حدود التعاون الاقتصادى بين مصر وأسبانيا

توطدت علاقات مصر مع كل دول العالم فى عهد الرئيس السيسى، لتشهد دفعة قوية باعتبار مصر من ناحية الموقع والتأثير تقوم بأدوار مهمة للغاية فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية المختلفة. وفى هذا الإطار، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء 1 ديسمبر2021، بقصر الاتحادية السيد ” بيدرو سانشيز” رئيس حكومة مملكة إسبانيا، وجاءت تلك الزيارة استكمالا لمسيرة العلاقات الثنائية الممتدة على مدى عصور مختلفة بين الجانبين، بما يسمح بالاستفادة المثلى من الإمكانيات المتاحة لخدمة مصالحهما الاقتصادية. وتمثل هذه الزيارة انطلاقة قوية لمزيد من علاقات التعاون، لا سيما فى ظل ما شهدته الأوضاع الراهن من توافق بين الرئيس السيسي، ورئيس حكومة أسبانيا، وفيما يلى نلقى الضوء على طبيعة العلاقات الاقتصادية بين مصر واسبانيا، وأهم محاور اللقاء بينهما.

ملامح العلاقات الاقتصادية المصرية الأسبانية:

(*) الاستثمار: بلغ إجمالي حجم الاستثمارات الإسبانية في مصر نحو 947 مليون دولار، وسجلت قيمة الاستثمارات الإسبانية في مصر 24.3 مليون دولار خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021 مقابل 21.6 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2019 /2020 بنسبة ارتفاع قدرها 12.5%.. وبلغت عدد الشركات الإسبانية العاملة في مصر نحو 193 شركة، وذلك وفقًا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.وتأتي الاستثمارات السياحية فى المقدمة بما قدره ـ11 مليون دولار و26 شركة، ثم الاستثمارات في القطاع التمويلي التي تُقدر بنحو 6 ملايين دولار، كذلك الاستثمارات الزراعية ، والاستثمارات في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وتتصدر محافظة الإسكندرية المقدمة بين محافظات الجمهورية التي تتواجد فيها الاستثمارات الإسبانية حيث تقدر بـ343 مليون دولار و16 شركة، ثم دمياط باستثمارات 300 مليون دولار و6 شركات، تليها محافظة السويس بحجم استثمارات تقدر بـ86 مليون دولار و3 شركات، وتحتل القاهرة المرتبة الرابعة باستثمارات 82 مليون دولار و79 شركة، وتحتل الجيزة المرتبة الخامسة باستثمارات 60 مليون دولار و39 شركة.

وعن أهم المشروعات التي تنفذها الشركات الإسبانية في مصر خاصة الممولة في إطار بروتوكول التعاون المالي بين البلدين، والمزايا التي يتيحها البروتوكول في مجالات تمويل دراسات الجدوى وتقديم الدعم الفني لعدد من المشروعات في القطاعات ذات الأولوية للدولة المصرية والتى تشمل قطاعات: الطاقة الجديدة والمتجددة ومشروعات الهيدروجين والمشروعات الخاصة بالاستزراع السمكي والصيد البحري وتنمية الثروة السمكية.

(*) التجارة: أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين مصر وإسبانيا لتصل إلى 2.1 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من عام 2021 مقابل  1.6 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2020 بنسبة ارتفاع قدرها 34.3%..وبلغت قيمة الواردات المصرية من إسبانيا  1.1 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من عام 2021 مقابل 4.1 مليار دولار خلال نفس الفترة من  عام 2020. تتمثل أهم تلك الواردات فى المركبات الخاصة بالسكك الحديدية والنحاس والمعدات الاليكترونية والكهربائية.

شكل رقم (1) واردات مصر من أسبانيا خلال الفترة (2010-2020)- مليون دولار امريكى

كما بلغت الصادرات المصرية إلى إسبانيا937.5 مليون دولار خلال أول 8 أشهر من عام 2021 ، بينما بلغت 764.06 مليون دولار أمريكي خلال عام 2020، وتتمثل أهم الصادرات فى الوقود المعدنى والزيوت والمنسوجات والخضروات والفواكه والمواد الكيميائية.

شكل رقم (2) صادرات مصر الى اسبانيا خلال الفترة ( 2010-2020)- مليون دولار أمريكى

نتائج اللقاء المصرى الأسباني:

استعرض اللقاء بين الدولتين سُبل تعزيز العلاقات الثنائية، خاصةً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية والسياحية، في ضوء علاقات الصداقة الوثيقة بين الدولتين، وتعتبر أسبانيا من بين الدول التى تتمتع بميزات كبيرة فى قطاعات كثيرة، وبخاصة تلك التى تولى بها الدولة المصرية اهتماما ، مثل مجال الرعاية الصحية، ومجال النقل والشحن البحري، ومجال الطاقة المتجددة، فضلاً عن تشجيع الشركات الإسبانية على الاستفادة فى الفرص الاستثمارية المتاحة فى مصر، وبخاصة فى المشروعات القومية الكبرى، وتتمثل نتائج اللقاء فيما يلى :-

(&) التعاون المشترك: اتفق الجانبين المصرى والأسبانى على أهمية إقامة شراكة بين البلدين تدعم التعاون المشترك في جميع المجالات؛ وتفعيل مجلس الأعمال المصري الأسباني الذى شهد آخر اجتماع له عام 2015، الذى من شأنه زيادة تواجد الشركات الإسبانية في مصر وتوسيع حجم أعمالها خلال الفترة المقبلة،لما تمثله هذه المجالس من أهمية بالغة في إتاحة منصة أمام شركات القطاع الخاص لدراسة فرص الاستثمار فى البلدين. والذي سيُمثل خطوة بنّاءة على صعيد توثيق الروابط بين القطاع الخاص على الجانبين، وفتح مجالات جديدة للتعاون المشترك في القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية. كما أن المجلس المزمع تدشينه سيمثل رواد الأعمال وجمعيات الأعمال، كما سيساعد في الحفاظ على العلاقات التاريخية والصداقة بين الشركات من مصر وإسبانيا، وتسهيل أنشطة التواصل من خلال الفعاليات البارزة التي يمكن أن تجمع القطاعين الخاص المصري والإسباني معا. كذلك تشكيل لجنة عليا مشتركة لتعزيز العلاقات الثنائية بما يعود بالنفع على البلدين ويوسع التعاون وتبادل الأفكار وفتح الأسواق الاسبانية للبضائع المصرية ، واستمراريتها يجعل هناك تفاهما وتفاعلا طوال الوقت حول القضايا المختلفة، حيث إن كلا الطرفين له ما يقدمه للطرف الآخر باعتبار إسبانيا تمتلك خبرات فى مجالات متعددة.

(&) التعاون المالى: تم الاتفاق على توقيع الإعلان المشترك للتعاون المالي المصرى الأسبانى، وتضمن نطاق الإعلان المشترك بشأن التعاون المالي العمل على تعزيز ودعم وتسهيل تمويل المشروعات ذات الاهتمام المشترك، التي تسهم في النمو الاقتصادي لجمهورية مصر العربية وتعزز الحضور المتزايد للتكنولوجيا الإسبانية، كما اشتمل الإعلان المشترك بشأن التعاون المالي على عدد من طرق التعاون المالي بين الحكومتين، من أبرزها استعداد الحكومة الإسبانية إتاحة مبلغ 400 مليون يورو لتمويل المشروعات ذات الاهتمام المشترك، خاصة في قطاع معالجة المياه والصرف الصحي، والنقل، بما في ذلك السكك الحديدية، والطاقة المتجددة، والصناعات الزراعية، في شكل ائتمانات ميسرة لتمويل توريد السلع والخدمات الإسبانية للمشروعات الحكومية والعامة المنفذة في مصر من قبل الشركات الإسبانية، وكذا منح للمساعدات الفنية ودراسات الجدوى للمشروعات التي تنفذها الشركات الإسبانية.

(&) تعزيز التجارة والاستثمار والسياحة: من خلال العمل علي زيادة العلاقات التجارية بين البلدين، مع العمل على تحقيق التوازن في الميزان التجاري عبر إتاحة الفرصة لمزيد من نفاذ الصادرات المصرية إلى السوق الإسبانية.فضلا عن الاتفاق على أهمية العمل المُشترك نحو زيادة الاستثمارات الإسبانية في مصر، وضرورة الاستفادة من الفرص الكبيرة التي توفرها المشروعات القومية العملاقة الجاري تنفيذُها في مُختلف ربوع البلاد، خاصةً في مجالات النقل والطاقة المتجددة والزراعة وغيرها، كم تم مناقشة فرص الاستثمار المتاحة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وكذا الفرص الاستثمارية في مجالات تشغيل وتطوير الموانئ، موجهة الدعوة للشركات الإسبانية للاستثمار في مصر في مجال البتروكيماويات خاصة في ظل المشروعات الكبيرة المطروحة من قبل وزارة البترول والشركة القابضة للبتروكيماويات.
وأكدت أهمية تعزيز التعاون بين الشركات المصرية ونظيرتها الإسبانية في قطاع الملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية، لافتة إلى إمكانية الاستفادة من خبرات المراكز التكنولوجية الإسبانية في مجال الصناعات الغذائية والمنتجات الزراعية.

كذلك تم استعراض سبل زيادة تدفقات السياحة الإسبانية إلى المقاصد السياحية المصرية، خاصةً في محافظات جنوب سيناء والبحر الأحمر ومرسى مطروح والأقصر وأسوان، فى ظل الاطلاع على التدابير الصحية المشددة التي تُطبقها مصر في تلك المقاصد، ومنها حملة التطعيم الموسعة التي قامت بها الحكومة المصرية للعاملين بالقطاع السياحي باللقاحات المُضادة لفيروس كورونا. ولا يجب أن ننسى أيضا ما تتمتع به إسبانيا من خبرات فى قطاع السياحة، الذى يعد أحد أهم موارد الدخل القومى بالنسبة للاقتصاد المصري، وقد بدأ يستعيد عافيته بالفعل بعد فترة ركود طويلة فرضتها جائحة كورونا على العالم بأكمله.

(&) التنمية الشاملة: استعرض الرئيس السيسي الجهود المصرية للتنمية من خلال المبادرات والمشروعات القومية المختلفة، معربًا عن التطلع لمزيد من انخراط إسبانيا عبر آليات مؤسساتها التنموية المختلفة في أولويات خطط التنمية المصرية بمختلف المجالات، فضلاً عن العمل على مضاعفة حجم الاستثمارات الإسبانية في مصر ودفع عجلة التعاون الاقتصادي بين الجانبين، خاصةً في ضوء الإصلاحات التي دشنتها الحكومة المصرية لتحسين البيئة التشريعية المتعلقة بمناخ الاستثمار والأعمال في مصر، وكذلك الفرص الواعدة المتاحة بالمشروعات الكبرى.كما أكد “سانشيز” حرص إسبانيا على دعم الإجراءات الطموحة التي تقوم بها مصر سعيًا للنهوض بالاقتصاد وتحقيق التنمية الشاملة، لاسيما من خلال زيادة الاستثمارات ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتوطين الصناعة الإسبانية، مشيداً بالنتائج الإيجابية الملحوظة في المؤشرات الاقتصادية لمصر، والتي أثبتت صلابة الاقتصاد المصري على الرغم من التداعيات الاقتصادية العالمية التي نتجت عن جائحة “كورونا”.

(&) التعاون الثقافى والرياضى: وقع الجانبين المصري والأسباني علي عدد من وثائق التعاون الثنائي، والتي تتضمن مذكرة تفاهم للتعاون في مجالي الثقافة والرياضة، كما تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الثقافي بين وزارة الثقافة في جمهورية مصر العربية، ووزارة الثقافة والرياضة في ممكلة إسبانيا، استنادا إلى اتفاقية التعاون الثقافي بين البلدين الموقعة في عام 1967، واقتناعا منهما بأن التعاون الثقافي يمكن أن يسهم بصورة فعالة في تعزيز أواصر التفاهم المتبادل ين شعبي البلدين وتضمنت مذكرة التفاهم الاتفاق على تبادل الزيارات على المستوى الوزاري؛ وذلك لتعزيز كل من الحوار وتنفيذ التبادل الثقافي بينهما، وأن يتم تشجيع تبادل زيارات كل من صانعي السياسات في المجالات الثقافية والفنية والإداريين وممثلي الهيئات الحكومية ذات الصلة، والمنظمات الأخرى في مجال الثقافة بهدف تبادل الخبرات، كما تم الاتفاق على تشجيع وتسهيل مشاركة الفنانين والفرق الفنية في المهرجانات والفعاليات الدولية، والمعارض الفنية، والأنشطة الثقافية الأخرى التي تقام في البلدين.

 كما تضمنت مذكرة التفاهم الاتفاق على تشجيع تبادل المواد والمعلومات حول المكتبات، والمتاحف، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية الأخرى، وحماية حقوق المؤلف والحقوق الأخرى في جميع المجالات من خلال وكالاتهم المختصة وفقا لقوانينهم الوطنية، كما تم الاتفاق على تطوير التعاون بين الجانبين في مجال السينما والأعمال السمعية والبصرية، وذلك من خلال تبادل الخبرات الأكاديمية، وتشجيع الإنتاج السينمائي المشترك، والأعمال السمعية والبصرية ذات الصلة، إلى جانب العمل على محاربة القرصنة في مجال الإنتاج السينمائي.

كما تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الرياضة بين حكومة جمهورية مصر العربية والمجلس الأعلى للرياضة بمملكة أسبانيا، والتي بموجبها تم الاتفاق على تطوير العلاقات المشتركة بين البلدين في مجال الرياضة، باعتبار أن الأنشطة الرياضية تشكل أساسا متينا لتقوية أواصر الصداقة والتفاهم المشترك .ويشمل نطاق مذكرة التفاهم للتعاون في مجال الرياضة تعزيز تبادل الخبرات في هذا المجال كأولوية في التعاون المؤسسي، والعلوم والتكنولوجيا المطبقة على الرياضة، والطب الرياضي، ومكافحة المنشطات، بالإضافة إلى الرعاية الرياضية، وتنظيم الأحداث الرياضية، وتدريب المتخصصين والإداريين الرياضيين، فضلا عن التعاون في مجال برامج تدعيم وتشجيع رياضة ذوي الهمم، وحماية الشباب الممارسين للرياضة، ورياضة المرأة.

(&) استعراض القضايا الإقليمية: استعرض الجانبين أهمية استمرار التشاور وتبادل الرؤى حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. فإن إسبانيا فى حاجة ماسة إلى مصر، للتعاون معها فى كثير من المجالات التى تهم حكومة مدريد والقارة الأوروبية بأكملها، مثل ضرورة إرساء دعائم الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط وإفريقيا، ومثل قضية التسوية السياسية فى ليبيا، وأيضا مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، والحد من الهجرة غير المشروعة، وكلها ملفات وقضايا متداخلة ومتشابكة، وتحتاج إلى كثير من التعاون والتنسيق بين دول المنطقة، بشكل عام، وليس بين مصر وإسبانيا فقط.

وتأسيساً على ما سبق، تعتبر هذه الزيارة مهمة للغاية، ونأمل أن تمثل انطلاقة لمزيد من علاقات التعاون، لا سيما فى ظل ما شهدته من توافق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس حكومة أسبانيا، على أهمية إقامة شراكة بين البلدين تدعم التعاون المشترك في جميع المجالات؛ وفى ظل استمرار وجود المزيد من مساحات التعاون التي يمكن الاستفادة منها بين البلدينبما يحقق المصالح المشتركة .كما أن جائحة كورونا أكدت ضرورة التعاون بين الدول لتخطى وتجاوز تلك الجائحة.ومن المنظور الإقليمي، فإن أسبانيا تحرص على تعزيز شراكاتها مع مصر من خلال انخراط الشركات الإسبانية في مجالات اقتصادية متعددة داخل مصر، بينها قطاعات هامة وتنموية، خاصة فى ظل أن اقتصاد الدولتين يسيران بخطى ثابتة لتجاوز أزمة كورونا، وتوفر اقتصاداتهما فرص عديدة للشراكة والتعاون ، وهو أمر يبعث على التفاؤل خاصة فى ظل سعى الجانبين المصرى والأسبانى نحو رسم أسس واتجاهات التعاون فى الفترة المقبلة.

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى