هل تنجح “إيران” في مفاوضات الفرصة الأخيرة؟

في مطلع يناير الجاري، تواصلت في العاصمة النمساوية مفاوضات الجولة الثامنة حول البرنامج النووي الإيراني، وتتمحور حول شروط رفع العقوبات الأميركية عن طهران مقابل وقف الأخيرة تحويل برنامجها النووي لأغراض عسكرية، وذلك في وجود كبير المفاوضين الإيرانيين “علي باقري كني”، وممثلي الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا)، بهدف إحياء الاتفاق المبرم عام 2015، والذي انسحبت الولايات المتحدة منه في 2018، حيث بدأت المباحثات في فيينا في أبريل الماضي، وتم استئنافها اعتباراً من أواخر نوفمبر الماضى، بعد تعليقها لنحو خمسة أشهر اعتباراً من يونيو.

وعلى الرغم من تأكيد الأطراف المعنيون بالمفاوضات الإيرانية في تحقيق تقدم، إلا أنه يظل الغموض يغلف محاور أساسية في ملف المحادثات بين القوى الكبرى وإيران حول عودة العمل بالاتفاق النووي، وتظل تدور الشكوك الأميركية حول جدية إيران في تلك المفاوضات، خاصة معروف أن المفاوض الإيراني يراوغ لكسب مزيداً من الوقت لتحقيق طموحاته النووية، وهو أمر سارعت حوله الدبلوماسية الإيرانية إلى تبديد هذه الشكوك والمخاوف، من خلال تأكيدها على لسان وزير خارجيتها”حسين أمير عبد اللهيان”، خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة، “أنطونيو غوتيريش” على “إرادة طهران الجادة” للتوصل إلى اتفاق جيد في محادثات فيينا في أسرع وقت.

ورغم ما تم طرحه خلال السطور السابقة، تظل سياسة المراوغة الإيرانية، هي التي تدير الطاولة، ويظهر جلياً فيتشدد “عبد اللهيان” على “ضرورة اتخاذ إجراءات عملية وملموسة وقابلة للتحقق من قبل الغرب وأميركا” للتوصل لاتفاق في فيينا، مع بقاء نقاط تباين و”بطء” في المباحثات.

وعلى ما سبق، يمكن الإجابة عن السؤال التالي، وهو: هل تتجاوز المفاوضات المتعثرة أزمتها؟، وهل تنجح إيران في مفاوضات الفرصة الأخيرة؟.

مفاوضات متعثرة (لا خيارات أخرى):

وفي هذا السياق، انتهت الجولة الأخيرة والثامنة من مفاوضات فيينا بهدف إحياء الاتفاق البرنامج النووي الإيراني، وذلك بإعلان وفد الاتحاد الأوروبي تعليق تلك المفاوضات التي تجري في فيينا، داعياً مختلف الأطراف المعنيين إلى اتخاذ “قرارات سياسية”، حيث يعود المفاوضون المشاركون إلى عواصمهم لإجراء مشاورات وتلقي تعليمات من السلطات، تمهيداً للعودة الأسبوع المقبل، غير أنه وفقاً لتصريح مسئول في الرئاسة الفرنسية، والذي أوضح “إن المحادثات بين إيران والقوى العالمية مازالت صعبة.

ومن المنتظر أن تظهر الأيام المقبلة إلى أي مدى ستؤدي أي قرارات سياسية إلى تسريع المحادثات، وقال كبير مفاوضي الوفد الروسي، “ميخائيل أوليانوف”، أكثر المندوبين تفاؤلا في أغلب الأحيان، على تويتر: “أشعر أنه سيتم التوصل إلى اتفاق قريبا بعد منتصف فبراير”، وهناك مؤشرات لإمكانية التوصل إلى اتفاق”، وذلك تم من خلال اتصال هاتفي بين الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والذي أوضح فيه أن مسألة حصول إيران على ضمانات وكيفية إعادة برنامجها النووي تحت السيطرة أمور ما زالت بحاجة إلى توضيح، وفقاً لرويترز.

وبناء عليه، فإن إنهاء البرنامج النووي الإيراني لا يزال أحد أهم بواعث قلق واشنطن وتل أبيب، بل أكثرها إلحاحاَ، حيث أنه وفقاً للرؤية الأمريكية : “كل تهديد تواجهه الولايات المتحدة من إيران يزداد خطورة في غياب القيود على برنامجها النووي”، ورغم ذلك لا يزال إعلان البيت الأبيض بشكل مستمر رغبة الولايات المتحدة في إحياء الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه من غير المرجح يتم تغيير في سياسات إيران النووية، من خلال تأكيد “رئيسي” سابقاً أن بلاده لن تسمح بـ”مفاوضات حول النووي لمجرّد التفاوض، ولن نسمح بأن تجري مفاوضات استنزافية”، وأن إدارته حريصة على “إلغاء كل إجراءات العقوبات المفروضة ضد إيران”، وتأكيده أيضاً المستمر على”سياسته الخارجية لن تتقيد بالاتفاق النووي.. وسيكون لديه تفاعل مع العالم”، وأنه”لن يربط مصالح الشعب الإيراني بالاتفاق النووي، وهو ما يؤكد تعقيد مسالة المفاوضات النووية.

حسابات متعارضة:

وهنا كل طرف يتمسك بمطالبه، حيث تشدد طهران على أولوية رفع العقوبات التي أعادت واشنطن فرضها عليها بعد انسحابها من الاتفاق، والحصول على ضمانات، بعدم تكرار الانسحاب الأميركي، في المقابل، تركز الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية على أهمية عودة إيران لاحترام كامل التزاماتها بموجب الاتفاق، والتي بدأت التراجع عنها في 2019، وبذلك يمكن أن نتوصل إلى أهم الاستنتاجات التالية:

(*) بالرغم من أن المحادثات استهدفت استكمال مسودة نص الاتفاقيات وحل بعض القضايا الخلافية، وبحث القضايا الرئيسية وحل الخلافات بشأن رفع الحظر وإعطاء الضمانات، إلا أنه يوجد تعقيد شديد في بعض القضايا والحاجة إلى اتخاذ قرارات سياسية من قبل القيادات.

(*) تعد الولايات المتحدة، اللاعب الأقل مشاركة لكنها اللاعب الأكبر، ربما يبذل فريق الرئيس جو بايدن كل ما في وسعه لاستفزاز وإضعاف المتشددين الإيرانيين، لكن الصراع الواسع مع طهران لا يتماشى تماماً مع أجندتهم طويلة المدى.

(*) تطالب واشنطن بإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، لكن ترفض إيران الاجتماع مباشرة مع الأميركيين، وتعقد الاجتماعات مع ممثلي روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، حيث اعتبر وزير الخارجية أنتوني بلينكن أن إعادة العمل بالاتفاق النووي سيكون “النتيجة الأفضل لأمن أميركا”، مهدداً في الوقت ذاته حال انهيار المفاوضات بـ “خطوات وخيارات أخرى”.

(*) كل الخيارات الأمريكية مطروحة على الطاولة في التعامل مع الملف النووي الإيراني، فإذا لم تعد إيران إلى الاتفاق، فسيكون هناك ردود أميركية “دبلوماسية وغيرها” ويتم تنفيذ الخطة “ب”،والتي تشمل هجمات سيبرانية ضد برنامج إيران النووي ومنشآتها الحيوية وحتى عمليات عسكرية محدودة، ومحددة، لإلحاق أضرار بهذا البرنامج، بما في ذلك غض الطرف عما قد تفعله إسرائيل التي تعارض استئناف المفاوضات مع إيران وتسعى إلى عرقلتها، وتعلن أنها غير ملزمة بها، حتى إن نجحت.

(*) لن تسمح إسرائيل بالفعل بأي اتفاق مع إيران إلا بشروطها، وهو ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بنيت “سابقاً،  حيث مواصلة طهران بناء مشروعها النووي، الذي من شأنه أن يؤدي لخطر وجودي على تل أبيب، ولسباق تسلح إقليمي، وحينها ستعمل تل أبيب على منع إيران الوصول لحافة النووي، لذلك التوجه الإسرائيلي هو “لا خيار الآن إلا التخطيط لهجوم يستهدف المنشآت النووية الإيرانية”، وهو ما تم تأكيده في تسريب لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إن الميزانية المرصودة للعملية المتوقعة قد حددت بين المؤسسات الإسرائيلية الثلاث بقيمة 5 مليارات شيكل إسرائيلي (حوالي 1.7 مليار دولار أميركي)، لمدة 5 سنوات مقبلة، بما يعادل 5 أضعاف المبلغ السابق الذي كانت إسرائيل قد حددته،الهيئة أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي زود وزارة المالية الإسرائيلية بتقارير عن “مخاوف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تسارع النشاط الإيراني في تخصيب اليورانيوم”.

(*) من الواضح أيضاً أن خطة إيران طويلة الأمد، موقنة بأنها ستخسر، في نزاع شامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل والحلفاء الآخرين المناهضين لإيران في المنطقة، بالمعنى التقليدي، لذلك قد يعود الوفد المفاوض بمطالب ضخمة خلال الأسبوع المقبل، أو على الأقل التمسك بها والحصول على ضمانات حقيقية وشاملة مع التركيز على إلغاء الحظر المفروض على طهران.

(*) إذا تم الاتفاق بعد عودة المفاوضين إلى الطاولة مرة أخرى، -وهو غير مرجح الوصول لاتفاق- حيث أن المفاوضين المشاركين في محادثات الاتفاق النووي الإيراني سيطلبون من المسئولين السياسيين اتخاذ قرارات لحل القضايا الشائكة، التي لا تزال عالقة، وذلك مع عودة المفاوضين إلى عواصم بلادهم على أن يعودوا الأسبوع المقبل، فإنه سيتم بموجب هذا الاتفاق تهدئة عدة قضايا شائكة وملفات عالقة ومشتعلة في المنطقة العربية منها ملف اليمن ولبنان وسوريا، أما ملف العراق فسيضحى مركز ثقل التصادم السياسي الجديد بين أمريكا وإيران.

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى