محاور متشابكة: محددات الخطة المصرية في إدارة المياه  

يعد تعظيم الاستفادة من الموارد المائية من أبرز القضايا القومية التي تهتم بها مصر في الوقت الحالي؛ وذلك نظرًا للتحديات المائية التي تفرضها التغيرات المناخية. حيث تؤمن مصر إيماناً راسخا بأن دفع جهود التنمية يعد شرطا أساسيا لتعزيز السلم والأمن الدوليين وإقامة نظام عالمي مستقر، ولذلك تبنت مصر الخطة الإستراتيجية لإدارة الموارد المائية حتى عام 2037 التى كشفعنها الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته المسجلة بفعاليات “الدورة الرابعة لأسبوع القاهرة للمياه 2021 “الذي عقد فى 24 أكتوبر 2021 في وقت يشهد فيه العالم تغيرات سريعة تؤثر على الموارد المائية.

فقد أشار الرئيس إلى أن مصر قد وضعت تلك الخطة بتكلفة تقديرية 50 مليار دولار، وقد تتضاعف على حسب معدلات التنفيذ الحالية. وتأسيساً على ما سبق يحاول هذا التحليل عرض أهم محاور تلك الخطة وأسباب الأخذ بها، والجهود المصرية المبذولة لتعظيم الموارد المائية.

 محاور متشابكة:

تقوم الخطة الإستراتيجية لإدارة الموارد المائية 2037 على أربعة محاور رئيسية، تتمثل فيما يلى:

  1. تحسين نوعية المياه ومنها إنشاء محطات المعالجة الثنائية والثلاثية.
  2. تنمية موارد مائية جديدة حيث شهدت الفترة الماضية، اتجاهًا وطنيًا متناميًا، لتوطين تكنولوجيا تحلية مياه البحر.
  3. ترشيد استخدام الموارد المائية المتاحة، ورفع كفاءة منظومة الري المصرية حيث تبنت الدولة مشروعًا قوميًا لتبطين الترع، والتحول لنظم الري الحديثة بغرض تحقيق أقصى استفادة ممكنة من مواردنا المائية المحدودة.
  4. تهيئة البيئة المناسبة، بما يتماشى مع برامج العمل والمشروعات المائية وذلك من خلال التطوير التشريعي والمؤسسي وزيادة وعي المواطنين بأهمية ترشيد المياه، والحفاظ عليها من كافة أشكال الهدر والتلوث.

دوافع وأسباب:

تبنت مصر خطة المياه انطلاقا من عدة دوافع وأسباب رئيسية تتمثل فيما يلى:

(*) المخاوف من الزيادة السكانية: تمثل الزيادة السكانية تحديًا رئيسيًا للموارد المائية، فمن المتوقع أن يصل إجمالي السكان في مصر لأكثر من 175 مليون نسمة بحلول عام 2050 وهو ما يمثل ضغطًا كبيرًا على الموارد المائية. خاصة فى ظل أن نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز 560 متراً مكعباً سنوياً بعد أن كان يصل إلى ما يتجاوز 2000 متر معكب فى ستينيات القرن الماضى كما هو موضح بالشكل رقم (1). ومن المتوقع أن تنخفض مصر أكثر إلى ما دون خط الفقر المائي للأمم المتحدة الذى يقدر بنحو (1000 متر مكعب سنويا )، بسبب النمو السكاني المتزايد. وبحلول عام 2022، من المتوقع انخفاض حصة الفرد إلى 409 أمتار مكعبة، وأن يزداد إجمالي استهلاك المياه بأكثر من 20٪ في السنوات القليلة المقبلة مع التزايد السكانى فى مصر، كما يتوقع أن يتضاءل هذا النصيب إلى 330 متر مكعب عام 2050؛ مما يجعل مصر تصل إلى نقطة ندرة المياه وما دون خط الفقر المائي خاصة إذا تم اكتمال بناء سد النهضة.

شكل رقم (1) نصيب الفرد من المياه فى مصر ( متر مكعب سنويا)

(*) ثبات مصادر المياه العذبة: يُعد نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه العذبة في مصر، حيث تبلغ حصة مصر من مياهه 55.5 مليار متر مكعب تمثل 79.3% من الموارد المائية وتغطى 95% من الاحتياجات المائية الراهنة . كما تقدر كمية المياه الجوفية المستخدمة في مصر بحوالي 6.1 مليار متر مكعب/سنه في الوادي والدلتا، ويمكن زيادة هذه الكمية مستقبلاً لتصل إلى 7.5 مليار متر مكعب/سنه دون تعريض المخزون الجوفي للخطر. ولا تعد الأمطار مصدرًا رئيسيًا للمياه في مصر لقلة الكميات التي تسقط شتاءً حيث يسقط على مصر نحو 1.3 مليار متر مكعب من مياه الأمطار كل عام. وتلك المصادر العذبة للمياه المصرية تعتبر محدودة وقائمة بشكل رئيسى على مياه النيل مما يستدعى تعظيمها.

(*) محدودية مياه الرى فى القطاع الزراعى: تشير التقديرات والدراسات إلى تصحر حوالي 2 إلى 4 ملايين هكتار وتمتد إلى من 8 إلى 10 ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، وسيؤثر ذلك بشكل كبير على قطاع الزراعة المصرى بشكل خاص والاقتصاد ككل بشكل عام، حيث يمثل القطاع الزراعي عصب الاقتصاد المصري، ويساهم فى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 15% وفي الصادرات بنحو 20%، ويبلغ عدد المشتغلين بها 30% من إجمالي قوة العمل المصرية. وتؤثر ندرة المياه على الإنتاج الزراعى والغذائى مما يشكل تهديدا للأمن الغذائى وتحقيق أهداف التنمية المستدامة مثل أهداف القضاء على الفقر والقضاء على الجوع.

(*) مواجهة التغيرات المناخية: تعد التغيرات المناخية تحديًا كبيرًا لموارد مصر المائية في ظل الارتفاع الملحوظ لدرجات الحرارة، كذلك ما تشهده مصر من ظواهر جوية غير مسبوقة مثل الأمطار الشديدة التي تضرب مناطق متفرقة من البلاد، بالإضافة إلى ارتفاع منسوب سطح البحر وتأثيره السلبي على المدن والمناطق الساحلية. وقد أوضحت بعض أن مقدار التغير في التصرف عند مدخل بحيرة ناصر قد يزيد بمتوسط زيادة 14.3% أو ينخفض بمتوسط انخفاض 11.8% مما يؤثر على التركيب المحصولي وكذلك الأمن الغذائي. ومن ثم كان لابد من وضع خطة محكمة لمواجهة تلك التأثيرات السلبية لتغير المناخ.

(*) مواجهة الانعكاسات المحتملة لسد النهضة: فى الوقت الذى يتابع فيه الشعب المصري عن كثب تطورات ملف سد النهضة الإثيوبي من أجل الوصول إلى اتفاق متوازن وملزم قانونًا في هذا الشأن اتساقًا مع البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن في سبتمبر 2021، بما من شأنه تحقيق أهداف إثيوبيا التنموية وبما يحد في الوقت ذاته من الأضرار المائية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية لهذا السد على مصر والسودان وذلك على أساس من احترام قواعد القانون الدولي وعلى النحو الذي يكرس التعاون والتنسيق.جاءت الخطة المصرية الاستراتيجية لإدارة المياه لمواجهة أى انعكاسات محتملة لهذا السد على الأمن المائى المصرى.

الجهود مصرية مكثفة:

قامت الدولة المصرية قبل إطلاق خطة المياه الاستراتيجية 2037، بتنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى في مجالات تحسين نوعية المياه وترشيد استخدامات المياه وتنمية الموارد المائية، ويتضح ذلك فيما يلى:

(&) محطات معالجة الصرف الصحى: تم إنشاء محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الصحى والزراعى، حيث تم الانتهاء الدولة من تنفيذ 54 مشروع معالجة صرف صحي ثنائية وثلاثية (17 محطة ثلاثية و37 محطة ثنائية) بالمناطق القريبة من نهر النيل بالصعيد. كما تم رفع كفاءة 5 محطات ثنائية وتحويلها إلى معالجة ثلاثية. وجار تنفيذ 31 مشروعاً لصرف صحى الحضر والمناطق الريفية، بخلاف العديد من المشروعات الجارى تنفيذها لتوصيل خدمات الصرف الصحي للمناطق الريفية بالمنيا، ضمن المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري. كذلك وضعت محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، مصر على الخريطة العالمية لإيجاد مصادر بديلة لمواجهة التحديات المائية، وتقليل الفجوة الموجودة بين المتاح من الموارد المحدودة. حيث تعتبر المحطة الأضخم من نوعها على مستوى العالم، وتبلغ تكلفة المشروع 20 مليار جنيه، فيما تصل طاقته الإنتاجية إلى 5.6 ملايين متر مكعب في اليوم من المياه المعالجة. ويهدف المشروع إلى معالجة ملوحة مياه الصرف الزراعي، ومنع تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية، وتحسين البيئة في شرق الدلتا.

(&) مشروعات مياه الرى للأغراض الزراعية : حددت الدولة المصرية سياستها الزراعية خلال القرن الجديد من خلال العمل على استصلاح واستزراع الأراضي وما ينتج عنها من زيادة الرقعة الزراعية والتوسع فى كثافة الغطاء الأخضر لمساحات شاسعة من الصحاري ، حيث بلغت المساحة المنزرعة فى مصر 9.4 مليون فدان حتى عام 2020، بزيادة 50% عن المساحة المنزرعة منذ خمسينيات القرن الماضي، وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء؛ وهى تسعى إلى ذلك من خلال مجموعة إجراءات ومشروعات مثل تحلية مياه البحر واستخدامها فى الزراعة، وهو من أهم المحاور المستقبلية لزيادة الموارد المائية، خاصة وأن تكلفته تتناقص باستخدام التقنيات الحديثة.

وقد وصلت موارد مصر المائية من تحلية مياه البحر إلى نحو 292 مليون متر مكعب سنويًا عام 2020، والعمل على  تعديل التركيب المحصولي القائم بما يتلاءم مع سياسة الدولة المائية والإنتاجية والتصديرية وخفض كميات مياه الري للمساحة المحصولية حيث تهـدف خطـة الدولة إلى توفير نحو 1.5 مليار متر مكعب من الميـاه سنـويا عن طريق إحلال زراعـة البنجر محـل قصب السكر وتخفيض المساحـة المزروعة أرز من 1.3 مليون فدان إلى 950 ألف فدان.

(&) مشروعات مياه الشرب: تم تنفيذ 9 مشروعات لمياه الشرب بمحافظة المنيا، من أجل تحسين الخدمة وزيادة الضغوط لخدمة سكان المحافظة، ويجرى الإعداد لتنفيذ عدد آخر من مشروعات مياه الشرب. وقد تم التسليم الابتدائي لمحطة مياه أبوقرقاص، بطاقة 102 ألف م3/يوم، بتكلفة 885 مليون جنيه، وجارٍ تنفيذ شبكاتها، وجار إجراء تجارب التشغيل لمحطة مياه الفرجاني – بنى مزار، وجار التجهيز لإجراء تجارب التشغيل لمحطة مياه آبا البلد – مغاغة، وتنفيذ مشروع توسعات محطة مياه سمالوط، ومحطة مياه مطاي، ومحطة مياه نزلة البدرمان – ديرمواس، ومحطة مياه نزلة أسمنت – ابوقرقاص، ومحطة مياه بنى واللمس – مغاغة، ومحطة مياه دير البرشا – ملوي. كما تم مد وتدعيم شبكات مياه بالمناطق المحرومة على مستوى المحافظة بإجمالى 150 كم بتكلفة إجمالية 55 مليون جنيه.كذلك محطة مياه الحامول بمركز منوف بتكلفة مليار جنيه وهو من المشروعات العملاقة في مجال محطات مياة الشرب.

(&) مشروعات تحلية مياه البحر: تم إنشاء محطة لتحلية مياه البحر بمنطقة الحمام على ساحل البحر المتوسط، بإجمالى طاقة إنتاجية يومية تصل إلى 190 ألف متر مكعب يوميًا لتغطية احتياجات مدينة العلمين ، كما تم تنفيذ محطة تحلية مياه البحر بمدينة الضبعة بالكيلو 120 شرق مدينة مرسى مطروح بطاقة 40 ألف متر مكعب يوميا وبتكلفة إجمالية بلغت مليارا و300 مليون جنيه. كما جرى التوسع في تنفيذ محطات التحلية بالمناطق الساحلية للاستفادة من جميع الموارد المائية المتاحة، وذلك من خلال 76 محطة تحلية قائمة، بطاقة إجمالية 831.69 ألف م3/يوم بمحافظات (شمال سيناء – جنوب سيناء – البحر الأحمر – مطروح – الإسماعيلية – السويس). وجارً تنفيذ 14 محطة تحلية، بطاقة إجمالية 476 ألف م3/يوم، بتكلفة 9.71 مليار جنيه بمحافظات (مطروح – البحر الأحمر – شمال سيناء – جنوب سيناء – بورسعيد – الدقهلية – السويس)، كذلك تم إعداد خطة استراتيجية شاملة لمشروعات التحلية (2020 -2050) للتنفيذ طبقاً لخطة الاحتياجات.

وتأسيساً على ما سبق، يتضح تأكيد الدولة المصرية على أهمية إدارة الموارد المائية بشكل صحيح وكفء يضمن سد الاحتياجات المائية، ويمكن الشعب المصرى من مواجهة التحديات الراهنة. كذلك جاءت الخطة الاستراتيجية لإدارة المياه 2037 لتؤسس أهداف ومشروعات محددة تستهدف تأمين احتياجات مصر المائية، وخلق مصادر مختلفة للمياه يمكن استغلالها فى المجال الزراعى على وجه التحديد. وتزامنت الخطة مع توقيت هام تواجهه مصر وهو تحديات إنشاء سد النهضة وتداعياته السلبية على الأمن المائى المصرى، وهو ما يستدعى إعلاء راية تعظيم موارد مصر المائية وإدارتها بشكل كفء بما يضمن ولو بشكل نسبى تحجيم أى انعكاسات سلبية لهذا السد على مصر.

 

 

 

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى