هل تبقى “النهضة” في تونس؟

د.أعلية علاني- مؤرخ وباحث جامعي بالجامعة التونسية

تُعتبر حركة النهضة التونسية الفصيل الأقوى في تيار الإسلام السياسي. فهي تنظيم إخواني نشأ في تونس سنة 1970 تحت اسم “الجماعة الإسلامية”  ثم أصبح يُسمّى “حركة الاتجاه الإسلامي” سنة 1981 ثم “حركة النهضة ” في 1989. وصعد إلى الحكم من 2011 إلى 2021. فكيف كان أداء هذا الحزب خلال هذه الفترة؟ وكيف سيكون موقعه بعد حراك 25 جويلية/ يوليو 2021؟ وما هو مستقبله السياسي في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية؟

 أداء محل جدل:

لم يسبق لحركة النهضة، أنْ كانت لها مشاركة سياسية، في هياكل الدولة (حكومة أو برلمان) قبل 2011.

لذلك، فبعد انتفاضة “الربيع العربي” وجدتْ الحركة نفسها فجأة – وخاصة بعد انتخابات 2011- أمام استحقاقات الحكم، مطلوب منها تشكيل حكومة لإدارة البلاد باعتبارها الفائز الأول في الانتخابات، بنسبة 37 بالمائة و89 مقعد برلماني من أصل 2017 ،(انظر مقال بموقع منت كارلو الدولية ، الانتخابات السابقة في تونس منذ ثورة 2011، بتاريخ 04/05 / 2018. يجدر الإشارة إلى  أن الناخبين التونسيين صوتوا بكثافة لحركة النهضة لثلاثة أسباب: السبب الأول. لأنها حركة مضطهدة وفقا لرؤية البعض، ولم تمارس النشاط السياسي والقانوني، في عهدي الرئيسين الأسبقين بورقيبة وبن علي، مما ترتب عليه تعاطف بعض الناخبين معها تلقائيا. والسبب الثاني. أن حركة النهضة التي بقيت 41 سنة في المعارضة غير المعترف بها (1970-2011)، كانت تنادي بشعارات تندد بالفساد وغلاء الأسعار، وأخْلقَة الحياة السياسية لكسب أصوات الناخبين، فأراد الناخبون اختبار، مدى تحقيق هذه الشعارات، على يد النهضة بعد الانتخابات. والسبب الثالث. أراد الناخبين وخاصة النخبة،  التأكد من مدى إمكانية وقدرة نظام حكم إسلاموي، من أن يكون نظاما سياسيا ودينيا فاعل، في نفس الوقت؟، ومدى إختلافه  عن الأنظمة السياسية السائدة (الليبرالية والاشتراكية) ؟

بعد تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 2011 برئاسة حزب حركة النهضة، اتضح أن هذا الحزب، لم يكن يملك لا برنامجا للحكم (اقتصادي واجتماعي بالخصوص)، ولا رؤية سياسية لمرحلة الانتقال الديمقراطي، بل شعارات تُرددها الأحزاب في حملاتها الانتخابية. ومن بين الشعارات أو المطالب التي رفَعَتْها حركة النهضة، في حملتها الانتخابية سنة 2011 ، تشغيل 400 ألف عاطل عن العمل، على مدى 5 سنوات، والنتيجة التي تحققت ارتفاع نسبة البطالة عما كانت عليه قبل 2011.

نتيجة لذلك؛ فهم الناخبون أن حزب النهضة، الذي أُتيحت له فرصة الحكم لأول مرة، بنسبة كبيرة من الأصوات، لم يكن قادرا على تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، الذي قامت الانتفاضة من أجله، وحاول سد الفراغ والفجوة في برنامجه، بالتركيز على مسألة الهوية العربية الإسلامية، والاصطفاف في المحور القطري التركي. ولن ينسى الناخب التونسي، أن أصبحت تونس زمن حكم الإسلاميين، منطقة تسفير لآلاف التونسيين للقتال في سوريا، في صفوف القاعدة وداعش، و بلغت العمليات الإرهابية أكثر من 70 عملية بين 2011- 2021.  ما دفع الناخبين إلى معاقبة النهضة، بالصندوق في الانتخابات التالية، إذ حصلت الحركة في انتخابات 2014 على 960 ألف صوت، حيث خسرت ثلث خزانها الانتخابي، ثم ارتفعت هذه الخسارة إلى ثلثي خزانها الانتخابي في انتخابات 2019 الأخيرة، فحصلت على اكثر من 500 ألف صوت بقليل، اتضح بعد ذلك أن هذه الأصوات الأخيرة، لم تأت ضمن انتخابات شفافة، حيث قررت محكمة المحاسبات في تونس، أن بعض الأحزاب ومنها حركة النهضة، استعملت التمويل الأجنبي في حملتها الانتخابية، ما استوجب إسقاط قائمتها حسب القانون الانتخابي، بموجب حكم قضائي باتّ.

لقد كان أداء حركة النهضة في البرلمان، المنبثق عن انتخابات 2019 مثيرا للجدل. واعْتُبر الأداء السيء للغنوشي بالمؤسسة التشريعية، أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع حراك 25 جويلية/ يوليو 2021.

تداعيات وانعكاسات حراك 25 يوليو:

 الحصيلة الأمنية لفترة حكم حركة النهضة وحلفائها، ثلاث اغتيالات سياسية وأكثر من سبعين عملية إرهابية، وآلاف من الشباب تمّ إرسالهم للقتال في سوريا، في صفوف القاعدة وداعش، بعضهم عاد إلى البلاد مُتخفّيا بتواطؤ من بعض الأجهزة، والبعض الآخر عاد بجوازات سفر مزورة، وهناك قضايا مرفوعة الآن في حق مَنْ سلّمها وانتفع بها، بالإضافة إلى إغراق البلاد بجمعيات خيرية ودعوية، وكأنّ انتفاضة 2011 ، جاءت لأسلمة الدولة والمجتمع على الطريقة الإخوانية، في حين أنّ المجتمع التونسي مسلم، ومُوحَّد المذهب منذ قرون، وقوانينُه تنص على احترام الأقلية العرقية والدينية. نتيجة لذلك تم حلّ وتجميد الكثير من هذه الجمعيات بعد 2015 ، بعضُها لا يزال محل تحقيق قضائي إلي حينه (ديسمبر 2021).

 إضافة لما سبق؛ الحصيلة الاقتصادية، فهي أسوأ بكثير إقتربت البلاد من الإفلاس.  قارَبَتْ نسبة البطالة على العشرين بالمائة، وارتفعت الأسعار، وزادت نسبة التضخم بشكل مثير للانتباه، وتجاوز الدَّيْن العام 116 بالمائة (انظر اندبندنت عربية 1 جوان/ يونيو 2021)، ويبلغ هذا الدَّيْن 44 مليار دولار سنة 2021 ، حسب الخبير الاقتصادي التونسي عزالدين سعيدان (المصدر السابق). وازدادت الطبقة الوسطى تفقيرا، وهي التي كانت داعما رئيسيا لانتفاضة 2011. وأصبح الاقتصاد الموازي يحتل 45 بالمائة من مجموع الأنشطة الاقتصادية (انظر النهار العربي 14 جانفي/ يناير 2021).

وبخصوص الحصيلة السياسية، نجد غيابا لافتا للعديد من الهيئات الدستورية، من أبرزها المحكمة الدستورية، التي كان من المفروض إنشاؤها حسب الدستور سنة 2015، لكنْ لحسابات سياسوية ضيقة، امتنعت حركة النهضة وحزب نداء تونس، في تلك الفترة عن إنشائها. بالإضافة إلى عدم الاستقرار الحكومي (8 حكومات في 10 سنوات)، والمواجهة المفتوحة بين رئيس البرلمان راشد الغنوشي، ورئيس الدولة قيس سعيد. واندلاع نزاع داخل السلطة القضائية، بعد إدانة قُضاة كبار، منهم مَنْ وقع اتّهامه، بالتستّر على الجهاز السرّي لحركة النهضة.

وَصَفَ عدد من الباحثين هذه الحصيلة بالكارثية، واعتبروا أنّ حدوث حراك يوم 25 جويلية/ يوليو 2021، كان أمرا محتوما، وعللوا ذلك بأن أركان الدولة كانت مهددة. واعتبروا أن اتخاذ الإجراءات الاستثنائية المعلن عنها كان ضروريا، لتفادي سقوط الدولة، معللين رأيهم بأن الذي حدث في 2011 ،هو سقوط النظام، نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في حين أنّ ما حدث في 25 يوليو2021  كان لحماية الدولة، التي أصبحت مهددة بالسقوط. لكن هؤلاء الباحثين يؤكدون على ضرورة تسقيف هذه الفترة الاستثنائية (وضْع سقف زمني لها)، تنتهي بإصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية كبرى، تُتَوَّج بانتخابات عامة، بعد سنّ قانون انتخابي جديد، وقانون جديد للجمعيات، وقانون للأحزاب يمنع إنْشاءَها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.

السيناريو المحتمل:

نشير إلى أنّ ابرز القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، في هذه الفترة الاستثنائية، تجميد نشاط البرلمان والعمل بالمراسيم الرئاسية، عوضا للقوانين الصادرة عن البرلمان، وحلّ حكومة ما قبل 25 يوليو 2021 (حكومة هشام المشيشي)، التي اعْتُبرت قريبة من حركة النهضة، وعَيّن  في 11 أكتوبر 2021 حكومة جديدة، تحت إشرافه المباشر، تترأّسُها لأول مرة في تونس وفي العالم العربي امرأة، وهي السيدة نجلاء بودن، التي تدَرّجت في عديد المسؤوليات بالدولة التونسية. وقد وعد الرئيس سعيد بإعداد حزمة من الإصلاحات، ستُعْرض على استفتاء عام، كما عبّر الرئيس سعيد عن اعتزامه إعداد مشروع قانون جديد، للمجلس الأعلى للقضاء، باعتبار أن المجلس الحالي حسب بعض المحللين مُوال لحركة النهضة، (انظر تصريح سامي بن سلامة العضو السابق في الهيئة العليا للانتخابات في موقع راديو شمس أف أم/ بتاريخ 7/ 12/2021)،  فكيف تفاعلت حركة النهضة مع هذه الإجراءات؟

رفضت حركة النهضة الإجراءات التي أعلنها الرئيس، واعتبرتْها انقلابا على الدستور، في حين أحجمت كل الدول الأجنبية، عن نَعْت ما حصل في تونس بالانقلاب، واكتفوا بالتأكيد على ضرورة تسقيف المرحلة الاستثنائية، والعودة إلى المسار الديمقراطي الطبيعي، ببرلمان وانتخابات جديدة. ويكمن رفض حركة النهضة لهذه الإجراءات في أنها، إذا ما طُبّقت فلن تحظى النهضة بمرتبة متقدمة في الانتخابات القادمة، ولأن تطبيق الإجراءات الجديدة، ربما يفتح ملفات مسكوت عنها منسوبة إليها، سواء تستوجب تحقيقات في الجانب الأمني أو المالي. وهذه المحاسبة سينجرّ عنها ثلاثة أشياء: أولا، صدور أحكام قضائية ضد قيادييها، وثانيا، إقالة أو إبعاد الكثير من الموظفين السامين في الدولة المحسوبين عليها، والذي تمّ تعيين العديد منهم بمنطق الولاء، لا  بمنطق الكفاءة، سواء كانوا مديرين عامين بالإدارات المركزية والجهوية أو من السفراء والقناصل، وقد تمّت هذه الإقالات في كل الوزارات تقريبا وخاصة في وزارات السيادة كالداخلية و العدل.وثالثا، لأنها ستخسر موقعها في السلطة التنفيذية (أي في الحكومة وهياكلها المركزية) لمدة طويلة.

لقد فوجئ الإسلاميون يوم 25 يوليو بحجم الغضب الشعبي، الذي وصل إلى حدّ الهجوم على مقرات حركة النهضة، ومحاولة إحراق البعض منها. وقد صرّح بعض قياديي الحركة، أنه يجب استخلاص العبرة من هذا الغضب الشعبي ضدهم، وعلت أصوات المحاسبة من داخل التنظيم، بمحاسبة قيادة الحركة، وطلبوا من الغنوشي التخلي عن رئاسة الحركة. والملاحظ أن حراك 25 يوليو كان له تداعيات أبرزها: انقسمام الحركة إلى ثلاثة أقسام: قسم غادر التنظيم نهائيا فيما عُرف بمجموعة الـ 131 ، ومن بينها سمير ديلو وعبد اللطيف المكي ويعتزم إنشاء حزب جديد، وقسم ينتظر وبادر مؤخرا بتجميد نشاطه داخل الهياكل المركزية، والجهوية نجد من بينهم قياديين من الصف الأول رافقوا الغنوشي، منذ تأسيس التنظيم مثل صالح بن عبدالله والعربي القاسمي إلخ، وقسم يتمسك بالبقاء في التنظيم وإدارة شؤونه إلى غاية عقد المؤتمر القادم للحركة، الذي تأجّل عدة مرات وعلى رأسه الغنوشي والعريض (حول هذه الانشقاقات انظر، الشرق الأوسط  25 سبتمبر/ أيلول 2021، واليوم السابع، 14 أكتوبر 2021).

فشل الرمز (الزعيم) أم فشل النموذج:

بالنسبة للحالة التونسية، يمكن القول أنه فشل الإسلام السياسي مزدوج للرمز وللنموذج معا، بالنسبة لفشل الرمز؛ فالغنوشي قضّى أربعين سنة في المعارضة، وعشْر سنوات في الحكم، وكانت النتيجة أنه أصبح مطاردا من أنصاره، قبل خصومه السياسيين، والأسباب متعددة: سُوء إدارة الحركة، احتكار سلطة القرار، وهناك من اتهمه من الداخل بعدم الشفافية، في المسائل المالية داخل الحركة. وفي الحقيقة لم يكن الغنوشي وحده محل اتهام، السيناريو نفسه يتكرر في دول آخري، مع رموز التنظيم الإخواني في مصر (مجموعة إبراهيم منير ومجموعة محمود حسين)، ورموز الإسلام السياسي في المغرب (انسحاب سعد الدين العثماني، من رئاسة حزب العدالة والتنمية، بعد خسارته المدوية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، في سبتمبر/ أيلول 2021 ) والقائمة مرشحة لصراعات أخرى داخل حركات الإسلام السياسي، في العالم العربي.

أما الحديث عن فشل النموذج؛ نجد أن فترة حكم حركة النهضة المنقضى، أطول فترة حكم فيما عُرف بانتفاضة الربيع العربي، إذْ تقلد هذا الحزب كل الوظائف السامية في الدولة، (رئاسة الحكومة ووزارات الداخلية والخارجية والعدل والمالية إلخ) وكانت الحصيلة سلبية، فهذا التنظيم لا يمتلك برنامجا ولا رؤية ولا إستراتيجية للحكم. وهنا نتساءل: هل السبب ظرفي، (عدم التمكن من المشاركة السياسية سابقا)، أم هيكلي (يتعلق بتصور محدد حول طبيعة الدولة، وحول مفاهيم المدنية والمواطنة والحداثة)؟. وفي الحقيقة فإن أدبيات تيار الإسلام السياسي، في مثل هذه القضايا قليلة العمق، وأحيانا متناقضة. وبالتالي لم نجد إلى الآن تجربة ناجحة، لحكم التيار في العالم العربي.

إن معضلة تيار الإسلام السياسي، أنه بنى منظومته في الحكم منذ البداية، على فكر الصحوة الإسلاميةK التي أسسها فكر القرضاوي، والتي تعتبر أن الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية، هي الهدف الذي يجب الوصول إليه، وأن الدولة الوطنية والهوية الوطنية مسألة ثانوية، وهي مجرد جسر للعبور إلى الخلافة، أو الدولة الإسلامية الكبرى، وقد كثر الحديث بعد 2011 ، لدى هذا التيار عن مشروع العثمانية الجديدة.

عليه؛ مستقبل تيار الإسلام السياسي في تونس والعالم العربي، يكتنفه الغموض. فهو يعيش حاليا حالة مخاض عسيرة، بدليل أن شقا من إخوان مصر، يطالبون مؤخرا بفتح حوار مع السلطة، واستعدادهم لتقديم العديد من التنازلات، أما في تونس فإن قيادات سابقة بالحركة، مثل لطفي زيتون (كان وزيرا في حكومة الفخفاخ في 2020)، يعترض على مصطلح “الإسلام الديمقراطي”، الذي يحاول الغنوشي تسويقه، بدلا عن الإسلام السياسي، معتبرا أن الجمع بين قضايا الدين وقضايا الحكم، في منظومة واحدة، عودة مُقَنَّعة لمنظومة حكم الإسلام السياسي. ويعيش هذا التيار حاليا ثلاث أزمات: الأولى. محلية تتمثل في صعوبة إقناع الرأي العام بخياراته، في أي انتخابات قادمة، نتيجة الحصيلة السلبية التي أدت بخروجه من الحكم. الثانية. أزمة إقليمية باعتبار أن التنظيم الدولي للإخوان، لم يعد قادرا على فرض الانضباط، داخل وكلائه وفروعه في الخارج، وقد تزامن ذلك مع تغيير جذري لسياسة أردوغان، تجاه حركات الإسلام السياسي. الثالثة. أزمة دولية فقد تَغيَّرَ موقف إدارة الرئيس الأمريكي بايدن، مقارنة لما كان عليه زمن الرئيس أوباما، وكذلك أوروبا تجاه جماعات الإسلام السياسي، بل أن توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، اعتبر أن الإسلام السياسي، لا يقل خطورة عن التيارات التكفيرية والجهادية بل جزء منها. بالتالي لم يحدث منذ تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين، أن تظافرت هذه العوامل الثلاث المحلية والإقليمية والدولية،  لمناهضة تيار الإسلام السياسي، ومحاصرة نشاطه في العال العربي والإسلامي، وفي أوروبا وأمريكا.

لذلك؛ المشكل القائم  لدى إخوان تونس، أنهم مازالوا يعتقدون أن الرمز أي الزعيم قد سقط، وأن النموذج لم يسقط، (ما عدا مجموعة صغيرة جدا، تعتقد عكس ذلك، مثل لطفي زيتون الذي يعتقد أن استبدال مصطلح الإسلام السياسي، بالإسلام الديمقراطي لا معنى له ). وبالتالي فإن أغلبية المنشقين والمجمَّدين من حركة النهضة، يطالبون برحيل الزعيم الغنوشي، لكنهم لم يُشككوا في صحة النموذج، وقد صرح مؤخرا عبد اللطيف المكي الوزير السابق، وأحد القياديين المنشقيين عن حركة النهضة، أنّ الحزب الجديد، الذي يريدون إنشاءه حزب محافظ، له مرجعية إسلامية. ونشير هنا أن الأسس الإيديولوجية، التي قام عليها تيار الإسلام السياسي في تونس، لم تتغير إلي الآن، وأن تَغَيُر الأسماء لا يعني تَغَيُّر المضامين، وفي هذا الإطار لا بد من إصدار قانون جديد للأحزاب كما أسلفْنا، يمنع قيامها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي،

وختاما؛ نقول أن تيار الإسلام السياسي في تونس والعالم العربي لم يعد ضحية سياسية مضطهدة، كما كان يُسوّق لنفسه في السابق، فها هو قَدْ حكم ثلاثة عقود في السودان، وأكثر من عقد في المغرب، وعقد كامل في تونس، وكان شريكا في السلطة لعدة سنوات في ليبيا، وسنة في مصر واليمن إلخ، ولم يترك حصيلة إيجابية، فالدول التي حكمها إما على باب الإفلاس، أو على باب التفكك لهياكلها وأجهزتها، كما أن هذا التيار أصبح مطاردا في البلدان الغربية، وبالتالي سيدخل تيار الإسلام السياسي في مراجعات طويلة، قد تستغرق عقدا أو اثنين، ربما تؤدي به يوما ما، لتغيير جذري لمقولاته السياسية وخاصة لأرضيته الإيديولوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى