انعكاسات ايجابية: ماذا تجني مصر من انعقاد منتدى شباب العالم؟

يعتبر الشباب بمثابة قوة الدولة ومستقبلها، فإذا استطعنا أن نتعامل معهم بفعالية وبرؤية توازن أهدافهم وتحقق طموحاتهم، فإننا سوف نحولهم إلى طاقة لبناء مستقبل أفضل، خاصة إذا كان ذلك يتلاقى مع أجندة دولية تهدف إلى تدعيم دور الشباب وهى أجندة 2030 للتنمية المستدامة، فهي خارطة طريق دولية للمستقبل لا يمكن أن تتحقق بدون أن يكون للشباب دور فاعل وحقيقي ومؤثر في قيادة الأمور والتعامل مع التحديات الماثلة في المجتمع.

وفى مصر، يمثل الشباب حوالى 60 % من التعداد السكانى، حيث يمثل السكان في الفئة العمرية (15-29)، وهى فئة الشباب، 26.8% من إجمالي السكان- أي يبلغ عددهم نحو 25.4 مليون نسمة وتعول عليهم الدولة فى خطط التنمية الحديثة. ومنذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم بمصر في 2014 وضع على رأس أولوياته الشباب وتقلدهم المناصب القيادية والتنفيذية، وتجلى ذلك في اتخاذ الدولة المصرية عدة خطوات نحو إفساح المجال للشباب على كافة الأصعدة .ومن هذا المنطلق، يتطرق ويستعرض هذا التحليل أبرز الجهود المصرية لتمكين الشباب والاهتمام بآرائهم وأحلامهم، كذلك ما يتضمنه منتدى شباب العالم فى نسخته الرابعة من محاور هامة تواكب الواقع الذى نعيشه، هذا بالإضافة إلى أهم المكاسب السياسية والثقافية والاقتصادية المتوقعة من إطلاق المنتدى.

 جهود متواصلة لتمكين لشباب:  

عمل الرئيس عبد الفتاح السيسى على مدار السبع أعوام السابقة على إبراز دور الشباب وتمكينهم، والاستعانة بهم وتأهيلهم لتولى القيادة.ومن أهم الجهود المبذولة فى هذا الصدد ما يلى:

(*) إنشاء الأكاديمية الوطنية للتدريب وبرامج التأهيل: أصدر الرئيس القرار الجمهوري رقم 434 لسنة 2017 بإنشاء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب، والتي تهدف إلى تحقيق متطلبات التنمية البشرية للكوادر الشبابية بكافة قطاعات الدولة والارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم. والتى بشأنها قامت بإطلاق دورات البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب حتى يتولوا مناصب قيادية فى الدولة، والذى يتم انتقاء مجموعة منهم للعمل فى مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء والوزارات والمحافظات.
(*) مؤتمرات الشباب الوطنية: ومنها المؤتمر الوطني الأول للشباب (شرم الشيخ عام 2016 )، كما عقد المؤتمر الدوري الثانى للشباب بمدينة أسوان فى يناير 2017، كذلك مؤتمرات الشباب بالإسماعيلية والإسكندرية. يضاف إلى ذلك انعقاد المؤتمر الدوري الخامس للشباب، بمدينة القاهرة في مايو 2018، كذلك المؤتمر الوطني السادس للشباب من جامعة القاهرة، في يوليو 2018، والمؤتمر الوطنى السابع للشباب (العاصمة الإدارية الجديدة يوليو 2019 )، وأخيرا المؤتمر الوطني الثامن للشباب (مركز المنارة بالقاهرة الجديدة سبتمبر 2019).

(*) الاهتمام بالشباب الإفريقي: جاءت فكرة “ملتقى الشباب العربي والأفريقي” ليكون منصة حوار للشباب من كلتا المنطقتين يتبادلون فيها خبراتهم ورؤاهم نحو مستقبل أوطانهم، كما ساهمت فعاليات الملتقى بمختلف أنواعها من جلسات نقاشية وورش عمل وموائد مستديرة في مد مزيد من جسور التواصل بين القادة الشباب الواعدين وبين صُنَّاع القرار والسياسيين والخبراء في المجالات المختلفة لصياغة رؤية شبابية تسعى نحو مستقبل أفضل بالمنطقتين العربية والأفريقية. يضاف إلى ذلك ملتقى الشباب العربي الأفريقي ( أسوان مارس 2019 )، كما استضافت مدينتا أسوان والأقصر أعمال منتدى الشباب العربي الإفريقي العاشر، والذي عقد في الفترة من 21 إلى 26 ديسمبر 2019. كما تم إطلاق البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب الإفريقي للقيادة تزامنا مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي.

(*) مناصب قيادية: أصدر الدكتور الوزير مصطفى مدبولى عندما كان وزير الإسكان، أول قرار بين الوزارات رقم (93) لسنة 2015 بتعيين 4 معاونين له من الشباب، ثم توالت العديد من الوزارات في تعيين معاونين للوزراء.ضمنت حركة المحافظين 2019 أكبر تمثيل فعلى للشباب، ضمت 39 قيادة جديدة ما بين محافظ ونائبا للمحافظ، من بينهم 60% من الشباب، حيث ضمت اختيار 16 محافظا، و23 نائبا، وجاء عدد الشباب 25 قيادة، منها اثنين من المحافظين، و23 نائبا للمحافظين جميعهم من فئة الشباب.

النسخة الرابعة من المنتدى:

سبق وأن انطلق المنتدى عبر ثلاثة نسخ في الأعوام الماضية 2017 و2018 و2019. ويهدف المنتدى إلى جمع شباب العالم من أجل تعزيز الحوار ومناقشة قضايا التنمية، وإرسال رسالة سلام وازدهار من مصر إلى دول العالم. وقد اعتمدت لجنة التنمية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة النسخ الثلاث السابقة من منتدى شباب العالم في مصر، كمنصة دولية لمناقشة قضايا الشباب.

وبعد توقف دام عامين 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا، تنطلق فعاليات النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم خلال الفترة من 10 إلى 13 يناير 2022 وسط إجراءات احترازية مشددة.  وتضم الأجندة الخاصة بالمنتدى عدة موضوعات هامة تواكب الواقع الفعلي الذي يعيشه العالم، خاصة فى ظل انتشار جائحة كورونا وما فرضته من قيود صحية واجتماعية واقتصادية أثرت على حياة الملايين بدول العالم أجمع، كما تنطلق جميع الموضوعات من المحاور الثلاث الأساسية للمنتدى، وهي “السلام والإبداع والتنمية” ومن أهم تلك الموضوعات المطروحة فى المنتدى: مراجعة الأهداف الأممية للتنمية المستدامة 2030، ومستقبل القارة الأفريقية، ومستقبل التكنولوجيا المالية للأسواق الناشئة، والتحول الرقمي، والتعليم، ومنظور شباب الجيل لعالم ما بعد الجائحة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على قضايا هامة تشمل مواجهة مشكلة نقص المياه وأهمية الترشيد فى استخدامها، كذلك التحديات البيئية والتغيرات المناخية، كما تطرح أجندة المنتدى قضايا متنوعة أخرى السياسات تتضمن جلسات نقاشية حول مستقبل الطاقة، واستدامة الأمن المائي، والسلم والأمن العالمي، وإعادة إعمار مناطق ما بعد الصراع، وكذلك يركز المنتدى على إعلاء القيم الإنسانية من خلال مناقشة صناعة الفن والإبداع، وبناء عالم آمن وشامل للمرأة.

وفي ضوء اهتمام منتدى شباب العالم منذ انطلاقه بتنظيم نماذج المحاكاة، يعُقد هذا العام نموذج محاكاة الأمم المتحدة لمجلس حقوق الإنسان. كما تستمر الفعاليات التي بدأها المنتدى في السنوات السابقة من خلال مسرح شباب العالم، وفريدومFreedom.e، ومنصة الإبداعInspire.D، وساحة ريادة الأعمالStart Vein.  وبالإضافة لذلك، يطلق المنتدى عدة فعاليات مميزة جديدة يتم تقديمها للمرة الأولى هذا العام. كما جاءت ورشة بعنوان “منظور الجيل Z لعالم ما بعد الجائحة” لتناول مفاهيم وسمات الجيل “Z” وأهمية دمجهم فى المجتمع مع باقى الفئات العمرية، ويستخدم مصطلح الجيل “Z” من قبل العديد من الباحثين لوصف مواليد منتصف عقد التسعينات إلى نهاية عقد الألفية الثانية كنقطة بدء الجيلحيث تسلط الورشة الضوء على علاقة الجيل “Z” بالتنمية المستدامة ودورهم الحيوى فى تحقيق رؤية مصر 2030.

المكاسب المحتملة:

تتعدد أوجه استفادة مصر من تنظيم منتدى شباب العالم،  والتى تتمثل أهمها فيما يلى:

(&) المكاسب السياسية: تنظيم مثل هذا المنتدى العالمي، بما يتطلب من قدرات تنظيمية، وتأمينية عالية، يبعث برسالة لكل من يهمه الأمر، بل للعالم أجمع بأن مصر استعادت عافيتها، وقوتها، وأمنها، بما يعزز مكانة مصر ودورها القيادي في مصاف الدول ذات التأثير الدولي؛ إذ نال منتدى شباب العالم العديد من الإشادات الدولية، منها إشادة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في دورته الحادية والأربعين بالتجربة المصرية لتمكين الشباب سياسيًا واقتصاديًا، وذلك خلال مناقشة التقرير الوطني لحقوق الإنسان. وكذلك تم اعتماد المنتدى في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في الدورة التاسعة والخمسين كإسهام مصري عالمي يفتح مجال الحوار بين الشباب حول العالم، بالإضافة إلى اعتماد منتدى شباب العالم بنسخه الثلاث السابقة من قبل الأمم المتحدة كمنصة دولية لمناقشة قضايا الشباب. وفى ظل أوضاع سياسية وأمنية مستقرة فى مصر مواكبا لذلك إعلان مصر إنهاء حالة الطوارئ، جاء ذلك ليشجع نحو كثر من 500 ألف شاب وشابة من 196 دولة من مختلف القارات في أفريقيا، أوروبا، آسيا، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بالتسجيل على الموقع الرسمي للمنتدى، مما يعكس حالة الثقة الدولية فى الوضع السياسى والأمنى فى مصر.

كما يعتبر المنتدى بمثابة بناء خريطة عالمية من شركاء مصرفي مناقشة هموم وقضايا  شباب العالم خلاصة فى ظل انتشار جائحة كورونا وما نتج عنها من آثار، هؤلاء الشباب الذين جاءوا لمصر وقدروا ما تطرحه من قضايا الإنسانية، التي تعكسها محاور المؤتمر وفعالياته، يتحولون إلى سفراء باقتناع لمصر في العالم، يتحدثون عنها من واقع خبرة مباشرة، وهو مكسب سياسي يفوق كل تحرك دبلوماسي موجه، يمكن أن نسعى إليه، هو دبلوماسية شعبية حقيقية.

وعلى الصعيد السياسي أيضا، كان هناك اهتمام بشباب الأحزاب السياسية بداية من مشاركتهم في جميع الفعاليات السياسية و نهاية بدعم تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين مما أثار حماس الشباب، وهنا أيضا تحول الشباب تدريجيا من مطالب بحقوق وحريات إلى ساعى للشراكة في بناء الدولة المصرية بإطلاق المبادرات وعرض المشروعات والأفكار على القيادة السياسية والحكومة المصرية.

(&) مكاسب ثقافية: يبرز المنتدى تعزيز ثقافة الحوار والمناقشة بين شباب العالم حول القضايا الهامة، حيث بات منتدى شباب العالم منصة حوار شبابية عالمية، فهو مفتوح لجميع الشباب من جميع الدول الذين يؤمنون بقدرتهم على إحداث التغييرات ولديهم حلم وإرادة وتصميم لإحداث تغيير حقيقي. كما يقدم منتدى شباب العالم، مجموعة متنوعة من الجلسات والنقاشات والفعاليات وورش العمل؛ مما يسمح للشباب بتحقيق أقصى مستوى من الخبرة أثناء مشاركتهم، إذ يمكن لأي منهم حضور منتدى شباب العالم كحضور أو كمتحدث أو مشارك حقق إنجازًا في مجال ما، أو مشاركًا في ورشة عمل… إلخ. كما يعتبر مسرح شباب العالم، مكسب ثقافي، وفكرة مبدعة، انفردت بها مصر، فباتت مقصدًا ووجهة يسعى إليها مبدعو العالم.

(&) مكاسب اقتصادية: يأتي المنتدى ليؤكد قدرة مصر على تنظيم المؤتمرات الدولية في ظل جائحة كورونا. حيث شهدت مصر انعقاد العديد من المؤتمرات الدولية التى يهيمن عليها الطابع الاقتصادى، منها مؤتمر قمة رؤساء دول تجمع “الكوميسا” والذي انعقد يوم 23 نوفمبر2021، يليه مؤتمر الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والذي استضافته مصر في الفترة من 13 – 17 ديسمبر 2021، ويتبعه منتدى شباب العالم في يناير 2022، ثم الدورة الـ 27 لقمة الأمم المتحدة لتغيير المناخ في أواخر عام 2022. وكل تلك اللقاءات نتج عنها العديد من المزايا الاقتصادية لمصر ووضعها على خريطة الاهتمام الاقتصادي الدولي والإقليمي. هذا بالإضافة إلى أن منتدى الشباب يعتبر فرصة كبيرة لاستعادة التوجه السياحى إلى مصر، فهو بمثابة حملة ترويج سياحى عالمية من خلال تسليط الضوء على مصر على مدار أسبوع كامل، ورؤية الشباب وهم على أرض السلام وفى مدينة السلام يتناقشون ويتطارحون أفكارهم ومبادراتهم، ما سيكون له كبير الأثر فى الترويج الإيجابي لمصر عالمياً.

كما أن المنتدى بما يشمله من حضور للقادة من مختلف دول العالم، ومن شباب من كافة الجنسيات، يعد نوعاً من الطمأنة لهذه الدول لبدء استثماراتها فى مصر مرة أخرى، فالعالم كله يتابع ويرى فعاليات المنتدى، وهذا بدوره يسهم فى توضيح حقيقة الوضع الآمن والمناسب للسياحة والاستثمار بمصر. خاصة فى ظل إعداد هيئة تنشيط السياحة خطة مسبقة للاستفادة من هذا المنتدى العالمى، منها تنظيم برامج فنية وثقافية وسياحية لشباب المنتدى، وبث تلك البرامج على مواقع التواصل الاجتماعى ليراها العالم ويتعرف على مصر الجديدة بشكل مبهر ومختلف عما سبق، ومن هنا نتوقع زيادة معدلات الإشغالات بالفنادق.

فضلا عن مضاعفة  حركة الطيران لمصر، و مكاسب تعود على أسهم قطاع السياحة في البورصة المصرية حيث  تبث هذه المؤتمرات المستثمرين في البورصة حالة تفاؤلية، كذلك مضاعفة فرص جذب النقد الأجنبى لمصر. وتشير التقديرات الى أن مصر قد حققت مردودا اقتصاديا واستثمارات أجنبية نتيجة إقامة منتدى الشباب مع دول العالم بلغ نحو 500 مليار جنيه ما بين اتفاقيات ومشروعات صغيرة في مصر لفتح أسواق للشباب المصري عن طريق الاستثمارات الأجنبية بالداخل منذ عام 2017 ( تاريخ بدء انطلاق المنتدى حتى الآن ).

وتأسيساً على ما سبق، يمكن القول بأن الشباب المصرى يعيش أفضل مراحل الاهتمام به والتمكين الحقيقى لهم، خاصة وأن الرئيس عبد الفتاح السيسى هو أول رئيس مصرى يدشن جسراً ومنصة للتواصل بشكل دورى مع الشباب المصرى والأفريقي وشباب دول العالم، لمعرفة مقترحاتهم حول تطوير الدولة المصرية، ومناقشة القضايا العالمية. كما استطاع الشباب المصرى أن يثبت جدارته وقدرته على التحاور والمشاركة وتقديم ما لديه من رؤى ثاقبة ومقترحات قابلة للتطبيق على أرض الواقع. ومما لا شك فيه أن المنتدى سيكون له مردود اقتصادى وسياحى قوى خلال الفترة المقبلة، كما يقدم  لمصر مكاسب عديدة على مستويات متنوعة سواء الأمنية والسياسية والثقافية. وسيظل «منتدى شباب العالم»، من رحم نسخته الأولى ولدت أفكار عدة في ملفات عالمية، منها الكثير الذي تحقق في النسخة الثانية والثالثة، وها نحن ننتظر ما يعلنه المنتدى فى نسخته الرابعة من توصيات هامة قابلة للتطبيق تعمل لصالح مصر وشبابها.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى