سيناريوهات ما بعد تأجيل الانتخابات الليبية

باسل ترجمان-خبير تونسي مشارك بالمركز.

تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ليبيا لم يكن مفاجئاُ بل ربما كانت المفاجئة ستكون كبيرة لو جرت الانتخابات في موعدها المقرر يوم 24 ديسمبر، فطوال الأشهر الماضية كانت كل المؤشرات تظهر أن إجراءها غير ممكن بسبب العجز عن تحقيق تقدم فيما يخص الشروط التي يمكن أن تضمن ليس فقط إجراءها بل ضمان احترام كل الأطراف التي تتحكم في الميدان بقوة السلاح لنتائجها والالتزام بها.

تأسيسا على ما سبق يحاول هذا التحليل الإجابة عن السؤال التي يطرحه أغلب الخبراء والمتخصصين، هو: ما هي سيناريوهات الوضع الداخلي في ليبيا بعد تأجيل الانتخابات؟، وما هي حدود التغير المحتمل في مواقف الأطراف الدولية من عملية التأجيل؟.

مشهد متكرر:

منذ نهاية اجتماعات برلين التي وضعت خارطة طريق واختيار السيد عبد الحميد الدبيبه رئيساً للحكومة في تكرار مستنسخ لما أنجز في مؤتمر الصخيرات في المغرب 2016 الذي أنتج تعيين فايز السراج رئيساً للحكومة وتكليفها بالإعداد لانتخابات خلال سنة من تعيينها وبقائها لخمس سنوات دون انجاز ذلك، بات واضحاً أن الموقف الدولي مازال بعيداً عن تقييم موضوعي لحقيقة الوضع الليبي، وأن هناك إصرار غير مبرر على تطبيق وصفة تعتبر بالنسبة للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي المنقذ الوحيد من كل أزمات ليبيا والفوضى التي تعيشها، إجراء انتخابات في موعدها واختيار مجلس للنواب يكون أداة التشريع ومحاسبة الحكومات وضمان استمرار سيادة الدولة.

الإصرار الأمريكي الأوروبي على إجراء الانتخابات للمرة الثالثة في ليبيا أبرز أن هناك رؤية وحيدة غير قابلة للنقاش حيث ترفض هذه القوى الحديث خارجها، رغم يقينها بأن هذه التجربة محاطة بالفشل قبل، أثناء وبعد إنجازها إن تمت، والعجز عن فهم واقع وثقافة وطبيعة العمل السياسي والمجتمعي فيه بات ظاهراً بقوة في سياق غياب التحليل المعمق للواقع ومحاولات فهم دور وأثر القبيلة والمنطقة وتوازنات المجتمع في صياغة المشهد السياسي.

بعد حوارات شهدتها عديد من عواصم ومدن دول الجوار وأوروبا لتحديد مواعيد تنفيذ خارطة الطريق لإنجاز الانتخابات في موعدها- تلاشى كل ذلك وعادت الأمور لنقطة الصفر مع الوصول لموعد 24 ديسمبر الذي كان مقرراً كموعد لها بسبب الفشل في تطبيق كل التفاهمات السياسية والعسكرية التي كانت لو طبقت ستمهد الطريق لإجرائها.

رؤية الأطرف الليبية للتأجيل:

فهمت الأطراف الليبية المتناحرة في الشرق والغرب والدول الراعية للحوار منذ فترة أن الانتخابات لن تتم في موعدها والظروف الإقليمية لا تسمح بأجرائها وذهبت مجتمعة لسياسة بيع الوهم بالحديث عن الاستعدادات التقنية والتحضيرات لإنجازها وكان العملية الانتخابية تنحصر في القضايا التنظيمية وإعداد الصناديق ومراكز الانتخاب، ورغم ما لهذه العملية من اعتبارات فنية فقد تعرضت مقرات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات لاعتداءات والتي اعترفت بعجزها عن تنظيم الانتخابات في موعدها وفتحت باب التأجيل لشهر سيكون بوابة تمر منها أشهر التأجيل واحد تلو الأخر.

إن سيناريوهات ما بعد التأجيل والحديث عن إمكانية إجراء الانتخابات بعد شهر وتسابق بعض الأطراف للدعوة لتشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على انجازها دون ترشح أي من أعضائها للانتخابات الرئاسية والتشريعية تعكس أن البحث يجري عن حلول لترقيع المشهد وليس عن قرارات تتخذ لضمان نجاح إجراءها واحترام نتائجها وهذا يعكس أن التوجه الدولي في هذه المرحلة لا يهدف لمعالجة أسس الأزمة بل يهدف لمحاولة إيجاد نموذج يلبي مطالب الدول الغربية والولايات المتحدة بشكل أولي يساهم في تخفيف الضغط والإحراج الدولي جراء مسؤوليتها في صناعة الأزمة وعجزها عن إيجاد حلول لها.

تأثيرات التأجيل المحتملة:

الحديث عن تأجيل الانتخابات لشهر أو لستة أشهر يعيد الأمور إلى نقطة الصفر مجدداً مع تغيير في التحالفات بين أعداء الأمس ومن جمعتهم المصالح لمواجهة رئيس الحكومة القادم من أخر المشهد والمتربع على هرم السلطة في تحالف مفتوح مع قوى الإسلام السياسي في الغرب الليبي ومرتزقتها وضامني بقائها من قوى إقليمية وفي مقدمتها تركيا صاحبة الحضور العسكري في غرب ليبيا والداعمة لهذه القوى بأكثر من عشرة ألاف مرتزق من جنسيات سورية وعراقية وغيرها، كل ذلك يوحي بأن حرارة المواقف الدولية والتهديدات بفرض عقوبات على من عطل أو سيعطل إجراء الانتخابات بعد شهر في الرابع والعشرين من يناير القادم ستتناقص مع العجز عن جمع موقف دولي صريح تجاه فرض تطبيق اتفاقات برلين وباريس وتفاهمات اللجنة العسكرية التي أقرت ضرورة سحب القوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة التابعين لها من ليبيا كخطوة أولى لتحقيق إجراء الانتخابات.

وعلى ما سبق، يمكن القول إن بعض الأطراف الدولية التي تراهن على استمرار الحال على ما هو عليه وأولهم بريطانيا التي أعلنت صراحة دعمها للحكومة الحالية وضرورة بقائها حتى إجراء الانتخابات، التي تعد-بريطانيا- المستفيد الأول من استمرار الفوضى وغياب سلطة مركزية في مناطق تسيطر عليها مليشيات جماعات الإسلام السياسي التي تربطهم بها علاقات عميقة سيشكل قاعدة انقسام في الموقف الدولي ويمنع السير نحو إقرار عقوبات دولية فاعلة ورادعة للأطراف التي تلاعبت بالقانون الانتخابي ومنحت رئيس الحكومة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية رغم وضوح النص المتفق عليه في اجتماعات برلين والذي منع رئيس وأعضاء الحكومة من الترشح في أي انتخابات قادمة أو للأطراف التي عرقلت بالقوة عمل مفوضية الانتخابات وساهمت بفرض تأجيل الانتخابات.

هل من مخرج محتمل؟:

في ظل الأوضاع المتأزمة في الداخل الليبي يصعب توقع إيجاد مخرج ممكن من الحال الذي وقفت عنده بعد فشل إجراء الانتخابات في موعدها، وهذا الحماس الأمريكي الأوروبي المهدد بالعقوبات غير المعلومة المعنى في حال لم تتم الانتخابات قبل نهاية شهر يناير القادم سيتلاشى بالتدريج وتترك ليبيا مرة أخرى لحال سبق وجربته في السنوات الخمس الماضية عندما أجلت كل الاستحقاقات التي تم التفاهم عليها في مؤتمر الصخيرات بداية سنة 2016 ولم يتحقق منها شيء سوى استمرار الحال على ما هو عليه وسط تقاسم دولي للثروة الليبية وسداد ما يكفي عيشة الكفاف للشعب ومستحقات المليشيات وأمراء الحرب فيها.

المخاطر التي يمكن أن ينجر عنها استمرار الحال على ما هو عليه في ليبيا لا يشكل بأي حال تهديداً للأمن في حوض المتوسط أو دول جنوب أوروبا، كما أن استمرار تدفق النفط الذي يتم بتفاهمات مع كل الأطراف الليبية لن يمس، وهذا سيفتح الباب لتجميد الأوضاع لمرحلة قادمة يمكن أن تعطي فرصاً للوصول إلى حل يتماشى ورؤية الأطراف الدولية.

إن الخاسر الأكبر في كل هذه المماطلة السياسية الشعب الليبي الذي يعيش سنة جديدة من السنوات العجاف التي ضربت ليبيا في غياب واضح للأمن والاستقرار وتردي الأوضاع الاقتصادية التي دفع ثمنها غالياً، كما أن انعكاسات استمرار الفوضى والفشل في وجود سلطة مركزية ينعكس سلباً على دول الجوار على المستوى الأمني أساساً والذي يتطلب منها رفع نفقات الأمن والدفاع تحسباً من خطر تمدد الجماعات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها جماعات الإسلام السياسي أو في المناطق التي لا توجد فيها سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط الأوضاع في الأراضي التي تسيطر عليها، كما أن حالة الفوضى التي تتمادى في غياب السعي لبناء دولة مركزية يزيد من مخاوف تكرار عمليات التهجير لدول الجوار جراء انفلات الأوضاع الأمنية مما يحملها مزيدا من الأعباء الاقتصادية.

أمام هذه المخاطر وغياب إمكانيات إجراء الانتخابات في المدى المنظور لا بعد شهر من 24 ديسمبر الماضي ولا في الستة أشهر القادمة لأن بعض القوى الدولية والإقليمية لا تشجع على الوصول لإنجاز هذا الاستحقاق في الفترة القادمة مما يجعل من المواقف الأمريكية والأوروبية غير ذات تأثير حقيقي في المشهد ويجعل من ضرورة البحث عن حلول ممكنة ومنطقية تنبع من واقع الحال الليبي وتبحث عن حل بعيد عن تدخل أطراف لها حسابات ومصالح على حساب الشعب الليبي.

تشجيع الحوار الذي بدا بين أعداء الأمس في الشرق والغرب وتوسيع دائرته ليشمل الأطراف التي كان عليها اعتراض كبير بعد 25 فبراير وفتح قنوات الحوار مع القوى المحافظة البعيدة عن الإخوان والجماعات الإرهابية والمليشيات التابعة لهم سيساهم في بدء تعزيز الثقة بين الليبيين ويسمح بوضع آليات قابلة للتحقيق عبر الحوار تنطلق بالتوافق على حل سياسي وتشكيل حكومة تضع في أول أهدافها تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الليبي وضمان وجود قوة أمنية وعسكرية تضمن أمن المواطنين، ووضع فترة زمنية معقولة لصياغة دستور توافقي جديد قبل الذهاب للانتخابات لكي تكون الانتخابات هي خاتمة المسار وليس بدايته بعد أن أثبتت التجارب الانتخابية السابقة أن إجراء الانتخابات لم يمكن لا من احترام نتائجها أو القبول بها بل زاد في حالة الصراع والفوضى التي عاشتها وتعيشها ليبيا منذ عشر سنوات.

في النهاية، يمكن القول إن من يراهن على استمرار الأوضاع في ليبيا ضمن تكرار لمشهد الفوضى المتمدد منذ عشر سنوات يفتح الباب لتحويل ليبيا إلى قضية منسية لأن المشاكل والتحديات والأزمات العالمية اكبر بكثير من هذه القضية التي يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى قضية منسية كواحدة من عشرات القضايا المنسية والتي عجز أبنائها ومعهم المجتمع الدولي عن إنجاح السير نحو حلول توافقية تنهي الأزمة وتعيد بناء الدولة بكل مكوناتها وضمان سيادتها على أرضها.

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى