الخطط البديلة: خيارات سحب الوجود العسكري التركي من ليبيا

    مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الليبية المقرر عقدها في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر الجاري، وفي ظل عدم وجود ضمانات قانونية أو دولية حقيقية وصارمة لإجرائها في موعدها، ومن بعدها احترام نتائجها، تجتهد أقلام الساسة والمحللين، وتنعقد القمم واللقاءات والمؤتمرات، وكان آخرها مؤتمر باريس في الشهر المنصرم، وتعاود التركيز وإعطاء الأولوية للأدوار الخارجية المنخرطة في الأزمة الليبية، والتي أدت إلى تفاقمها من الأساس، وعلى رأسها القوات التركية على وجه التحديد، وبالتالي تصدح الدعوات الدولية المطالبة بأن تكف أنقرة يدها عن الشأن الليبي، كما أن هناك من يلومها على الانحياز لأحد أطراف النزاع، وعدم الانفتاح على الجميع، مما ساهم في تأجيج الوضع أكثر.

    وبناءً على ذلك، يحاول هذا التحليل تقديم رؤية للمسارات المستقبلية للوجود التركي في ليبيا، وما إذا كانت ستضطر أنقرة لسحب قواتها من ليبيا أم لا مع بدء العد التنازلي لإجراء الانتخابات الليبية، وتوضيح ما إذا كانت هناك خطة بديلة عن التواجد العسكري من خلال دعمها لأحد المرشحين لتأمين نفوذها في ليبيا بعد الانتخابات.

الموقف التركي الرسمي

     هناك عدد من الأطراف التي تنتقد تدخل أنقرة في الأزمة الليبية، وتطالب بإخراج القوات التركية من ليبيا، واعتبرته شرطاً أساسياً لحلحلة الأزمة، وهو نفسه ما تضمنه مؤتمر باريس الأخير الشهر الماضي، الذي اعتبر خروج القوات الأجنبية من ليبيا حتميا للخروج من الأزمة، في إشارة وبالتحديد إلى القوات التركية الموجودة في ليبيا، ومن ثم إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد في الرابع والعشرين من الشهر الجاري. ولكن على الجانب الآخر ترفض أنقرة مرارا وتكرا الخروج من ليبيا، وردا على تلك المطالبات؛ بررت أنقرة استمرار وجودها في ليبيا بناءً على ما يلي:

  • أن أنقرة كانت آخر الأطراف المنخرطين في ليبيا، فهناك عدد من القوى الدولية والإقليمية التي سبقتها في ذلك، مما عمق الازمة أكثر فأكثر، هذا بالإضافة إلى أنها تري _ أنقرة _ أن تدخلها قد جاء في إطار قانوني وشرعي، وبناءا على طلب حكومة الوفاق الليبية السابقة في ذلك الوقت برئاسة فايز السراج والمعترف بها دوليا، في إشارة إلى مذكرتي التفاهم اللاتي وقعتا في نوفمبر ٢٠١٩ للتعاون الأمني والعسكري، وعليه ترفض أنقرة نعتها بالقوات ” الأجنبية ” أو ” الاحتلال ” في ليبيا. وفي هذا الخصوص؛ أشار وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إن تركيا وألمانيا تتفقان على ضرورة خروج جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا، لكن أنقرة لديها ” اتفاق ثنائي ” مع الحكومة الليبية بشأن تمركز قواتها هناك.
  • تنفي أنقرة وجود قوات تابعة لها بأعداد كبيرة في ليبيا، لأنه وبحسب الرواية التركية؛ فالموجود فقط مستشارين عسكريين يساعدون الحكومة الليبية في الشئون الأمنية والعسكرية من تدريب وتنسيق ومناورات وغيرها، لكن من دون الانخراط في أي مواجهات مباشرة ضد أي طرف، وبالتالي ترفض أنقرة مساواتها بأي دول أو أطراف أخرى تدخلت في الأزمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لدعم أطراف غير معترف بها قانونيا أو دوليا على حد قولها، ولا مساواتها بمجموعات المرتزقة في ليبيا. وبناءا على ذلك ترفض أنقرة حصر مطالبات إخراج القوات الموجودة في ليبيا في القوات التركية _ إن وجدت_ والروسية أحيانا، رغم أن القوات والأطراف المنخرطة في الشأن الليبي ما أكثرها، وبالتالي تعتبر أنقرة أن هذه المطالبات نابعة من أهداف ومواقف سياسية سابقة أكثر من كونها رؤية لحل الأزمة.
  • ترفض تركيا من الأصل أن تأتي مطالبات خروجها من ليبيا من قبل أطراف ثالثة غير الحكومة الليبية الرسمية ذات السيادة والصلاحية في هذا الشأن، لأنها لم تدخل بناءا على طلب أي من تلك الأطراف، وإنما بطلب من الحكومة الليبية، وبالتالي فهي المخولة بمطالبتها بالرحيل، ورغم صدور مواقف وتصريحات مشابهة في هذا الشأن من بعض الشخصيات البارزة في المشهد الليبي، إلا أنها لا تمثل الكل الليبي ولا الموقف الرسمي للحكومة الليبية، وذلك في إشارة إلى تصريحات وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، هذا بغض النظر عن التوضيحات التي أبدتها الوزيرة بعد ذلك وشكلت تراجعا ضمنيا عن تصريحاتها السابقة.
  • يرى الأتراك أن الحكومة الليبية الحالية برئاسة عبدالحميد الدبيبة غير مخولة بإلغاء أي اتفاق سابق عن تشكيلها، لأن اختصاصاتها مقتصرة فقط على إدارة وتسيير الفترة الانتقالية.

    إذا، فأنقرة لا ترى أنها مخطئة في تواجدها في ليبيا، أو دعمها لحكومة الوفاق السابقة أو حكومة الوحدة الحالية، لأنها وباختصار ترى أنها كانت جزءا من دعم الاستقرار في الشارع الليبي، لذا ترفض الدعوات المطالبة بخروجها من ليبيا، وقد يظل هذا الموقف على حاله، لأن الدور التركي في ليبيا يخدم مصالحها القومية، سواء من ناحية التنافس الإقليمي في المنطقة او ترسيم الحدود البحرية وتقاسم ثروات شرق المتوسط، لذا لا تملك أنقرة خيار خسارة ليبيا إطلاقا، خاصة أنها ليست الفاعل الوحيد أو الأقوى في ليبيا، وحتى وإن تم إخراج القوات الأجنبية جميعها من ليبيا بما فيها التركية _ وإن كان احتمال بعيد حاليا _ فمن المؤكد أن تركيا لن تترك مصالحها في ليبيا، لكن ربما تغير الوسيلة لذلك من خلال دعمها لمرشح بعينه في الانتخابات يؤمن بقائها حتى ولو بشكل آخر غير العسكري.

الرهان التركي على العملية الانتخابية

     يسود مصير الانتخابات الليبية شيء من الضبابية حول إمكانية إجرائها في الموعد المقرر واللجوء لتأجيلها أو إلغائها من الأساس، وذلك بالنظر إلى التخبط في تسيير العملية الانتخابية وإجراءاتها، والواضح من خلال مجموعة الطعون المقدمة من بعض المرشحين ضد الآخرين، وقبولها ثم إعادة النظر فيها مرة أخرى وصولا إلى رفضها، كما هو الحال بالنسبة للدبيبة وسيف الإسلام القذافي. أما عن حفتر؛ ورغم أنه يملك حق الطعن على قرار استبعاده لدى محكمة الاستئناف في بنغازي الواقعة تحت نفوذه لإبطال الحكم السابق، كما أن المجلس الأعلى للقضاء والمفوضية قد يلعبا دورا لكي يبقي حفتر ضمن المرشحين، لأن ما دون ذلك، ووفقا لكثير من الخبراء، قد يسبب ربكة سياسية قد تكون نتائجها غير محسوبة في هذا التوقيت الحرج.

      وبعد صدور القرار القضائي الليبي بالسماح لعبدالحميد الدبيبة بالترشح للانتخابات، قد يكون هو المرشح الأنسب بالنسبة لتركيا لكي تدعمه في الانتخابات، لأن أنقرة ترى أن فوز الدبيبة في انتخابات الحكومة الانتقالية أو فوزه في انتخابات الرئاسة القادمة، ما هو إلا تقليصاً لدور الشخصيات والأطراف الأخرى التي ترفض التواجد التركي في ليبيا مثل خليفة حفتر، لأن الواضح أن أهم ما يقلقل راحة أنقرة في ليبيا ليس فقط المطالبات والضغوط الخارجية لإخراجها، وإنما أيضا رفض قطاع لا يستهان به في الداخل الليبي، كما أن حكومة الدبيبة لا تحمل أي توجهات مناهضة لتركيا، وهو ما يتضح من غياب أي تصريحات معادية لأنقرة، وبالتالي قد يكون هناك ارتياح تركي لعبد الحميد الدبيبة بالمقارنة بالمرشحين بالآخرين، كما أنه على ما يبدو أن علاقة الدبيبة بأنقرة جيدة إلى حد ما بأنقرة، وهو ما يتضح من خلال عدة مؤشرات، أهمها ما يلي:

  • يعتبر عبد الحميد الدبيبة من أهم رجال الأعمال الذين تجمعهم مصالح مع أنقرة منذ عهد القذافي، فالمجموعات التجارية والمالية التابعة له في مصراته لها فروع عديدة في تركيا. وفي هذا الصدد؛ فقد منحت شركات الدبيبة والتي تنشط في مجال البناء في غرب ليبيا ما يقارب ١٩ مليار دولار من عقود البناء الليبية لشركات تركية. وفقا لصحيفة ذا انفستجيتف البريطانية.
  1. رحبت تركيا بإعلان فوز قائمته لرئاسة الحكومة، فقد كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول رئيس يبادر بالاتصال بالفائز بإدارة الحكومة الانتقالية، في مشهد يعكس ارتياح تركي للحكومة الجديدة، واعتبرتها فرصة لدعم حكومة الدبيبة، وبالتالي تمتين نفوذها في ليبيا بعد حكومة السراج. وفي أول تصريح للدبيبة بعد انتخابه رئيسا للحكومة، قال إنه ” سيكون هناك اتفاق بين تركيا وليبيا “، وكان أول لقاء صحفي له بعد انتخابه مع وكالة الأناضول التركية، وأكد من خلالها على أهمية الدور التركي في ليبيا، كما أعرب عن تقديره لاستقبال تركيا لليبيين أثناء الحرب، وفتحها لمطاراتها، وعدم غلق سفارتها في طرابلس. كما أشار ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي إلى أن الحكومة الليبية الجديدة برئاسة الدبيبة لا تعارض الاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق السابقة في نوفمبر ٢٠١٩، ولا الوجود التركي في ليبيا بحد ذاته.

     أخيرا؛ يمكن القول إنه ووفقا للتصريحات الرسمية التي تخرج من تركيا لا تتحدث أبدا عن الخروج من ليبيا وإنما مشروعية تواجدها، إلا إذا كان ذلك بطلب من حكومة عامة في ليبيا بعد الانتخابات، أي أنه ليس قبل ذلك، أو الخروج المشروط كما عبر عنه أردوغان في تصريحاته في فبراير الماضي، والذي يفيد بأن أنقرة مستعدة لسحب قواتها من ليبيا ” بشرط ” سحب الدول الأخرى لقواتها أولا، وعليه فإن خروج القوات الأجنبية بما فيها التركية من ليبيا لن يتم إلا بإرادة شعبية داخلية، أو موقف دولي صارم يسري على الجميع، أو من خلال موقف لحكومة عامة وهو ما سيتم من خلال الانتخابات العامة كما ذكرنا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى