يكون على حساب تهديد أمن الدول الأخرى ، ولا يمكن ضمان الأمن الإقليمي من خلال تعزيز أو حتى توسيع الجماعات أو التحالفات العسكرية، ويجب على جميع الأطراف التخلي تمامًا عن عقلية الحرب الباردة وتشكيل آلية أمنية أوروبية متوازنة وفعالة ومستدامة من خلال المفاوضات ، وينبغي أخذ مخاوف روسيا الأمنية المعقولة على محمل الجد وحلها.

ويلاحظ من هذا الدعم، أن بكين تحاول عرقلة كل الطرق التي قد تجلب المكاسب للولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في الأزمة الأوكرانية، والتي قد تشكل تهديدا على “خطة ضم تايوان” التي تنظر اليها الصين على أنها من المصالح الحيوية للدولة وترتبط بسيادة الصين ووحدة أراضيها، وأيضا سياستها الخارجية التي شهدت تطورا كبيرا لتعزيز نفوذها الدولي اقتصاديا وسياسيا كجزء من “قضية تايوان”. ومن يتابع التحولات في السياسة الخارجية الصينية ولاسيما، في السنوات الأخيرة، سنجد أن الصين غيرت من لهجة “إخفاء القدرات” ، وتبنت خطابات دبلوماسية تعزز من هويتها كدولة كبرى، وبدأت تنتقد الولايات المتحدة والغرب بشكل علني وصريح وبكلمات عنيفة، ووضعت أيديولوجية خاص لها “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” وانطلقت في الترويج لها بشكل أوسع على المستوى السياسي والثقافي مستخدمة نفوذها الاقتصادية وأحيانا تضطر إلى إبراز قوتها العسكرية من خلال مشاركتها الأمنية على مستوى متعدد الأطراف أو من خلال بناء قواعد عسكرية مثل جيبوتي وتليها باكستان، وغيرها من الأنشطة العسكرية الأخرى سوى مبيعات الأسلحة أو التدخل بطرق غير مباشرة لحماية مصالحها في الخارج.

ولو نظرنا مؤخرا إلى  تصريحات الصين خلال المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، سنجد أن الحزب أستخدم لأول مرة عبارة جديدة لوصف سياسته بشأن تايوان –”الاستراتيجية العامة للحزب لحل قضية تايوان في العصر الجديد“، وقد ظهر هذا التعبير في قرار الجلسة الكاملة السادسة في نوفمبر ٢٠٢١، كما أكدت تصريحات المؤتمر بأن تايوان تؤثر على القضية العامة للحزب والدولة ، وترتبط بالتجديد العظيم للأمة الصينية،ومشروعها الأيديولوجي “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” لعصر جديد ، وأن التغييرات الحالية التي حدثت منذ قرن من الزمان في العالم ووباء القرن متشابكة ومتداخلة، وعدم اليقين وعدم الاستقرار في اتجاه مضيق تايوان آخذان في الازدياد، لذا هناك ضرورة لتقوية الثقة التاريخية والتأكد من تنسيق التوقيت والتوجه لإعادة التوحيد الكامل للصين، وأيضًا تأسيس فكر أساسي والاستعداد عقليًا والعمل على التعامل مع مختلف المخاطر والتحديات، وكبح جماح استفزاز “استقلال تايوان” وتدخل القوى الخارجية، وبناء جبهة قوية ضد “الاستقلال” وتعزيز إعادة التوحيد. وكل هذه التصريحات التي تتركز الصين على تنفيذها لتحقيق الوحدة تظهر أنها تتخذ زمام المبادرة بشأن تايوان في مواجهة ما تعتبره عقبات متزايدة أمام هدفها المتمثل في إعادة التوحيد.

وفي النهاية، تعتقد روسيا أن قضية مضيق تايوان لا تحتاج إلى حل بالقوة ، والأدوات الاقتصادية كافية. يمكن النظر إلى تصريحات روسيا في اجتماع مجلس الأمن على أنها رد على أوروبا والولايات المتحدة لتعبئة قضية الصين وروسيا لاختلاق “حرب باردة”، حتى لو لم ينجح الاحتواء الحقيقي ، فلا بأس من “الاحتواء بالدعاية الثقافية”. في الواقع،  “حلم الناتو” الأوكراني و “حلم استقلال تايوان” في تايوان يمثل الخط الأحمر الحقيقي  للمصالح الحيوية للصين وروسيا. كما ترى روسيا و الصين أن بايدن يريد نصرًا دبلوماسيًا أو فوضى خارجية مربحة لتعزيز شعبيته المتدهورة في الداخل، وأيضا هزيمة” أمريكا في أفغانستان”، ناهيك عن نجاح الصين في إقامة علاقات دبلوماسية مع نيبال، والذي يعد انتكاسة دبلوماسية كبيرة لإدارة بايدن.

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، و هي باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجة الدكتوراه والماجستير في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى