هل أغفلت “طالبان” منهج “السلفية الجهادية” في “أفغانستان”؟

باسل ترجمان- خبير تونسي في شئون الإرهاب.

بعد خمسة أشهر من سيطرتها على العاصمة كابول، وانسحاب القوات الأجنبية منها كذبت حركة طالبان التوقعات والادعاءات الخارجية بأنها ستغير منهجها ورؤيتها للحكم في أفغانستان، وانتقلت دون اهتمام بالمواقف الخارجية لتطبيق رؤيتها للحكم الإسلامي المطبق للشريعة الإسلامية والمحترم لنصوصها.

تصريحات ومواقف القوى الدولية حول تقييمها لطالبان، سيكون عبر احترامها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والحوارات التي جرت مع قياداتها في الدوحة لم تتجاوز ذر الرماد في العيون لتغطية حجم النكبة، وثقل الهزيمة السياسية، والعسكرية للتحالف الدولي، الذي اعترف بهزيمته بعد عشرين عاماً من التدخل في أفغانستان وإسقاط حكم طالبان اثر تورط تنظيم القاعدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

تأسيساً على ما سبق، يحاول هذا التحليل التطرق إلى مفهوم الدولة عند طالبان، الذي بدأت تتضح ملامحه منذ الإعلان عن تشكيل أول حكومة لها في أفغانستان، بناءاً على ذلك يمكن الإجابة عن السؤال التالي، وهو: ما هي ملامح دولة طالبان الدينية، وأين موقع منهج شريعة السلفية الجهادية في إدارتها لـ أفغانستان؟.

دولة الشريعة أولاً:

طالبان الآتية من خليط فكري وثقافي ومجتمعي يعتبر الإسلام، هو المنقذ وتطبيق الشريعة بحذافيرها في قراءة سلفية مغلقة لا تخرج عن فهم الحلال والحرام الطريق نحو إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي ستعيد للمسلمين أمجادهم وتهزم الكفار، بقيت وفية لمنهجها الفكري رغم كل محاولات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي مغازلتها أو الحديث بمنطق الفوقية والقوة بعد انسحابهم المذل من أفغانستان بان موقفهم  سيحدده احترامها لحقوق الإنسان والحريات وخاصة حقوق المرأة.

إعلان منع النساء من العمل والتعلم ومنع سماع الموسيقى وحرمان المرأة من التنقل دون محرم وكثير غيرها من القرارات التي لها علاقة برؤية الإسلام السلفي الجهادي لمجتمع يريدونه تكراراً لما يعتقدون أنه كان سائداً في بدايات الإسلام، جاء رداً على ما توهم الغرب أنه قادر على تحقيقه في الحوار والمفاوضات بعد أن عجز عن فرضه بالقوة، وهذه القرارات تأتي متناغمة مع فكر المدارس الدينية التي خرج منها هؤلاء، وتعبر عن أفكار فرضت نفسها على امتداد عشرات السنين من الشريعة الإسلامية المتجذرة في أصولية.*(1)”ديوباندي” والإسلام الجهادي المتشدد الذي تعود جذور مدرسة الفكر الإسلامي هذه إلى القرن التاسع عشر في “ديوباند” بالهند وهي حركة إحياء داخل الإسلام الحنفي السني، وتلتزم (2)”بالإسلاموية الأرثودوكسية” وتعتبر تطبيق الشريعة طريقا للخلاص، كما أنها تؤكد على إعادة إحياء التقاليد الإسلامية التي تعود الزمن النبي محمد وتدعو إلى الجهاد العالمي وتعتبره واجبا دينيا مقدسا، وهذا المنهج المنتشر في شبه القارة الهندية واكتسب مكانة بارزة لدى الباشتون الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من قادة وعناصر طالبان .

رهان العاجزين عن فهم طبيعة هذه المجتمعات والإصرار على فرض نموذج سياسي مسقط عليها انطلاقاً من تصور مبني على عنجهية القوة والإحساس بالتفوق العرقي والتقني ساهم بشكل كبير في تهيئة الظروف المناسبة لإعطاء طالبان المساحة المناسبة لتحقي انتصارها العسكري ثم لفرض نموذج حكمها على الأرض، والأصوات التي تحاول الاعتراض أو التعبير عن الرفض لهذه القرارات لا أثر لها في الواقع، بينما تواصل حركة طالبان تطبيق رؤيتها وسط صمت داخلي وخارجي في اعتراف مضمون بالعجز عن قراءة الواقع الأفغاني وفي كيفية التعامل معه بعيدا عن أساليب أصبحت تكرر فشلها في قراءة العالم الغربي للمتغيرات في هذه الدول.

العجز وغياب الحلول:

انتقال الجهد الدولي من الحوار مع طالبان لإجبارها على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والذي فشل بامتياز، دفع إلى استعمال بعض الأطراف المعارضة وخاصة النسائية الأفغانية للحديث عن الانتهاكات المسلطة على حقوق المرأة، يؤكد أن العجز عن تغيير آليات التفكير والتعامل مع هذه الموجة المتمددة من الفكر الأصولي المتطرف والتي تسعى لفرض رؤية بالعنف على مجتمعات فشلت محاولات ربطها بالدورة الإنسانية الحضارية ستقود إلى فشل متجدد للرؤية الغربية المتعالية للشعوب التي تعتبرها دون مستواها.

ويمكن رصد تصاعد المخاطر فيما تقوم به طالبان من سعي لفرض قراءة سلفية تاريخية جامدة لمجتمع تعتبر أنه كان مثالاً لما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية السائرة على منهج النبوة والتي تجتمع فيها الأساطير بالروايات الموهمة بالهروب من الواقع إلى الخيال ورفض الانخراط في بوابات التدافع الحضاري والإنساني المتجدد.

ما تقوم به حركة طالبان على الأرض في أفغانستان يشكل دفعاً كبيراً لهذا الفكر خاصة، جيل الجماعات الإسلامية وأولها الإخوان المسلمين.

تتناغم مع هذه المقولات والتي تعتبر أن هذا الحراك سيكون ضمن دورة تاريخية جديدة تمهد لإقامة دولة الخلافة السادسة التي يعتبرون أنها قادمة لتحقق العدل وتنصر الإسلام على أعداءه من الكفار.

دعم الجماعات الجهادية:

الدعم الذي تلقته الجماعات الإسلامية بعد انتصار طالبان، وسيرها في تطبيق رؤيتها للشريعة والتي تتناغم في كثير من التقاطعات مع رؤية الجماعات الجهادية، ويشكل دافعاً كبيراً لها معنوياً وتنظيمياً في المرحلة القادمة، بأن التزامها الفكري والعقائدي لا يهتز وأن الجماعات التي حاولت الدخول عبر منظومات السياسة للوصول إلى الحكم وفرض إقامة دولة إسلامية تطبق شرع الله فشلت والحل في الجهاد لإقامة شرع الله.

الجماعات التي عاشت عشريتين عجاف في مواجهة التحالف الدولي ضد الإرهاب ستجد مساحة من الفراغ، ستشكل بوابة لإعادة استقطاب ما يمكن تسميته بالعناصر التي غرر بها بالبحث عن سبل السياسة لإقامة دولة الخلافة والتخلي عن فكر الجهاد، وموقف جماعة الإخوان المسلمين رغم مباركتها لانتصار طالبان يعبر عن انتهازية مفضوحة لا وزن لها في بناء المشروع الجهادي الهادف لبناء أسس دولة الخلافة السادسة.

ضعف موقف الإخوان الذين دخلوا غمار السياسية في السنوات العشر، وانخرطوا فيه وهزموا وتفككت منظوماتهم التنظيمية والفكرية الهشة سيسهل إفلات عناصرهم المحبطة والمشردة بعد انكسار مشروعهم في المنطقة للهروب باتجاه الجماعات السلفية الجهادية مما سيفتح الباب في المرحلة القادمة أمام أجيال جديدة من الجهاديين المنكسرين والأكثر عنفا ودموية.

الصمت الأوروبي:

السير باتجاه تطبيق الشريعة بحسب رؤية طالبان لها لن يثير غضب أو تحرك المجتمع الدولي مهما كان شكل هذا التطبيق قسراً وعنفاً، وكل ما يعني هذه القوى في القادم إغلاق ملف فشلها هناك والبحث عن تبريرات عجزها في فرض رؤيتها الأحادية للديمقراطية بالمنظور الغربي بآلياته ومنهجيته دون البحث أو السعي لفهم طبيعة وواقع هذه المجتمعات المبنية على أسس عرقية ودينية وثقافية مختلفة في القراءة والفهم لواقعها عن النموذج الغربي الموحد لفرض الديمقراطية بكل الوسائل دون الاهتمام بنتائج ذلك على الأرض.

المعارضة الأفغانية المقيمة في دول أوروبا ستكون ورقة ضغط سياسي اعتادت الدول الديمقراطية استعمالها في عمليات المساومة السياسية مع الدول التي تعتبرها غير ديمقراطية، لكن المفارقة اليوم أن طالبان ومنظومة حكمها بعد انتصارها لا تهتم لهذا الأسلوب الذي تعودت هذه الدول على ممارسته، فمن موقع القوة ستسير لتطبيق الشريعة الإسلامية التي تعتبرها (3)مساواة الجميع أمام القانون تطبيق الشريعة لا يناقش.

مستقبل غامض:

كيف ستمارس طالبان سياستها الداخلية، وما هي آليات حكمها وتفاعلها مع محيطها الإقليمي والواقع الدولي، وأين وكيف ستسير في علاقاتها مع الجماعات الجهادية، وخاصة تنظيم القاعدة شريك الجهاد مقاربة تحتاج لكثير من الوقت لتحديد توجهاتها في بلد يعتبر فيه الفقر المدقع أمر غير مثير للقلق في منطقة تعيش جل شعوبها على الكفاف وهذا الواقع سيكون أما بوابة للتخفيف من حدة التشدد لضمان وصول الغذاء والدواء بحد ادني للمنطقة أو للتشدد باعتبار أن الأزمات تقود دائما نحو مزيد من الانغلاق.

معادلة صعبة بين السير نحو تحقيق حلم إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة بحذافيرها منطلقة من نصر تحقق على القوى العسكرية الأكبر في العالم وبين محاولة الابتعاد عن الصدام المباشر مع العالم والسعي لإجبار المجتمع الدولي على القبول بالأمر الواقع والتعامل مع نظام حكم تتنافى رؤيته مع شرعة حقوق الإنسان الدولية ومع كل المعاهدات والاتفاقات التي يعتبرها مخالفة للشريعة الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى