تطورات أزمة اللاجئين بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي

شهدت الأيام الماضية توتر كبير بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي على إثر منع حرس الحدود البولندي محاولة ممنهجة تستهدف دخول آلاف المهاجرين إلى الأراضي البولندية، وتتهم الحكومات الغربية نظام الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو باستدراج المهاجرين إلى بلاده والتنسيق معهم للعبور إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك كرد على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على بيلاروسيا على خلفية استهداف المعارضة، وقد تصاعد هذا التوتر مع دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة وإدانتها للأحداث، واتهام الغرب لروسيا بأنها رأس الأفعى والمدبر الحقيقي لتلك الأحداث.

وفي هذا الإطار؛ سيحاول هذا التحليل توضيح حيثيات الأزمة، وتطوراتها، وأبرز المواقف الدولية في هذا الصدد، مع الإشارة إلى الموقف الروسي على وجه الخصوص، وما إذا كان هناك احتمالية لتصعيد أكبر.

واقع الأزمة:

كانت البداية مع فرض الاتحاد الأوروبي العام الماضي لعقوبات على بيلاروسيا عقب الانتخابات التي أسفرت عن فوز لوكاشينكو بولاية جديدة، حيث شككت أوروبا في مصداقية نتائج هذه الانتخابات، فضلا عن قمعه معارضيه، كما قام بتحويل مسار طائرة لشركة راين إير إلى مينسك لاعتقال معارض كان ضمن ركاب الطائرة، وبعدها استخدم لوكاشينكو ورقة اللاجئين باعتبارها مزعجة للأوروبيين للضغط عليهم، وكما أفادت تقارير أوروبية فقد فتح لوكاشينكوباب التأشيرات لطالبي اللجوء من الدول التي تعيش أوضاعا إنسانية مأساوية في الشرق الأوسط وأفريقيا، للعبور للاتحاد الأوروبي عبر بولندا التي أغلقت حدودها أمامهم، وأصبح هناك تجمع للاجئين على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، لذا هدد الاتحاد بتوسيع العقوبات على بيلاروسيا.

وفي المقابل، نفت مينسك تلك التهم، بل وحملت الغرب المسئولية، والتي ترى أنها نتجت عن تدخلاتهم العسكرية في الشرق الأوسط، كما هدد بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا في حال فرضهم عقوبات ضد بلاده، في إشارة لخط الغاز الذي يمر من بيلاروسيا إلى الاتحاد الأوروبي، في ظل تفاقم أزمة نقص الغاز الطبيعي وارتفاع الأسعار في أوروبا، حيث صرح ” نحن نمد أوروبا بالتدفئة وهم يهددونا، لذلك أوصي قيادة بولندا وليتوانيا وغيرهم من أصحاب الرؤوس الفارغة بالتفكير قبل التحدث “، لكن رغم ذلك؛ أعلنت بيلاروسيا وفقا لتصريحات وزير الخارجية البيلاروسي فلاديمير ماكيي استعدادها لحل الأزمة، كما أنهم طلبوا من اللاجئين العودة إلى بلادهم، وأنهم على استعداد لنقلهم لكنهم رفضوا وظلوا على الحدود، وهى الرواية التي أبدى مسئولون أوروبيون عدم اقتناعهم بها.

أما بولندا؛ فقد أغلقت حدودها مع بيلاروسيا، وقامت بنشر ما يقارب ١٥ ألف جندي على الحدود لاستعداد لمواجهة أي سيناريو، واتهمت مينسك بافتعال الأزمة لابتزاز الاتحاد الأوروبي، ووصف رئيس الوزراء البولندي ما فعلته بيلاروسيا بـ ” إرهاب الدولة ” واعتبرها حرب جديدة ” ذخيرتها اللاجئين “، كما أعلنت أنها ستشيد جدار فاصل على الحدود مع بيلاروسيا بداية من الشهر المقبل لمواجهة تدفق اللاجئين. وفي هذا الصدد زار رئيس المجلس الأوروبي بولندا وأكد دعمه لها، وذلك رغم الخلافات الأوروبية مع بولندا بشأن استقلال القضاء.

وباعتبار أن بولندا بوابة لألمانيا؛ فقد قامت الأخيرة بنشر القوات على حدودها أيضا، لأنه وفقا لتقارير الشركة الألمانية فقد سجل دخول أكثر من ٧٠٠ لاجئ منذ بداية الشهر الجاري قادمين من بيلاروسيا.

الموقف الدولي من الأزمة:

أسفرت هذه الأزمة عن مجموعة من المواقف الدولية، وكان أبرزها:

(*) موقف الاتحاد الأوروبي: أتهم مسئولو الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا بإثارة الأزمة لتقويض أمن واستقرار الاتحاد، وهو ما نفته بيلاروسيا، واعتبر الاتحاد أن ما يحدث ما هو إلا ” هجوم مختلط “، ووصفه المتحدث باسم المفوضية الأوروبية بـ ” سلوك الصعاليك “، كما أفادت تقارير أن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على شركة الطيران الحكومية الروسية ” إيروفلوت ” لنقلها مهاجرين إلى بيلاروسيا، وهو الادعاء الذي تنفيه الشركة أيضا. وفي خضم أزمة اللاجئين أعلن وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل أن التكتل سيفرض عقوبات جديدة على مينسك، وستطال عددا كبيرا من الأفراد والكيانات التي سهلت العبور غير القانوني لدول الاتحاد، وهو ما تم خلال اجتماع الاثنين الخامس عشر من نوفمبر الماضي، حيث عدل الاتحاد العقوبات المفروضة على بيلاروسيا بحيث يمكن إدراج الشركات على القائمة السوداء للاتحاد ومنعها من التعامل مع الشركات التابعة للاتحاد مثل شركات الطيران كما يمكن حظر أصولهم في الاتحاد ومنعهم من السفر إليه. كما ضغطت بروكسل على تركيا والإمارات لتعليق الرحلات الجوية إلى مينسك للتحكم في تدفق المهاجرين.

(*) موقف الولايات المتحدة: أكد وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن دعم واشنطن لبولندا في أزمتها في مواجهة ” الاستغلال السخيف ” لنظام لوكاشينكو للمهاجرين، وكان من الواضح أن الولايات المتحدة سيكون لها دور في الأزمة لدعم حلفائها الأوروبيين من جهة ومعارضة روسيا من جهة أخري، حيث أعلنت في بيان أن واشنطن وحلفائها سيجعلون موسكو تدفع الثمن باهظا مقابل عدوانها العسكري وأنشطتها الخبيثة، وستطالب لوكاشينكو بمعالجة الأسباب الجذرية للعقوبات، وهو ما يشير إلى إمكانية الضغط على مينسك في ملف الحريات وحقوق الإنسان، وفقا للبيان.

كما أعلنت الولايات المتحدة أنها ” تعد ” لعقوبات جديدة على مينسك بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد ساعات من إعلان الاتحاد الأوروبي توسيع عقوباته المفروضة على بيلاروسيا، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس ” سنواصل محاسبة نظام لوكاشينكو على هجماته المستمرة على الديمقراطية وحقوق الإنسان والمعايير الدولية والاستغلال غير الإنساني للمهاجرين”.

(*) الموقف الروسي: من المؤكد أن الأوروبيين يدركون أن المعركة لا تقتصر على بيلاروسيا فقط، وإنما تمتد إلى روسيا، لكن تصريحات رئيس الوزراء البولندي ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث يري أن بوتين هو العقل المدبر للأزمة، وهو الأمر الذي تدعمه مجموعة من الشواهد _ على حد وصف الأوروبيين _ لأن روسيا لم تخف أو تنكر دعمها لبيلاروسيا، فقد اتهم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف المؤسسات الغربية بشن ” حملة مناهضة لبيلاروسيا ” كما أعلن أن ” موسكو ومينسك قد عززتا تعاونهما بشكل فعال لمواجهة هذه الحملة “، وموسكو ترفض في نفس الوقت اتهامات الغرب بأنها وراء أزمة اللاجئين، كما أن الدعم الروسي لمينسك قد تجاوز ذلك إلى حد التعاون العسكري، حيث أجريا تدريبات عسكرية مشتركة لإنزال المظليين بالقرب من الحدود البولندية، كما أرسلت روسيا قاذفتين نوويتين للقيام بدورية في المجال الجوي البيلاروسي ردا على العقوبات التي سيفرضها الاتحاد الأوروبي على مينسك، وفي هذا الصدد قال لافروف إنه ” من غير المقبول أن ” يتم فرض عقوبات على بيلاروسيا بسبب الأزمة، وفي المقابل أعلن حلف الناتو دعمه لبولندا محملا بيلاروسيا مسئولية الأزمة.

ونظرا لأن العواصم الأوروبية تدرك ضرورة التدخل الروسي؛ فقد دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بوتين إلى ممارسة نفوذه لدى مينسك من أجل وقف ” الاستغلال الإنساني ” للمهاجرين، كذلك مساعد وزير الخارجية الفرنسي.

احتمالية التصعيد العسكري:

حتى الآن مرجحة كفة المساعي الدبلوماسية للتعامل مع الأزمة، وفي هذا الإطار رحبت المفوضية الأوروبية بخطوات اعتبرتها ” أساسية ” لحل الأزمة، مثل منع تركيا لمواطني دول مثل سوريا والعراق واليمن من مغادرة أراضيها أو المرور عبر أراضيها تجاه بيلاروسيا، ومنع العراق أيضا السفر إلى بيلاروسيا، كما قامت بإرسال طائرة لنقل العراقيين الراغبين في العودة، كذلك زيارة رئيس المجلس الأوروبي إلى بولندا لإيجاد حل للأزمة، ومناشدة فرنسا وألمانيا لروسيا للضغط على بيلاروسيا وإقناعها لإنهاء الأزمة، ومن الواضح كما اعتبره البعض أن ذلك يتناسب مع الدور الجيد والإيجابي الذي تحاول روسيا إظهاره خلال الأزمة، والدليل أنه عندما هدد الرئيس البيلاروسي أوروبا بقطع الغاز، لم يبدي بوتين تأييده لذلك بالمقارنة بمواقفه السابقة، بل عمل على التهدئة، ليس فقط لأنه مستفيد من تصدير الغاز لأوروبا، وإنما لأنه في نفس الوقت عندما طلب منه التدخل لحل الأزمة طالب الأوروبيين بتحسين علاقاتهم ببيلاروسيا، وذلك في إشارة للعقوبات التي فرضها عليها الاتحاد الأوروبي وقام بتوسيعها،إذا هناك تفضيل حتى الآن للحل الدبلوماسي.

لكن رغم ذلك فإن الأزمة تضع الاتحاد الأوروبي في ورطة؛ لأنه من جهة لا يمكنه فتح أبوابه وإعطاء انطباع عن تساهله في موضوع اللاجئين حتى لا تتكرر موجات الهجرة، ومن جهة أخرى فإن هذا يضرب بمبادئ وشعارات الأوروبيين عرض الحائط، لأنه لا يستطيع الاستمرار في إغلاق أبوابه في ظل الوضع المأسوي للاجئين على الحدود، خاصة مع حدوث حالات وفيات هناك. كما أن الأزمة تأتي في بولندا التي هي أصلا على خلافات مع الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة، حيث رفضت تولي إدارة الوكالة الأوروبية لحراسة الحدود والسواحل (فرونتكس) المعنية بإدارة الحدود الأوروبية الخارجية، كما أن التطورات على الأرض قد تؤشر إلى تسييس وعسكرة مسألة الهجرة، وبالتالي سيعد ذلك سابقة خطيرة، بالنظر إلى القوات البولندية مقابل البيلاروسية على الحدود، فضلا عن القوات الأوكرانية، والمناورات المشتركة بين بيلاروسيا وروسيا، لكن رغم ذلك يبدو احتمال التصعيد العسكري بعيد، وفي هذه الحالة يمكن الحديث عن أزمة جدية يشوبها خطر الانزلاق إلى اشتباكات عسكرية، لكن يمكن تفاديها بالحلول الدبلوماسية.

وفي الختام؛ يمكن القول أن ما يجري على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا ما هو إلا ترسيخا لنموذج جديدا للحروب التي لا يستخدم فيها السلاح التقليدي، وإنما سلاحها وذخيرتها هي اللاجئين كما وصفها رئيس الوزراء البولندي، ومن الواضح وفقا لمحللين أن مينسك غير متعجلة على إنهاء الأزمة، حيث أعلنت بناء مخيمات للاجئين على الحدود، وهو ما يعنى محاولة إطالة أمد الأزمة لاستخدامها كورقة ضغط باعتبارها مزعجة جدا للأوروبيين، والغرض منها رفع العقوبات المفروضة على مينسك والاعتراف به رئيسا، بالإضافة إلى أنها تستعين في هذه الحالة بدعم روسي، وهو الأمر الذي يجعل الأزمة تفوق كونها أزمة ثنائية، كما أنه على الجانب الآخر فإن روسيا من المؤكد أنها لن تقدم معروفا لأوروبا مجانا، وبالذات لأنها تدرك مدى خطورة ورقة اللاجئين تجاه الدول الأوروبية، وبالتالي فإن الفترة المقبلة ستوضح خطوات حل تلك الأزمة والأطراف المساهمة في ذلك.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى