هل تستمر إيران تمثل تهديداً في 2022؟

إن الهدف الاستراتيجي لإيران، يتجاوز البقاء السياسي، إذ إنها تريد التوسع إقليمياً بأكبر المكاسب في منطقة الشرق الأوسط وبسط نفوذها على الإقليم، هذا إلى جانب تعزيز البنية الأمنية للبلاد بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، وتسريع برنامجها النووي، وتسرع إيران من تصنيع أولى قنابلها الذرية، الأمر الذي سيجعل المنطقة كلها تبدو وكأنها على حافة حرب عالمية ثالثة.

 وعلى ما سبق، وفي ظل الرغبات الإيرانية الواضحة في سياستها باستمرار الانفعالات الصلبة في مواقفها تجاه الآخرين- نطرح هذا السؤال، وهو: هل تستمر إيران تمثل تهديداً في 2022؟، حيث أن إجابته هذا السؤال واستشراف رؤية إيران المستقبلية تمثل مفاتيح لتحديد ملامح التوجه الإيراني تجاه العالم خلال عام 2022.

محفزات باقية:

 من المؤكد أن أطرافاً عديدة سوف تنجر إليها من دول منطقة الشرق الأوسط، يُستنتج هذا بعد التصريح المًعلن من قبل المتحدثة باسم البيت الأبيض “جين ساكي” بأن الرئيس الأميركي “جو بايدن” طلب من فريق الأمن القومي، الاستعداد في حال فشل المفاوضات الدبلوماسية مع إيران بشأن ملفها النووي، الأمر الذي يطرح مجدداً إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، بما في ذلك التهديد الذي تشكله إيران عليها؛ تأتي تلك التصريحات بعد أيام من توقف محادثات إحياء الاتفاق النووي بين طهران والقوى العالمية في فيينا، كذلك في الوقت الذي عملت فيه طهران على تسريع تقدمها النووي مع عودة المفاوضات،  مما أثار قلق إسرائيل وخصومها الإقليميين الآخرين.

فقد انتهت الجولة السابعة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتي بدأت في 29 نوفمبر الماضي، والتي توصلت المفاوضات، في حصيلة أن المفاوضين الغربيين ناقشوا السياسات الجديدة للسلطات الإيرانية المتشددة مع ممثليها من الوفد الإيراني، كما تم التطرق إلى الملفات الحساسة مثل الالتزامات النووية ورفع العقوبات وتنفيذ الالتزامات والتحقق من تنفيذها، واعتبروا أن الجولة الثامنة ستكون مهمة وصعبة، على أمل أن يجتمعوا مرة أخرى قبل بداية العام الجديد للتنفيذ هذه الجولة الثامنة، وفي ظل كل التصريحات التي تقودها الولايات المتحدة بشكل دبلوماسي واسع كمحاولة لإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بالحوار قبل اتخاذ سياسات بديلة، إلا أنها في ذات الوقت تتحدث عن بدائل للدبلوماسية في “نووي إيران” خاصةً بعد إصرار المفاوض الإيراني على إدراج “الرفع الكامل للعقوبات الجائرة وغير الإنسانية” المفروضة على إيران، كأولوية، وهو ما أثار إلى حد كبير غضب المفاوضين الأوروبيين والأميركيين هذه الطريقة في تعديل النص الذين هددوا مراراً وتكراراً من دون تنفيذ وعيدهم، بالانسحاب من المناقشات ولوحوا بالخيار العسكري الذي تريده إسرائيل بشدة.

ضربة إسرائيلية قادمة:

كل التأكيدات الإسرائيلية تؤول بأنها سوف تضرب المنشآت النووية الإيرانية لمنع إيران من تصنيع أولى قنابلها الذرية، فإن الحرب قد يندلع بين البلدين خلال الأسابيع القادمة، فقد أفاد موقع “واينت” بأن إسرائيل متشائمة للغاية بشأن نتائج المحادثات النووية بين طهران والقوى العالمية، وأن الأمور بالنسبة لإسرائيل تتجه أكثر لإمكانية ضرب إيران، وقال الموقع الإسرائيلي إن “الجيش الإسرائيلي يضاعف استعداداته لإمكانية تنفيذ ضربة ضد إيران، ويأتي هذا بشكل أساسي من خلال تدريبات لسلاح الجو الإسرائيلي ومن خلال جمع المعلومات”، كاشفاً أن “اللجنة الوزارية لشؤون التجهيز اجتمعت، وصادقت بمبادرة وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني غانتس” على شراء 12 مروحية عسكرية من طراز “سوبر يسعور” CH-53K وعلى شراء مخزون إضافي للقبة الحديدية، هذا بالإضافة إلى المخزون الذي صادقت عليه الولايات المتحدة قبل أشهر وبلغ مليار دولار”.

وهنا يوضح التقرير أنه “نفذت اتصالات جديدة لشراء قنابل وأسلحة دقيقة سرية لسلاح الجو الإسرائيلي بكميات كبير”، وهنا إشارة إلى أنه “بموجب الملف الرسمي الذي صنف سري للغاية تحت عنوان “الدائرة الثالثة”، فإن التكلفة الإجمالية لكل هذه المقتنيات بلغت خمسة مليارات شواكل (أكثر من مليار دولار)”، وركز التقرير على أن “الجيش الإسرائيلي لديه حيرة بكيفية تمرير فكرة الهجوم للجمهور خصوصاً مع حجم الأضرار الكبيرة المتوقعة، كما أن هناك مسئولين عسكريين ينظرون إلى سيناريو دخول حزب الله اللبناني إلى المعركة بعد الهجوم المتوقع، لكنهم لا يعرفون حجم قوة هجومهم”، مبيناً أن “هذا الأمر هو الذي دفع الجيش لشراء المزيد من الصواريخ الاعتراضية للقبة الحديدية”.

لذلك أكد مسئولون عسكريون في هيئة الأركان إن “إسرائيل تعلمت الدرس، وحتى لو نجحت الولايات المتحدة بالتوصل إلى اتفاق جيد فلن يتباطئوا استعدادا لهجوم عسكري”.

استعراض بصواريخ باليستية وكروز:

حذرت إيران، من رد “ساحق” على أي تحرك يستهدفها من جانب إسرائيل التي تعارض جهود القوى العالمية لإعادة العمل بالاتفاق النووي لعام 2015، وتهدد منذ فترة طويلة بعمل عسكري إذا فشلت الدبلوماسية في منع طهران من امتلاك قنبلة نووية.

وقد أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى تدريبات تضمنت إطلاق 5 صواريخ كروز وطائرات مسيرة محملة بالأسلحة تستطيع كل واحدة منها إصابة هدفين، في مناورات عسكرية بدأت تستمر 5 أيام، كما ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن الحرس الثوري أطلق صواريخ باليستية وصواريخ كروز، خلال مناورات حربية في الخليج، وسط تصاعد حدة التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل حول خطط إسرائيلية محتملة لاستهداف مواقع نووية في إيران.

وقال قائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي للتلفزيون إن “استخدام القوات البحرية التابعة للحرس الثوري صواريخ باليستية يمثل مفهوما جديدا. لقد أصابت أهدافها بدقة 100 بالمئة”، وتقول إيران إن صواريخها الباليستية يبلغ مداها 2000 كيلومتر وقادرة على الوصول إلى إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة.

مضاعفة ميزانية “الحرس الثوري” لعام 2022:

إن “الحرس الثوري” يعتبر القوة العسكرية الأساسية لإيران،حيث يستخدم “الحرس الثوري” مزيجًا من التكتيكات غير التقليدية، والحرب الهجينة، وهو ما أدى إلى توسيع نطاق نفوذ إيران، ليشمل شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأصبح نفوذه يمتد من العراق إلى اليمن.

لذلك ضاعفت الحكومة الإيرانية الميزانية المخصصة لـ”الحرس الثوري” في مشروع قانون الموازنة العامة للبلاد لعام 2022، وقال موقع “ديفنس نيوز” في تقرير له، في 16 من ديسمبر الجاري، إن مشروع قانون الموازنة الذي قدمه الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، يتضمن تخصيص نحو 930 تريليون ريال (ما يعادل 22 مليار دولار) لـ”الحرس الثوري” للعام المقبل، في حين بلغت مخصصاته في العام الحالي نحو 403 تريليونات ريال، كما رفع مشروع الموازنة الجديدة مخصصات القوات المسلحة الإيرانية إلى ما يزيد على 339 تريليون ريال (ما يعادل 7.9 مليار دولار)، مقارنة بـ213 تريليون ريال في العام الحالي، وستحصل وزارة الدفاع وفقًا لمشروع القانون على 955 تريليون ريال (22 مليار دولار أمريكي)، و7.7 تريليون ريال لقاعدة “خاتم الأنبياء” للدفاع الجوي.

إن هدف إيران من رفع الموازنة المخصصة لـ “الحرس الثوري”، تجديد الخبرات والمواد التي استنفدت بسبب الحروب بالوكالة، ولكي يستطيع الحفاظ على قدرته في مواجهة أي هجوم خارجي أو اضطراب داخلي ناتج عن المحادثات النووية، حيث يستخدم “الحرس الثوري الإيراني” يستخدم الحروب البديلة غير المباشرة من خلال اعتماده على الميليشيات، والطائرات المسيّرة، والحروب البحرية، والصواريخ غير التقليدية، وبما يوفر طريقة فعالة من حيث التكاليف تضمن القوة الرادعة التي تبحث عنها طهران، وستوفر هذه المخصصات المالية لطهران القدرة على الإنفاق على ميليشياتها في المنطقة، من أجل الاستمرار بالهجمات التي نفذتها كما حدث بالهجوم على منشأة (بقيق) في السعودية، والهجوم الذي استهدف ميناء (الفجيرة) الإماراتي.

لذلك فإن رفع الميزانية الدفاعية لإيران يعني المزيد من قدرات “الحرس الثوري” على استخدام الصواريخ الباليستية، وتطوير طائرات مسيّرة، بما يغيّر من معادلة القوة لمصلحتها.

سيناريوهات محتملة:

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول، إنه من المحتمل أن تحسم محادثات فيينا في الجولة الثامنة القادمة بين إيران والدول الغربية والمقرر استئناف جلساتها قبل نهاية العام، مستقبل هذا الإقليم -منطقة الشرق الأوسط-، فإذا توصلت الأطراف المتفاوضة إلى اتفاق فإن إيران التي ستتخلى على أحلامها النووية ستنتعش ميزانيتها بـ 6 مليارات دولار شهرياً بعد رفع العقوبات الأمريكية عليها، أما إذا فشلت المفاوضات فسوف نكون على موعد مع مواجهات دامية لا أحد يعرف كيف ستبدأ أو كيف ستنتهي؟ وذلك من خلال أحد السيناريوهات التالية:

(*) الخيار الأول: السيناريو الفوضوي: هو الخيار الذي تراهن عليه إسرائيل وتروج له إعلامياً على نطاق واسع، يراه البعض مجرد ورقة ضغط على إيران، بمعنى أن إسرائيل تدرك أنها ستتعرض لخطر وجودي حقيقي إذا شنت هذه الحرب، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو القيام بعمليات استخباراتية قد تدمر هذه المنشأة النووية الإيرانية أو تلك، أو اغتيال بعض العلماء الإيرانيين، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد هي القوة العسكرية الوحيدة في العالم التي تستطيع أن تدمر البرنامج النووي الإيراني، وإدارة “بايدن” تتعرض لضغوط مكثفة من صقور بالحزب الديمقراطي للإقدام على هذه الخطوة، إذا فشلت ما أسموه “دبلوماسية التخويف”في ردع إيران، لأنها في نظرهم تستطيع إنتاج أول أسلحتها النووية خلال فترة وجيزة، وهو أمر قد تتخذه إدارة “بايدن” بالفعل ليس فقط للقضاء على طموحات طهران النووية، ولكن أيضاً من جانب أخر لضرب الصين اقتصادياً بمنع إمدادات البترول الإيراني إليها، والتي تقدر بمليون برميل يومياً.

(*) الخيار الثاني:تنفيذ هجوم على إيران: هو خيار يتصور فيه أن إسرائيل سوف تضرب إيران، وستبدأ هذه الحرب بقصف جوى مكثف لإيران بطائرات إف 35 الأحدث والأقوى في العالم، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة التي تتحدث تقارير أنها مخزنة بالمئات في دولة جارة لإيران وترتبط مع إسرائيل بعلاقات عسكرية ومخابراتية واقتصادية وثيقة، إضافة إلى عمليات تخريب واسعة تقوم بها عناصر تابعة للموساد داخل إيران، أو ستنطلق من الحدود الإيرانية ــ الأذربيجانية، وفي المقابل سترد إيران بقصف إسرائيل بمئات إن لم يكن بآلاف الصواريخ البالستية ــ وقد نشرت طهران خريطة بهذه المواقع الإسرائيلية المستهدفة نشرتها وسائل إعلام عديدة ــ في نفس الوقت الذي ستغلق فيه مضيق هرمز لمنع وصول إمدادات البترول إلى أوروبا، غني عن الذكر بأن حزب الله سوف يشارك بالتأكيد بصواريخه في هذه الضربة، وربما ستضطر سوريا لمساندة إيران أيضاً سواء بشكل مباشر، أو السماح لميليشيات فيلق القدس الإيراني بشن هجمات صاروخية على إسرائيل.

أما دول الخليج التي تربطها الآن علاقات دافئة بإسرائيل، فقد لا تستطيع أن تتقى أي هجمات إيرانية إذا مالت كفة هذه الحرب لصالح إسرائيل، خاصة إذا تعرض النظام الإيراني لخطر التهديد وهو وضع قد يجر دول عديدة للتدخل حفاظاً على أمنها القومي المرتبط بالخليج، أو حفاظاً على إمدادات البترول عصب الاقتصاد العالمي سوف تكون على رأسها بالتأكيد أمريكا وأوروبا الغربية، هذا بالإضافة إلى أنه سيتغيب معظم الدول العربية عن التفاعل مع أطراف هذا النزاع بشكل يحافظ على مصالحها.

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى