انعكاسات زيارة عبدالله بن زايد على العلاقات الخليجية السورية

 

أحدثت زيارة وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد والوفد المرافق له إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد في التاسع من نوفمبر الجاري سجالا كبيرا على الساحتين العربية والدولية، في ظل مساعي سورية وروسية لعودة دمشق لشغل مقعدها بالجامعة العربية كمقدمة لتطبيع العلاقات معها وإنهاء الأزمة المستمرة منذ 2011، وعلى الجانب الآخر تهدف تلك الخطوة لتعزيز الثقل الإماراتي في المنطقة وتسريع مسار تطبيع العلاقات العربية السورية.

وفي هذا السياق؛ يسعى التحليل لمعرفة دوافع التحرك الإماراتي الأخير ومدى تأثيره في مواقف القوى الخليجية والعربية والدولية لمعالجة الملف السوري.

تحركات خليجية وعربية:

كانت أبرز مساعي التقارب من سلطنة عُمان، إذ لم تنقطع العلاقات بين البلدين في أعقاب اندلاع الأزمة السورية 2011، واكتفت مسقط بتخفيض التمثيل الدبلوماسي لدى دمشق، وتخللت تلك الفترة تبادل للزيارات بين وزيري خارجية عُمان وسوريا كان أبرزها لقاء وزير الشئون الخارجية العُماني آنذاك يوسف بن علوي للعاصمة دمشق في السابع من يوليو 2019.

وفي الرابع من أكتوبر 2020، أعلنت سلطنة عُمان عودة العلاقات على مستوى السفراء وتبع ذلك اتصال وزير خارجية السلطنة بدر البوسعيدي بنظيره السوري فيصل المقداد في ديسمبر من العام ذاته بمناسبة تولي الأخير مهام منصبه، كما زار المقداد مسقط والتقى بنائب رئيس مجلس الوزراء للعلاقات والتعاون الدولي والممثل الخاص للسلطان أسعد بن طارق، وكذلك الوزير بدر البوسعيدي في الحادي والعشرين من مارس 2021 في ثالث زيارة خارجية وأول زيارة عربية وخليجية له.

وتداولت وسائل إعلام نبأ زيارة رئيس جهاز المخابرات السعودي الفريق خالد الحميدان لدمشق ولقائه ببشار الأسد ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك في مايو الماضي، إلا أن تصريحا لمدير إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية السعودية، السفير رائد قرملي لوكالة رويترز وصفها بـ”الأنباء غير الدقيقة”، فيما تلتزم الرياض بموقفها المعلن بأهمية إيجاد حل سياسي للأزمة السورية بالتوافق بين الحكومة ومجموعات المعارضة ضمن مسار جنيف الأممي.

وكان للأردن دور بارز وبدعم عربي واسع في تكييف عودة سوريا وتخفيف موقف الإدارة الأمريكية تجاه دمشق خلال لقاء الملك عبدالله الثاني بالرئيس الأمريكي جو بايدن يوليو الماضي، برز في  استثناء خط الغاز المصري إلى لبنان مرورا بالأراضي السورية، من عقوبات قانون قيصر تزامنا مع إعلان طهران على الجانب الآخر عزمها مساعدة بيروت لحل أزمة الطاقة.

 كما أعلنت عمّان فتح معبر جابر- نصيب الحدودي نهاية سبتمبر الماضي وأعاد الاتصال الهاتفي بين زعيمي البلدين في الثالث من أكتوبر الماضي، العلاقات إلى مسارها الطبيعي، وذلك للتخفيف من وطأة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومعالجة التداعيات الأمنية والتي خلفتها الأزمة ومنع تمدد الميليشيات الإيرانية بالقرب من الحدود الأردنية.

ويحتل ملف عودة سوريا لجامعة الدول العربية موقعا متقدما على أجندة قمة الجزائر في مارس المقبل، وفي ظل حرص أمين عام الجامعة الحالي أحمد أبو الغيط على هذا الملف ولقائه الودي بوزير الخارجية السوري آنذاك وليد المعلم في واشنطن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2019.

ومؤخرا التقى وزير الخارجية المصري سامح شكري بنظيره السوري فيصل المقداد في نيويورك على هامش اجتماعات الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أرفع لقاء مصري سوري خلال السنوات المنقضية من عمر الأزمة وذلك عقب إنجاز اتفاق الغاز بين وزراء الطاقة في كل من مصر وسوريا ولبنان والأردن، وسبق ذلك تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي والوزير شكري بدعم مصر لعودة سوريا إلى الحاضنة العربية حفاظا على سلامة ووحدة أراضيها من مطامع وتدخلات القوى الإقليمية وإنهاء معاناة الشعب السوري.

التقارب الإماراتي السوري:

بنهاية العام 2018 بدأت إرهاصات التقارب العربي والخليجي بالتحديد مع الحكومة السورية بعدما ساهم الدعم الروسي في تأمين العاصمة دمشق من السقوط وحسم مسار الحرب عمليا، إذ أعلنت كل من دولة الإمارات ومملكة البحرين حينها عودة العلاقات على مستوى القائمين بالأعمال. وفي السابع والعشرين من مارس 2020، بحث ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد مع الرئيس السوري تداعيات تفشي فيروس كورونا مؤكدا، عبر حسابه على تويتر، دعم ومساعدة بلاده للشعب السوري الشقيق في هذه المحن الاستثنائية.

ورفعت أبوظبي من وتيرة التواصل مع النظام السوري بصورة كبيرة خلال العام الحالي، وصولا إلى اتصال الرئيس السوري بالشيخ محمد بن زايد منتصف أكتوبر الماضي  لمناقشة قضايا سوريا والمنطقة وذلك بعدما أعلنت أبوظبي ودمشق في 10 أكتوبر عن التوصل لاتفاق حول خطط مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي، وكانت الإمارات، بجانب العراق وعُمان والبحرين، قد استأنفت الرحلات الجوية إلى دمشق عبر مطاري دبي والشارقة في يونيو الماضي.

دوافع الزيارة:

على الرغم من كونها لا تعد التحرك العربي الوحيد، إلا أن رمزية الزيارة تتمثل في متوالية إماراتية لتطبيع العلاقات على مختلف المستويات والأصعدة ولا تنحصر في جانب العلاقات الثنائية الضرورية أو التركيز على ملفات بعينها، ويعود ذلك التوجه الإماراتي للأسباب التالية:

(*) مواجهة النفوذ الإقليمي: يبدو التحرك الإماراتي وإن جاء منفردا، أنه يأتي في إطار تكامل الأدوار للحد من النفوذ الإيراني وتسهيل إنهاء الأزمات الناشبة في الإقليم، بالتوازي مع موقف خليجي صارم للتصدي لميليشيا “حزب الله”، إذ يعد الأخير هو المحرك الرئيسي للميليشيات وقد تعاظم دوره بمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وتفاهم روسي إسرائيلي حول استمرار هجمات الأخيرة على ميليشيات إيران في سوريا شريطة عدم استهداف القوات النظامية وفق الرواية الإسرائيلية.

وعلى الجانب الآخر ثمنت الإمارات سابقا دور المكون الكردي في محاربة تنظيم داعش ودعى مسئولوها للتواصل العربي مع الأكراد ودعمهم حصرا في الإطار السياسي، حفاظا على وحدة الأراضي السورية في مواجهة إجراءات تركيا لاحتلال مناطق شرقي الفرات بدعوى إقامة منطقة عازلة وتهديداتها المتكررة بشن عمليات عسكرية هناك.

(*) ملء الفراغ العربي: تعد الزيارة خطوة للأمام في سبيل حل الأزمة السورية وفق رؤية أبو ظبي، في ظل جمود سياسي وتعدد مسارات الحل بين آستانة (نور سلطان حاليا) وجنيف والإحباط الأممي من تحقيق تقدم في اجتماعات اللجنة الدستورية، ومن ثم سعت دولة الإمارات للمبادرة باتخاذ موقف داعم لسوريا لتعزيز الاستقرار الإقليمي ومعالجة تلك الأزمة التي أثرت على كل الدول العربية حسب تعبير عبدالله بن زايد.

وتمثل الحرص على أداء ذلك الدور والاهتمام بالبعد العربي في تصريحات رسمية صادرة عن المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة د.أنور قرقاش، الذي أكد غير مرة أنه لا ينبغي استمرار غياب الدور العربي في سوريا مشددا على ضرورة وضع مقاربة جديدة لحل الأزمة تتسم بالبراجماتية. وفي التاسع من مارس الماضي خلال لقائه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في أبو ظبي، أكد عبدالله بن زايد دعم بلاده عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

(*) إعادة الإعمار: لم يكن للتقارب السياسي أن ينجح في هذه الأجواء سوى عبر خطوات للدعم الإنساني تلتها ترتيبات اقتصادية رافقت مشاركة سوريا في إكسبو دبي 2020 والتي أثمرت اتفاقا بين وزيري اقتصاد البلدين في أكتوبر الماضي على تعزيز التعاون الاقتصادي واستكشاف قطاعات جديدة خلال المرحلة المقبلة بما يضمن لأبوظبي مساهمة كبيرة في إعادة الإعمار وتعظيم مكاسب شركاتها بناءا على العلاقات المتنامية، حيث تستحوذ الإمارات على نحو 14 % من تجارة سوريا الخارجية، فضلا عن تطور التبادل التجاري بينهما خلال السنوات الأخيرة بعد عودة العلاقات والذي يقدر بنحو 2.6 مليار درهم (700 مليون دولار) خلال العام الماضي.

المواقف العربية والدولية:

كان رد الفعل الأمريكي هو الأبرز في هذا الإطار، إذ عبر متحدث الخارجية نيد برايس عن “قلق” بلاده من هذا التطور والإشارة التي يرسلها، مضيفا أن واشنطن “تحث” دول المنطقة على التفكير مليا فيما ارتكبه نظام الأسد، وهو ما عزز من غموض موقف الإدارة الأمريكية الحالية تجاه الحكومة السورية واكتفائها بعدم دعم عودة دمشق للمجتمع الدولي من البوابة العربية أو غيرها ودون التلويح علنيا بتطبيق عقوبات قانون قيصر على المتعاملين مع النظام والذي تبنته إدارة ترامب.

وفي المقابل تدعم روسيا أي تقارب عربي مع سوريا، وسبق أن زار وزير خارجيتها 3 عواصم خليجية لدعم تلك المساعي وللضغط على واشنطن لمراجعة مواقفها تجاه الأزمة السورية، إذ قد يغير الدعم العربي من موقفها المتردد بشأن حل الأزمة، لاسيما مع بروز التهديدات الأمنية لقواعد وقوات الولايات المتحدة في سوريا من قبل الميليشيات الإيرانية وهو ما يحتاج في المطاف الأخير تفاهما شاملا بين واشنطن وموسكو إذا اتخذت الأخيرة موقفا واضحا من دور إيران وميليشياتها المعرقل لفرص الحل، خاصة بعد ما تردد مؤخرا من أنباء إعلامية، غير مؤكدة رسميا، عن منع روسيا لميليشيات الحرس الثوري من استخدام مطار القامشلي.

وعلى الرغم من الموقف الخليجي المنفتح في عمومه على عودة العلاقات مع سوريا، إلا أن التخوف من العلاقات الممتدة مع إيران وصعوبة فك الارتباط بين الطرفين أو حتى تقليص النفوذ الإيراني، تدعو بعض دول الخليج للتمهل في تطبيع العلاقات، ومن هنا فإن التقارب الإماراتي والعُماني وربما البحريني لاحقا مع سوريا، قد يعد فرصة مهمة للملكة العربية السعودية والكويت لجس النبض والنظر في جدوى هذه الخطوة، فيما يقترب موقف قطر من الرؤية الأمريكية برفض التطبيع في ظل الظروف الحالية مالم تكن هناك تسوية مقبولة لمختلف الأطراف مع استمرار المساعدات الإنسانية لمناطق الشمال السوري الخاضعة لتركيا وحلفائها.

وختاما؛ ارتأت دولة الإمارات أن الظرف الحالي هو الأنسب لمد جسور العلاقات مع سوريا في ظل دعم عربي وروسي لعودتها إلى جامعة الدول العربية وتحفظ أمريكي على تلك الخطوة وتبعاتها، وذلك بالتزامن مع ما يمكن وصفه بحالة عدم توازن تلوح في الأفق لدور إيران ووكلائها في المنطقة بداية من لبنان وانتهاءا بالعراق. ولا تزال الساحة السورية موضع اصطفاف إقليمي ودولي لأسباب استراتيجية تتعلق بخارطة الغاز وتمتلك القوى المشاركة فيها فرصة تغيير قواعد اللعبة في المنطقة وتدرك جُل هذه القوى بأن عقارب الساعة لن تعود حتى إلى ما قبل اندلاع الأزمة.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى