الحرب الأمريكية الصينية

د. هالة مصطفىطباعة المقال

وجه الرئيس الأمريكى جو بايدن انتقادات لاذعة لكل من رئيسى الصين وروسيا، فى كلمته التى ألقاها بقمة جلاسجو للمناخ، لغيابهما عن حضورها مكتفيين بإرسال وفدين عنهما، والتى أشار فيها إلى عدم التزامهما بالتفاهمات التى توصلت لها قمة باريس 2015، وفى المقابل أظهرت الدولتان اعتراضهما على المعايير التى يُحتكم إليها فى تحديد تلك الالتزامات، ناهيك عن اختلافهما معه حول تعريف ما المقصود بالطاقة النظيفة، وقد تبدو هذه مجرد خلافات فنية مصاحبة للمؤتمر، ولكنها فى الواقع ليست كل القصة.

فهناك حالة متصاعدة من التوتر الدولى بين الأطراف الثلاثة، وصراع على مناطق النفوذ فى العالم، وهى حالة باتت تتفاقم يوما بعد يوم بأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية، أى أن الأمر ليس مقصورا على حضور أو عدم حضور قمة من القمم الدولية، بل هو أعمق من ذلك. وعلى الرغم من أن الانتقادات الأمريكية شملت الدولتين، فإن التنافس بين واشنطن وبكين والمواجهة الصريحة أو الكامنة بينهما، بدت هى الأهم من مثيلاتها مع موسكو، إلى الدرجة التى وصفها الكثيرون بالحرب الباردة الجديدة، رغم أنه وصف يحمل قدرا من المبالغة.

ومن دلائلها فى الآونة الأخيرة، قيام تحالف ثلاثى بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، بهدف تطويق الصين بحريا استعدادا لأى مواجهة عسكرية محتملة فى منطقة المحيطين الهندى والهادى، ولهذا الغرض لم تتوان الإدارة الأمريكية عن إغضاب واحدة من أهم حلفائها الأوروبيين وهى فرنسا، بإلغاء صفقتها مع الجانب الاسترالى لإمداده بالغواصات، لتقدم هى صفقة بديلة تعمل بالطاقة النووية، ولا شك أن هذا التحالف يشكل تطورا لافتا وتحولا فى درجة وأساليب المواجهة، وسيكون نواة لتحالفات أوسع مستقبلا، صحيح أن رئيس الأركان الأمريكى فى محاثة هاتفية مع نظيره الصينى صرح بأن الحرب بينهما ليست واردة الآن، لكن الأمور على أرض الواقع تؤكد عكس ذلك.

وفى نفس السياق كانت جولة بايدن التى قام بها منذ أشهر قليلة، تحديدا فى يونيو الماضى وتضمنت ثلاث محطات رئيسية بدأت بالاجتماع الوزارى لدول حلف الناتو، وبعدها قمة السبع الكبار ثم لقاؤه بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى قمة ثنائية فى وقت وصلت العلاقات بينهما إلى أدنى مستوياتها، وتطرق اللقاء بينهما إلى الملفات الإقليمية محل النزاع من أفغانستان إلى سوريا وليبيا وأوكرانيا، وإن لم يسفر عن شىء إلا أنها كانت محاولة لاحتواء أو تهدئة الصراع مع زعيم الكرملين إلى حين، نظرا للأولوية التى يعطيها لتحجيم غريمه الصينى.

واللافت فى هذه الجولة أنها تمت تحت شعار تجمع الديمقراطيات فى مواجهة روسيا والصين، وأن هناك رابطا واحدا مشتركا بين اللقاءات التى تمت خلالها يمثل رؤية إدارته لدور أمريكا وقيادتها العالمية فى ظل علاقات دولية متغيرة، لم تعد فيها هى القطب الأوحد المهيمن كما كان الحال فى السابق، لذلك رفع شعار عودة أمريكا وسعى لإرجاع تحالفات بلاده مع شركائها الأوروبيين إلى سابق عهدها، والتى تضررت فى زمن حكم سلفه دونالد ترامب.

لا جدال فى أن الصين برزت فى السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الأقطاب الدولية فاعلية وانتشارا على مستوى العالم، وشكلت تهديدا رئيسيا للقوة العظمى، وربما نتذكر هنا نظرية عالم السياسة الأمريكى صموئيل هانتنجتون، التى ضمنها كتابه المعنون بـصراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمى الصادر 1993 وفيها رسم طبيعة الصراعات الدولية بعد انقضاء الحرب الباردة، والتى من وجهة نظره، ستقوم على عنصرى الثقافة والهوية، وليس النزاعات الأيديولوجية التقليدية القديمة، وأنها ستقود إلى صدام حتمى بين أبناء الحضارات المختلفة، وعدد مجموعة من الثقافات التى ستشكل التحدى الأكبر أمام الحضارة الغربية وفى مقدمتها الإسلامية والكونفوشيوسية (أى الصينية) وهو ما حدث ويحدث فعليا، ففى الحرب على الإرهاب كانت جماعات الإسلام السياسى هى العدو ولكن بعد الانسحاب الأمريكى من الأراضى الأفغانية قد يتحول الأمر إلى الجهة الأخرى.

والسؤال هو لماذا تخشى دولة كبرى مثل الولايات المتحدة من الصين إلى هذا الحد؟

والإجابة تكمن فى مقومات القوى التى تمتلكها الأخيرة، إذ أن قدراتها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية فى تزايد، وهى قادرة بحكم غزارة انتاجها على اغراق الأسواق العالمية وبأسعار أقل من مثيلاتها الغربية، كما أنها دخلت مجال تصنيع وبيع السلاح بقوة وبالتالى أصبحت مصدر قلق للاقتصاد الأمريكى، وبخلاف كل ذلك لا تتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، فليس لديها أجندة لتصدير الديمقراطية وحقوق الانسان لأن نظامها السياسى فى الأصل مغلق، وهو عامل يكون عادة مريحا للبلدان المتعاملة معها، خاصة وأن الأنظمة غير الديمقراطية والتى تفتقد إلى المقومات المؤسسية والثقافية للبناء الديمقراطى هى الأكثر انتشارا على مستوى العالم سواء فى إفريقيا أو آسيا، أو أمريكا اللاتينية، أو الشرق الأوسط. وعلى العكس تماما من هذا الواقع، تعتبر الولايات المتحدة أن مسألة نشر الديمقراطية وحقوق الانسان والدفاع عن الحريات وفق المعايير والقيم الغربية، هو مكون رئيسى فى سياستها الخارجية، وتُعد نفسها النموذج الريادى فى هذا المجال والذى يجب تعميمه، وأنها زعيمة العالم الحر، وبموجب ذلك تعطى لنفسها حق التدخل وإملاء الشروط على الأنظمة الحاكمة مستخدمة سلاح العقوبات وممارسة الضغوط المختلفة، وأحيانا اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة لاسقاط نظام ما، كغزوها لأفغانستان 2001 والعراق 2003 وحالات أخرى كثيرة عبر العالم. هذه الخاصية بالتحديد تُحد من قبول غالبية الدول لدورها العالمى، بل وتجعلها تبحث عن بديل له، ومن ثم قد تصبح الصين هذا البديل، وللمفارقة، فإن الميزة التى تفاخر بها أمريكا قد تكون هى ذاتها مصدر قوة اضافية لبكين، والمعروف أن إدارة بايدن أعادت احياء هذه السياسة وأعطتها أولوية ملحوظة بعدما تراجعت فى ظل الواقعية السياسية التى انتهجتها سابقتها.

إضافة إلى ما سبق فقد أضحت السياسة الخارجية الصينية أكثر جرأة بعد عقود من الانعزال والانكفاء على الذات، حيث تبنت مبادرة الحزام والطريق التى تجعلها أكثر انخراطا فى مجمل الشئون العالمية، وسعت لملء الفراغ الذى خلفته أمريكا فى أفغانستان، وأبرمت معاهدة تعاون استراتيجى مع إيران لمدة 25 عاما فى الوقت الذى تتعثر فيه محادثاتها مع الأولى بخصوص برنامجها النووى. باختصار، ستحاول الصين فى أى معادلة اقليمية أن تزاحم أمريكا لتكون هى الطرف الثانى المواجه لها، ولكنها فى النهاية لن تستطيع أن تحل محلها أو تكون ندا مساويا لها فى القوة.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى