إجراء مطلوب: هل باتت مصر في حاجة لإعلان استراتيجتها للقوة الناعمة؟

رباب محمد- باحثة في السياسات العامة.

عندما صك جوزيف ناي مصطلح القوة الناعمة في تسعينات القرن الماضي، كان يقصد بها بالأساس القدرة على إمتلاك النموذج الفكري والحضاري والتنموي القادر على التأثير في الأخرين، وكان الحديث في وقتها عن النموذج الليبرالي الرأسمالي، الذي تمثله الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المهيمنة على النظام الدولي، خاصة بعد سقوط النموذج الاشتراكي الماركسي، وجرى تجيش هذا المصطلح للتدليل على العناصر الجديدة في قوة الدولة الشاملة.

وإذا اعتبرنا أن الولايات المتحدة تمثل الدولة النموذج عالمياً، فإن مصر بثقلها الحضاري والتاريخي وبموقعها الاستراتيجي وبنموذجها التنموي الجديد الذي بات محل أنظار الكثير من دول العالم بعد عام 2014، خاصة فيما يتعلق بتجربة استعادة الاستقرار ومعالجة الفجوات المجتمعية وتطوير البنية التحتية الصلبة والرقمية تمثل نموذجا لما تحدث عنه جوزيف ناي على المستوى الإقليمي بشكل عام والعربي بشكل خاص.

هناك منافسة من دول عربية ومن دول في المنطقة للدور الحضاري المصري ، وهذا حق مشروع، في حال قامت المنافسة على أسس واضحة وعادلة، بينما ما نشاهده خلال الفترة الأخيرة من صدور بعض التقارير التي تضع مصر في مرتبة متأخرة دوليا وليس في موقع الصدارة عربياً، تثير الكثير من علامات الاستفهام حول هذه التقارير بشكل عام ومدى مصداقياتها، لكن في الوقت نفسه تطرح تساؤلاً مهما حول مدى القدرة المصرية على الاحتفاظ بتفوقها في مجال القوة الناعمة، باعتبارها من أهم عناصر القوة المصرية الشاملة.

وفق هذا الإطار يسلط هذا التحليل الضوء على هذا الموضوع الشائك، بغية تقديم مقترحات عملية قابلة للتطبيق، لمعالجة أي فجوات قد تكون موجودة في هذا الخصوص

علامة استفهام.. موقع مصر في مؤشرات القوة الناعمة:

جاءت مصر في المرتبة 34 عالمياً والرابع عربياً لعام 2021 في مؤشر القوة الناعمة العالمي، الذي يصدر من مؤسسة براند فايننس البريطانية المتخصصة في الأبحاث المتعلقة بالعلامات التجارية للدول والمؤسسات بالتعاون مع جامعه أكسفورد ،حيث جاءت الإمارات في المركز الأول عربياً ثم تلتها السعودية وقطر، فقد تقدمت مصر بذلك أربع مراكز عن العام الماضي 2020 والذي احتلت فيه المركز الـ 38.

ما المقصود بالقوة الناعمة:

لقد ظهر مصطلح القوة الناعمة في التسعينيات على يد جوزيف ناي، الذي عرف القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق الجاذبية وجعل الأخرين يريدون ما تريد، دون استخدام القوة أو التهديد العسكري، وقد قسم القوة الناعمة إلى ثلاث مجموعات معنوية: الثقافة والادب والفن والتعليم والإعلام، وقيم الدولة السياسية والتي تقاس بمدى ديمقراطية الدول وتطبيق الحكم الرشيد والحوكمة، وسياسة الدولة الخارجية وعلاقتها بالدول الأخرى.

على الرغم من صعوبة قياس القوة الناعمة، إلا أن مؤشر القوة الناعمة العالمي الذي يصدر من مؤسسة براند فايننس البريطانية المتخصصة في الأبحاث المتعلقة بالعلامات التجارية للدول والمؤسسات بالتعاون مع جامعه أكسفورد نجح في التغلب على ذلك، لان المؤشر يعتمد على استطلاع لرأي الخبراء والمواطنين على مستوى العالم.

القوة الناعمة المصرية بين المقومات والتحديات:

وفقا لقسيم جوزيف ناي للقوة الناعمة نجد أن مصر تملك العديد من مقومات القوة الناعمة فهي لديها تاريخ طويل من الحضارات المختلفة، تفوقت به على الكثير من الدول بداية من الحضارة المصرية القديمة مروراً بالإغريق والتراث القبطي والتاريخ الإسلامي، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي الذي جعلها تلعب دوراً ريادياً في المنطقة،بالإضافة إلى ما تملكه مصر من مقومات ثقافية وفنية وتعليمة، فهي أول من أرسلت البعثات التعليمية إلى كثير من الدول العربية والافريقية،وقدمت العديد من المنح التعليمية، هذا فضلا عن دور الكنيسة والازهر الشريف كأحد أدوات مصر الهامة في علاقاتها بالكثير من الدول، فضلا عن قوة مصر الناعمة من مثقفين وكتاب ومفكرين وفنانين ورياضين وغيرهم من الشخصيات المؤثرة في جميع المجالات، فمصر لديها مخزون مرتفع من التراث والثقافة والإبداع، إلا أنه على ما يبدو أن كل هذه المقومات وحدها لا تكفي، فالوصول لمستويات متقدمة في المؤشرات الدولية يحتاج ربما لخطوات أخرى، مؤسسيسة وتنظيمية على غرار ما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2017 عندما أسس الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات والذي يتبع مجلس الوزراء، وكان الهدف من تشكيل هذا المجلس هو وضع إستراتيجية عامة للقوة الناعمة والعمل على ترسيخ الصورة الإيجابية لدول الإمارات على مستوى العالم، وهو بالفعل ما نجح في تحقيق أهدافه، ففي عام 2021 أصبحت الإمارات رقم واحد في الشرق الأوسط وال17عالميا في مؤشر القوة الناعمة العالمي الذي تصدره مؤسسة براند فايننس البريطانية بالتعاون مع جامعة أكسفورد ، وقد تم ذلك من خلال استفتاء أكثر من77 ألف شخص في 105 دولة. فقد إتبع مجلس القوة الناعمة للأمارات إستراتيجية تقوم على 7 محاور أساسية وهي: الدبلوماسية الشعبية ، الدبلوماسية الإنسانية، دبلوماسية الشخصيات والتمثيل الدولي، الدبلوماسية الاقتصادية، الدبلوماسية الثقافية والإعلامية، الدبلوماسية العلمية والأكاديمية، الهوية الموحدة، وتهدف هذه الإستراتيجية إلي تحقيق أربع أهداف أساسية: تعزيز موقع الامارات كبوابة للمنطقة العربية، ترسيخ سمعه الإمارات كدولة حديثة منفتحة على كل شعوب العالم،  تطوير هوية موحدة للإمارات في جميع المجالات، تطوير شبكات دولية فاعلة مع الأفراد والمؤسسات حول العالم، وقد لعبت شركة مواني دبي وشركة طيران الإمارات وشركة بترول أبو ظبي أدنوك دور مهم في تنفيذ هذه الاستراتيجية.

معايير التقييم في مؤشر القوة الناعمة:

يتم التقييم وفقا لسبع معايير رئيسية هي العلاقات الدولية، الاقتصاد والتجارة، والتعليم والعلوم، الحوكمة، والإعلام والاتصال، والشعوب والقيم، مع عنصر جديد يضاف للمرة الأولى وهو مدى كفاءة الاستجابة لتداعيات كوفيد – 19، مع معايير فرعية أخرى مثل سهولة مزاولة الأعمال، واحترام الجمهور لجهود قيادة الدولة، والأمن والأمان، وتبنّي التكنولوجيا المتقدّمة، وتأثير الدولة الدبلوماسي، وقوة اقتصادها واستقرار.

لذا تأسيساً على ما تقدم، فإن الدولة المصرية في حاجة إلى إتباع استراتيجية تجعلها قادرة على اِستغلال قوتها الناعمة أفضل اِستغلال، فما قامت به الدولة على مدار العام الماضي من اِحتفالات ضخمةأبهرت العالم بما تملك من تاريخ امتزج بقدرات إبداعية لتنظيم هذه الاحتفالات، في ظل الأوضاع التي يمر بها العالم،فضلاً عن الاهتمام الذي توليه الدولة لمجال التعليم وتحسين صورة مصر في الخارج، وتحسين بيئة الاقتصاد والاستثمار. كل هذا دليل على وجود إرادة سياسية حقيقية للاستفادة من قوة مصر الناعمة، وهو ما يتطلب التحرك العاجل نحو أن تضع مصر إستراتيجية للقوة الناعمة ويكون هناك إطار مؤسسيس مسئول عن تطبيق معايير القوة الناعمة في مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى