تحركات ناقصة: كيف تعاملت “واشنطن” مع الأزمة الإثيوبية؟

أدى الصراع المتفاقم في إثيوبيا ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان، إلى دق ناقوس الخطر داخل أروقة البيت الأبيض ومبنى الكابيتول هيل إزاء التداعيات الإنسانية للصراع بما في ذلك الخطر المتزايد للمجاعة واندلاع حرب أهلية كاملة الأركان يمكن أن تزعزع استقرار منطقة بأكملها، الأمر الذي دفع إدارة بايدن إلى النظر في استخدام المجموعة الكاملة من الأدوات المتاحة لها، بما في ذلك التلويح بآلية العقوبات الاقتصادية، استجابة لتطورات الأوضاع في شمال إثيوبيا لتعزيز إنهاء القتال وحماية حقوق الإنسان والمساعدة في تلبية الاحتياجات الإنسانية.

وانطلاقاً من ذلك يسعى هذا التحليل إلى تسليط الضوء على تحركات الإدارة الأمريكية إزاء تأزم الوضع في شمال أثيوبيا، بالإضافة إلى طرح تقييم شامل حول النهج الأمريكي المعيب في منطقة القرن الأفريقي لاسيما في أثيوبيا ومحدودية الدبلوماسية الأمريكية وآلية العقوبات.

حدود الصراع في أثيوبيا:

يبدو أن أثيوبيا تتجه إلى منحنى خطير وذلك بعد نحو عام من اندلاع الأزمة منذ نوفمبر 2020، ويمكن تتبع تداعيات الصراع في شمال أثيوبيا على النحو التالي:

(*) إعلان حالة الطوارئ: بعد عام، لا تزال القوات الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي منخرطة في حرب عنيفة، لكن تغير مسار الصراع بشكل كبير منذ يونيو عندما استولت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي على ميكيلي، عاصمة منطقة تيجراي، وفي يوليو وسعت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي الصراع إلى ولايتي عفار والأمهرة المجاورتين، ومطلع نوفمبر الجاري زعمت أنها استولت على بلدتين استراتيجيتين رئيسيتين على الطريق السريع على بعد مئات الأميال شمال أديس أبابا، هما: كومبولشا وديسي، وأعلنت تقدمها ميدانيا  نحو العاصمة أديس أبابا، الأمر الذي دفع السلطات في أديس أبابا إلى إعلان فرض حالة الطوارئ يوم الثلاثاء الـ2 من نوفمبر الجاري.

(*) تفاقم الأزمة الإنسانية: في الوقت الحالي، يحتاج أكثر من 5 ملايين شخص إلى مساعدة إنسانية فورية، مع وجود مليوني نازح داخليًا، حيث أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 60 ألف شخص قد فروا إلى مخيمات اللاجئين في السودان المجاور، كذلك منذ بداية الأزمة حاولت المنظمات الإنسانية مثل أطباء بلا حدود الوصول إلى مناطق النزاع، لكن الحكومة منعت عمال الإغاثة من دخول المنطقة بل وطردت سبعة من موظفي الأمم المتحدة زاعمين أنهم يتعاونون مع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، كذلك قرار الحكومة الإثيوبية بمنع استيراد الوقود إلى تيجراي منذ أوائل أغسطس جعل من المستحيل على المنظمات الإنسانية توزيع المساعدات، واضطر البعض إلى تعليق العمليات.

(*) تدهور الوضع الاقتصادي: منذ إعادة التصعيد في الشهرين الماضيين واستمرار الصراع، تم الإبلاغ عن شكاوى من تعطل النقل، وارتفاع أسعار مواد المرافق، ونقص الطاقة وإغلاق الأنشطة الحكومية اليومية، مما أدى إلى انهيار الاقتصاد الإثيوبي، كذلك خصصت الحكومة في منطقة الأمهرة الشمالية، ميزانية المنطقة لتمويل الحرب، وفي ضوء ذلك حدد صندوق النقد الدولي معدل التضخم عند 25٪، في حين قامت وكالة فيتش وموديز وستاندرد آند بورز بمراجعة الوضع الإثيوبي نزولاً إلى أدنى درجة.

آليات إدارة بايدن إزاء الصراع:

يعتبر الصراع في إثيوبيا استثناءً، فقد حظي باهتمام كبير وعالي المستوى من المسئولين الأمريكيين لعدة أشهر، ويمكن إبراز ذلك في النقاط التالية:

(&) تصريحات رسمية شديدة اللهجة: أصدرت الولايات المتحدة، عدة بيانات تدعو إلى إنهاء القتال في منطقة شمال أثيوبيا، على سبيل المثال في مايو الماضي اتخذ بايدن خطوة غير عادية بإصدار بيان مستقل عن إثيوبيا، أعرب فيه عن قلقه البالغ، وأكد على أن الولايات المتحدة تحث قادة إثيوبيا ومؤسساتها على تعزيز المصالحة وحقوق الإنسان واحترام التعددية، لأن القيام بذلك سيحافظ على وحدة وسلامة أراضي الدولة، ويضمن حماية الشعب الإثيوبي وإيصال المساعدات المطلوبة بشكل عاجل، وفي مارس الماضي خلال جلسة استماع لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، وصف وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن العنف في منطقة تيجراي بأنه “تطهير عرقي” وأن الوضع غير مقبول.

(&) استحداث منصب جديد لإدارة أزمات منطقة القرن الأفريقي: في إبريل الماضي، تم تعيين الدبلوماسي المخضرم” جيفري فيلتمان “مبعوثاً خاصاً للقرن الأفريقي، وهو منصب جديد استحدثه فريق بايدن من أجل معالجة الأزمة المتفاقمة في إثيوبيا وعدم الاستقرار في المنطقة، والذي وصل إلى أديس أبابا يوم الأربعاء الـ 3 من نوفمبر الجاري في محاولة لبدء حوار بين الأطراف المتحاربة.

(&) تصعيد دور المشرعين الأمريكيين: كشفت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ البارزين من الحزبين الأمريكيين ” السناتور جيم ريش (جمهوري) والسناتور بوب مينينديز ( ديمقراطي) والسناتور كريس كونز (ديمقراطي)، مطلع هذا الأسبوع عن مشروع ” قانون تعزيز السلام والديمقراطية في إثيوبيا لعام 2021 ” و هو تشريع من الحزبين لتعزيز استجابة الولايات المتحدة الدبلوماسية والإنمائية والقانونية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والاستقرار في إثيوبيا، بالإضافة إلى تعليق المساعدة الأمنية الأمريكية لحكومة إثيوبيا والتفويض بالدعم الأمريكي لحل النزاعات وجهود المجتمع المدني لبناء السلام، كما يفرض عقوبات على الفاعلين الأفراد الذين يتبين أنهم يقوضون محاولات الحل أو الذين يستفيدون أو يقدمون الدعم المادي لأي كيان طرف في الحرب الأهلية، حيث أشار الثلاثة إلى أن أثيوبيا لا تزال بعد مرور عام على الصراع الوحشي والمأساوي، تواجه كارثة إنسانية شاملة تنشر الحرب الأهلية.

(&) زيادة الضغط على أطراف النزاع: قامت إدارة بايدن بشكل تدريجي، بزيادة الضغط على مختلف أطراف النزاع، ففي مايو، أعلنت عن حظر تأشيرات لبعض الأفراد الذين يُعتقد أنهم مسئولون أو متواطئون في تقويض حل الأزمة، كما فرضت قيود واسعة النطاق على المساعدات الاقتصادية والأمنية مع استمرار المساعدات الإنسانية، وفي أغسطس فرضت الإدارة عقوبات اقتصادية على الجنرال “فيليبوس ولديوهانيس” رئيس أركان قوات الدفاع الإريترية لدوره في صراع تيجراي، بينما في سبتمبر أصدر بايدن أمرًا تنفيذيًا يصرح بمجموعة من العقوبات الاقتصادية التي يمكن تطبيقها على الجهات الفاعلة في الصراع، وفي مطلع نوفمبر الجاري اتخذ بايدن خطوات نحو منع إثيوبيا من الاستفادة من برنامج تجاري رئيسي يُعرف باسم قانون النمو والفرص في إفريقيا ” أجوا” بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دوليًا، ويوفر قانون أجوا لدول إفريقيا جنوب الصحراء المؤهلة دخولًا معفى من الرسوم الجمركية إلى سوق الولايات المتحدة لمئات المنتجات.

(&) ضمان سلامة الأمريكيين في أثيوبيا: تعتبر إحدى الأولويات القصوى لوزارة الخارجية هي ضمان سلامة موظفيها، بالإضافة إلى الأمريكيين الآخرين الذين قد يقعون في دائرة الصراع، وفي سياق ذلك أصدرت الإدارة إخطارات متعددة تحث الأمريكيين في إثيوبيا على مغادرة البلاد، خاصة وأن الرحلات  لا تزال متاحة، إلى جانب ذلك أشركت الوزارة الشتات الإثيوبي في الولايات المتحدة، للتحذير بشأن الوضع في شمال أثيوبيا، وأخيراً بدأت السفارة الأمريكية في أديس أبابا في تقليص عدد موظفيها، على الرغم من عدم وجود قرار في هذه المرحلة بإغلاق البعثة.

التعامل الأمريكي مع الأزمة: 

على الرغم من لعب الولايات المتحدة العديد من الأدوار الداعمة الحاسمة في التنمية الاقتصادية لأثيوبيا، إلا أنها اتبعت نهج خاطئ في إدارة الأزمات السياسية في منطقة القرن الأفريقي بشكل عام وإثيوبيا بشكل خاص، لاسيما ما يتعلق بنظام الحكم، والذي يمكن تتبعه على النحو التالي:

  • دعم فيدرالية أثيوبيا: دعمت إدارة بايدن الإبقاء على الترتيب الفيدرالي العرقي المعيب في إثيوبيا من خلال استمرار تأكيد التزامها بالاستثمار في تحسين الصحة والتعليم والزراعة والنمو الاقتصادي والحكم الرشيد وتعزيز صمود الإثيوبيين حيث تعتبر الولايات المتحدة هي أكبر مزود للمساعدات الثنائية في إثيوبيا فعلى مدار العشرين عامًا الماضية بلغت استثمارات الولايات المتحدة طويلة الأجل في إثيوبيا أكثر من 13 مليار دولار من المساعدات الإجمالية، الأمر الذي ساهم في تثبيت دعائم الفيدرالية الأثيوبية، والتي تعتبر نظام فاشل ساهم بشكل غير قانوني في خلق الحدود الداخلية للبلاد وفقًا للتصنيفات العرقية واللغوية، وقنبلة موقوتة عندما يتعلق الأمر بوحدة شعب إثيوبيا وسلامة أراضي الأمة.
  • تعزيز الانقسام الطائفي والعرقي في أثيوبيا: أحد الأخطاء الرئيسية في نهج الولايات المتحدة الأخير تجاه السياسة الإثيوبية، هو محاولة إدارة بايدن ووزارة خارجيتها تقسيم الإثيوبيين وفقًا لانتماءاتهم العرقية، حيث أظهرت الولايات المتحدة أنها في الواقع لا تهتم كثيرًا بالوحدة الوطنية لإثيوبيا ومعالجة قضايا الحدود الداخلية دستوريًا، من خلال توجيه أصابع الاتهام ضد شعب الأمهرة وقوات الشرطة الخاصة الإقليمية والميليشيات التابعة له والتي ساعدت في سعي قوة الدفاع الوطنية الإثيوبية لحماية السلامة الإقليمية للأمة.
  • التشكيك في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين: من خلال وقوف إدارة بايدن بشكل علني مع الجانب المصري فيما يتعلق بمشروع سد النهضة، بينما رأت أثيوبيا أن هذا المشروع التنموي لم يلقى الاعتراف الذي يستحقه مما اعتاد أن يكون حليفًا موثوقًا للولايات المتحدة، كما لم تتلقى المساعي التنموية الإثيوبية الدعم الأمريكي من أجل إخراج مواطنيها الفقراء من الفقر وتوفير الكهرباء لأكثر من 60 مليون منهم دون الوصول إليها.

خلاصة القول، يمثل القتال الدائر في أثيوبيا فشلاً ذريعاً لنهج بايدن “الدبلوماسية أولاً” في الشؤون الخارجية، لمدة عام استخدم المسئولون الأمريكيون العديد من أدوات الدبلوماسية الخاصة بهم لإقناع الحكومة الإثيوبية والقوات المتمردة ودفعها والضغط عليها لإنهاء حرب أهلية شرسة دون جدوى، كما أكدت الأزمة في شمال أثيوبيا مدى محدودية الأدوات غير العسكرية الأمريكية عندما يتعلق الأمر بإنهاء النزاعات الخارجية، خاصةً عندما لا يكون الدور العسكري الأمريكي خيارًا واقعيًا ولن يساعد بالضرورة على أي حال، بالإضافة إلى ذلك على الرغم من تبنى إدارة بايدن مؤخراً آلية فرض العقوبات إلا أن لا ينبغي عقد آمال كبيرة في أن يثني نظام العقوبات الأطراف المتحاربة عن الاستمرار في مسارها الخطير، وذلك بالنظر إلى تحركات محتملة من قبل روسيا والصين وحتى تركيا في تقويض تهديد العقوبات الأمريكية، على سبيل المثال تواصل تركيا توسيع طموحاتها الدبلوماسية والاقتصادية في القرن خاصة بعد أن عرضت التوسط في النزاعات بين إثيوبيا والسودان حول اللاجئين والأراضي الزراعية الخصبة في الفشقة، وتصريحها بدعم حل سلمي لنزاع تيجراي، بينما من جانب أخر قد تميل روسيا إلى إقحام نفسها في منطقة أخرى، حيث يمكنها إلحاق الضرر بأهداف الولايات المتحدة، فقد كانت سياسة روسيا عبر إفريقيا وفي بعض الأماكن الأخرى، تستهدف تقويض جهود الولايات المتحدة ببساطة من خلال معارضتها واختراق منطقة القرن الأفريقي عن طريق الاتفاقيات والمنتجات العسكرية، أما فيما يتعلق بالصين فهي لديها مصالح في إثيوبيا حيث تعتبر الوصول إلى البحر الأحمر أولوية استراتيجية، بالتالي لن ترغب في تغيير الحكومة في أثيوبيا وتفجر الوضع في إثيوبيا إلى حرب أهلية معقدة وطويلة الأمد من شأنها أن تقوض سياستها الأساسية في القرن الأفريقي، بما في ذلك احتفاظها بقاعدة عسكرية في جيبوتي.

 

 

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى