حسابات معقدة: حدود القصف المتبادل بين “أمريكا” و”إيران” في سوريا

ثلاث قذائف صاروخية سقطت في الخامس من يناير الجاري على أكبر قاعدة عسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في سوريا “حقل العمر النفطي”، وتُتهم طهران بشن هذه القذائف عبر الميليشيات الموالية لها في سوريا، إحياءاً لذكرى اغتيال الجنرال الإيراني “سليماني” ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي “أبو المهدي المهندس” قبل عامين في ضربة أمريكية قرب مطار بغداد.

ولا تجد واشنطن رغبة كبيرة للتواجد في سوريا، حيث تزداد التعقيدات في الأخيرة وتشتد حدة الهجوم على القواعد الأمريكية في سوريا، الأمر الذي يرمي للسؤال حول مدى اقتراب موعد انسحاب الولايات المتحدة من الأراضي السورية.

تأسيسًا على ما سبق، يسعى التحليل لتوضيح مسارات السياسة الخارجية الأمريكية في سوريا .. ومستقبل التطورات الأخيرة بين القوى الدولية في تلك الدولة، في ظل غض الطرف الدولي، وما وصلت إليه حالة الهوية السورية.

المشهد وتطوراته:

  

تزايد القصف المتبادل بين الولايات المتحدة والميليشيات الموالية لإيران على الأراضي السورية، بالتزامن مع مباحثات الاتفاق النووي، وكانت طائرات مسيرة تابعة للتحالف الدولي قد قصفت عدة مواقع تتخذها الميليشيات الموالية لطهران حصنًا لها، في بادية دير الزور الشرقي، وتزامنًا مع تحليق لطيران حربي تابع للتحالف الدولي في أجواء المنطقة مع بداية العام الحالي.

وكان التطور الأخير والأخطر، هو سقوط  قذائف صاروخية ثلاث قامت الميليشيات التابعة لإيران بإطلاقها لاستهداف حقل العمر النفطي بريف “دير الزور” الشرقي.

موقف البنتاغون:

أكد “جو كيربي” المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون)، أن الهجمات التي يتم شنها في سوريا والعراق على قواعد وقوات الولايات المتحدة تخرج عن ميليشيا مدعومة من إيران، وأن واشنطن تحتفظ بالحق في الرد، حتى أنها قامت بالترتيبات لمنع مثل هذه الهجمات، كما أعلن التحالف الدولي لمواجهة “داعش” عن استعداده للدفاع عن نفسه وعن قوات الشركاء ضد التهديدات الأخيرة.

وقد رد التحالف بإطلاق ست قذائف مدفعية موجهة لنقطة انطلاق الهجوم خارج “منطقة الميادين”، كما أعلن التحالف أن الميليشيات المدعومة من طهران أطلقت القذائف الصاروخية بعد يومين من إحياء إيران وحلفائها الذكرى السنوية الثانية لاغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، وأن الصواريخ تم إطلاقها على التحالف من داخل البنية التحتية دون وضع سلامة المدنيين في اعتبارهم بأي شكل من الأشكال، إضافًة لكون هذه الأفعال الخاطئة تشتت التحالف عن حربه مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

سيناريو وحسابات معقدة:

تكاد فرصة الانسحاب الأمريكي من الأراضي السورية تكون معدومة في ظل عدة تحديات، يمكن ذكر نقاط منها على سبيل المثال لا الحصر:

(*) الحفاظ على الرضا السياسي بالانتخابات الأمريكية: يرغب الديمقراطيون في تحجيم السخط الداخلي تجاه الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، الذي أدى لتراجع القيادة الأمريكية للعالم وسعي في جني مكاسب في الملف السوري، تساعد على تجاوز تداعيات هذا الانسحاب، إضافًة للرغبة في حماية تل أبيب من هجمات طهران، خاصًة مع اقتراب الانتخابات النصفية بالكونغرس الأمريكي، والتي ستحدد الحزب الذي سوف يهيمن خلال النصف الثاني من ولاية الرئيس “بايدن” على مجلسي النواب والشيوخ.

(*) ضرورة التواجد في سوريا ومحاربة تنظيم الدولة “داعش”: تهدف إدارة بايدن للبقاء في سوريا للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، الذي عادت خلاياه تنشط في بغداد ودمشق، بعد عملية مطار كابول التي نفذها “داعش خراسان” فرع التنظيم المحلي في أفغانستان، وفي هذا السياق،لا ترغب واشنطن في التخلي عن الأكراد كما تخلت عن الأفغان، نظرًا لأن تخليها عن “قسد” يحمل في طياته تخليًا بالتالي عن الأوروبيين، الذين يخشون عودة قياديي”داعش” حيث تعتقلهم”قوات سوريا الديمقراطية”.

(*) تنامي النفوذ الإيراني في سوريا: حيث سعت طهران منذ بداية الأزمة السورية إلى إنقاذ الرئيس السوري “بشار الأسد”، لأن بقائه يمثل لبنة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية لإنشاء “الهلال الشيعي” لربط إيران بالمتوسط بضم العراق وسوريا ولبنان، كما تهدف إيران لإقامة منشآت عسكرية ومراكز قيادة وسيطرة، إضافًة إلى خلايا استخبارات  لها، ومرافق لوجستية في دمشق والمطارات السورية، الأمر الذي يهدد تل أبيب بلا شك لاقتراب طهران من حدودها، ويثير قلق الولايات المتحدة.

(*) التمدد التركي: تُعد تركيا أحد القوى المؤثرة في الاستقرار والأمن الإقليمي بالشرق الأوسط، وعلى غرار أنها حليفة لواشنطن في الناتو، إلا أن الولايات المتحدة تخشى الانسحاب، لتجنب أي موجات لجوء جديدة مُحتملة، إذا ما قررت تركيا اتخاذ أية تدابير حيال ما سيحدثه الانسحاب الأمريكي في الشمال السوري من فراغ وفرصة للسيطرة على الشمال السوري، وأنقرة تتلهف لعملية “تتريك” منطقة الشمال السوري، فتقوم بذلك عن طريق المناهج الدراسية أو إجبار سكانها على التعامل بالليرة التركية من ناحية وأخرى، ولا تتخلى تركيا أيضًا عن هدف تقييد الأكراد، فلطالما سعت أنقرة التي هددت مرارًا وتكرارًا بعملية عسكرية جديدة ضد “قسد pyd” حليفة الولايات المتحدة، بعد ثلاث عمليات سابقة، لتكبيل الجناح العسكري لحزب الإتحاد الديمقراطي، أي “وحدات حماية الشعب الكردي YPG”، التي تصنفها تركيا ضمن مصادر الإرهاب مساواة بـ”حزب العمال الكردستاني PKK”.

(*) التواجد العسكري الروسي:  لا يمكن اعتبار موسكو ضيفا عابرًا على الشرق الأوسط، كما أنه من الخطأ تجاهل مصالحها، وتسعى روسيا باستمرار لإضفاء الشرعية للرئيس السوري “بشار الأسد”، مما يتطلب تدفق المساعدات الإنسانية للسوريين عبر دمشق، أو دعم تنامي العلاقات السورية مع الدول العربية من ناحية وأخري، على ضوء هذه السيطرة الروسية بالملف السوري، أصبحت موسكو ذات نفوذ قوي في سوريا، مكنها من تحقيق نجاحات سياسية متعددة، زادت من إحكام القبضة الروسية في تسويات الملف السوري.

تأسيسًا على ما سبق، يبدو أن سياسة الولايات المتحدة والتي تعني مزيد من الانقسام بالدولة السورية مستمرة، وبين تدخل أمريكي وروسي وتركي وإيراني، واحتلال إسرائيلي للجولان، مجرد السعي إلى دعم إنساني للسوريين، لا يمكن أن يحل هذه الانقسامات المتفاقمة بين الحكومة وخصومها، ولا يوفر حلًا سياسيًا سلميًا.

وفي النهاية يمكن القول إجمالًا أن هذه السياسة تتيح الفرصة لعِقدٍ آخر من التدخل الأجنبي وتبعية الأطراف السورية لقوى خارجية، وفرض المزيد من السيطرة التي تهدف لها العديد من الدول، لاسيما أنقرة أو طهران، لزيادة هيمنتها بشكل أكبر، أو حتى الحفاظ على الوضع الحالي، ومزيد من التهديدات المحملة بإلغاء الهوية العربية السورية، وإعادة رسم الخرائط، واستمرار حالة غض الطرف الدولي بشكل عام، أو الأمريكي بشكل خاص.

محمد صابر

باحث مساعد بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس العلوم السياسية، متخصص في شئون سوريا والشرق الأوسط، وله العديد من الدراسات منشورة بالمراكز الفكرية، والمجلات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى