هل يتخوف العالم بعد دعوة “الصين” بتخزين السلع؟

مع التوقعات بظهور موجات كبيرة من التضخم تجتاح اقتصادات العالم بعد الارتفاعات السريعة فى أسعار السلع الغذائية والنفط، أصبح العالم أمام حالة من الاستعداد للتصدى لارتفاعات الأسعار وتأثيرها على المستويات المعيشية للمواطنين وتحقيق التوازن بين الطلب والعرض، وسط تخوفات باتجاهات أسعار السلع العالمية فى ظل حالة عدم اليقين من موعد السيطرة على جائحة كورونا مع مواصلة أسعار النفط للارتفاع، وبعد إيعاز وزارة التجارة الصينية لمواطنيها فى الثانى من نوفمبر 2021، بتخزين احتياجاتهم الأساسية من المواد الغذائية استعدادا لأي طوارئ محتملة.

وقد كانت مصر كغيرها من الدول، حيث شهدت ارتفاعًا فى أسعار السلع والوقود، والذى ظهر فى رفع أسعار البنزين والسولار ثلاث مرات على التوالى منذ عام 2021، وإعلان وزير التموين والتجارة الداخلية فى 30 أكتوبر 2021، رفع أسعار زيت التموين ليصبح سعر الزجاجة 25 جنيهًا بدلا من 21 جنيهًا اعتبارًا من نوفمبر 2021، لمواكبة ارتفاع أسعار الزيت عالميًا.

موجة تضخمية عالمية:

شهدت أسعار السلع العالمية ارتفاعًا منذ أغسطس 2021 هو الأعلى منذ عقد من الزمان، فبحسب مؤشر أسعار الأغذية، الذى تصدره منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لقياس التغير الشهري في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية الأساسية، باستخدام معدل نسب تصدير خمس مجموعات من السلع (اللحوم-منتجات الألبان-الحبوب-الزيت النباتى السكر)، بلغ متوسط المؤشر نحو 130 نقطة فى سبتمبر 2021، بزيادة قدرها 1.5 نقطة عن أغسطس 2021، و5.6 نقطة عن شهر يوليو السابق لهم، نتيجة زيادة أسعار معظم الحبوب والزيوت النباتية وأسعار الألبان والسكر، نتيجة الزيادة الكبيرة فى أسعار الزيوت النباتية حيث زاد متوسط مؤشر أسعار الزيوت النباتية بمقدر 13.01 نقطة فى سبتمبر مقارنة بـشهر يوليو 2021، يليها الحبوب والتى ارتفع مؤشرها بنحو 7 نقاط، ثم السكر 11.6 نقطة أما الألبان واللحوم فكانوا الأقل ارتفاعا بما لا يتجاوز 1.5 نقطة لكل منهما.

المصدر 1إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة

ولم يكن الارتفاع فى الأسعار للغذاء فقط، فالارتفاع الأكبر والأول هو فى  أسعار النفط  والغاز الطبيعى، والذى يرجع إلى زيادة الطلب على الوقود مع قرارات الدول بتخفيف الإجراءات الاحترازية فى ظل زيادة عمليات التطعيم ضد جائحة كورونا وعودة حركة الإنتاج إلى طبيعتها تدريجيا وانخفاض الكميات المعروضة من النفط فى الفترات السابقة، فإذا نظرنا إلى العقود الآجلة لخام برنت نجد أنها زادت لأكثر من 60% منذ بداية عام 2021، وتجاوزت لأول مرة 80 دولارا للبرميل لتصل لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات.

وعلى الجانب الأخر فقد دفعت الزيادات فى أسعار النفط زيادات مقابلة  في أسعار الغاز الطبيعي أيضا كبديلا أرخص نسبيا لتوليد الطاقة وزيادة الطلب القوي على الغاز الطبيعي في جميع أنحاء أوروبا وآسيا للتدفئة، حتى بات تداول العقود الآجلة للغاز الطبيعى عند 5.585 دولار فى 5 نوفمبر 2021، بعد أن كانت عند 2.561 دولار فى 12 أبريل 2021.

اتجاهات مستقبلية:

ترتبط التوقعات المستقبلية باتجاهات أسعار السلع العالمية مرتبطة بشكل كبير بحجم الطلب عليها وما يقابله من كميات معروضة من جهة وأسعار الوقود من جهة أخرى والتى تؤثر على تكلفة الإنتاج والنقل، ولكن فى ظل عالمنا اليوم وما بات يشهده من تقلبات وتغيرات سريعة بسبب حالة عدم اليقين من موعد السيطرة على جائحة كورونا وما إذا كانت التطعيمات الحالية فعالة ضد أية تحورات جديدة تظهر لها أم لا.

وإذا نظرنا إلى أسعار النفط  والغاز الطبيعى العالمية والتى تعتبر من ضمن أسباب ارتفاع أسعار السلع فى الفترة الأخيرة، فقد اعتاد الاقتصاد العالمى على أن يشهد ارتفاعات فى أسعار النفط بعد الخروج من الأزمات وحالات الركود الاقتصادى، وبالتالى فإن انتعاش الطلب القوى على النفط فى الوقت الحالى هو سببًا رئيسيًا فى ارتفاع أسعاره على أن يعاود الانخفاض بمجرد ضخ المزيد من الكميات المعروضة فى السوق وتراجع الطلب لمستوياته المعتادة، وهو ما يمكن توقعه فى الأجل القصير بسبب إعلان السعودية فى 4 نوفمبر 2021، بأن إنتاجها من النفط سيتجاوز 10 ملايين برميل يوميا فى ديسمبر 2021 لأول مرة منذ بدء كورونا، على الرغم من اتفاق أعضاء مجموعة “أوبك+” على التمسك بالخطة المتفق عليها لرفع الإنتاج التدريجي وتثبيته حاليًا عند 400 ألف برميل يوميًا.

وبالتالى، ستخلق زيادة الإنتاج النفطى تدريجيا فائضًا من الكميات المعروضة مع بداية العام القادم 2022، مما يؤدى إلى تراجع أسعار النفط والغاز الطبيعى، ومع عودة حركة الإنتاج لطبيعتها للسلع، سيؤدي كل هذا إلى زيادة احتمالية انخفاض أسعار السلع العالمية فى النصف الثانى من عام 2022، ولكن هذا لا يتحقق إلا مع قدرة العالم بالسيطرة على جائحة كورونا، وتحقيق التعافى الاقتصادى.

تأثر الاقتصاد المصرى:

شهد الاقتصاد المصرى فى الفترة الأخيرة ارتفاعًا فى أسعار البنزين والغاز الطبيعى وزيت الطعام وبعض السلع تأثرًا بارتفاع أسعار السلع العالمية، فقد أعلنت لجنة التسعير التلقائى للوقود زيادة أسعار البنزين والسولار ثلاث مرات منذ أبريل 2021 بواقع 25 قرشًا للتر فى كل مرة، وفى 29 أكتوبر 2021 أصدر مجلس الوزراء قراره بتحديد سعر بيع الغاز الطبيعي المورد للأنشطة الصناعية، متضمنًا زيادة أسعار الغاز الطبيعي لمصانع الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والبتروكيماويات، على أن يحدد سعر بيع الغاز الطبيعي المورد للأنشطة الصناعية من 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية إلى 5.75، وذلك بنسبة زيادة تقدر بـ28%، ومع الزيادة الكبيرة فى الأسعار العالمية للزيوت النباتية، أعلن وزير التموين والتجارة الداخلية فى 30 أكتوبر 2021، رفع أسعار زيت التموين ليصبح سعر الزجاجة 25 جنيهًا بدلا من 21 جنيهًا اعتبارًا من نوفمبر 2021.

وينعكس تأثير هذه الارتفاعات فى الأسعار بشكل مباشر على الاقتصاد المصرى على معدل التضخم وعجز الموازنة العامة للدولة ووضع الميزان التجارى، حيث تشكل مجموعات الطعام والمشروبات والنقل والمواصلات ما نسبته من الوزن النسبى للمجموعات الرئيسية لحساب الأرقام القياسية لأسعار المستهلكين وهو41.9%.

المصدر 2إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء

أما عن التأثير على الموازنة العامة للدولة، ففى الوقت الحالى الذى ترتفع فيه أسعار النفط العالمية سيؤثر هذا سلبًا على أداء الموازنة فى النصف الأول من العام المالى الحالى 2021/2022، من حيث صافي علاقة الخزانة مع هيئة البترول، والتى تحدد بها متوسط سعر برميل النفط لخام برنت بنحو 60 دولار، وفى حالة ارتفاع سعر النفط العالمى ليفوق الافتراضات المتوقعة بنحو  دولار واحد للبرميل سيؤدى هذا إلى زيادة العجز الكلى المستهدف، أما مع التوقعات بزيادة الفائض من النفط مع بداية العام القادم مع الزيادة التدريجية للإنتاج وزيادة وتيرة الإصابات من جائحة كورونا حول العالم مع برودة الطقس، فسيكون هذا التأثير إيجابيًا على العجز بالموازنة.

كما سيتأثر أيضًا وضع الميزان التجارى بالتغيرات فى الأسعار فى ظل اعتماد مصر على تغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها من الحبوب والزيوت النباتية من الخارج، حيث يحتل ميزان المواد الغذائية بما فيها الحبوب ومنتجات المطاحن المركز الثانى فى قيمة العجز بالميزان السلعى المصري، بعد ميزان الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية، وبلغت قيمة هذا العجز نحو 6.7 مليار دولار فى الشهور التسعة الأولى من العام المالى السابق 2020/2021.

المصدر 3إعداد الباحثة، بالاعتماد على إحصائيات البنك المركزى المصرى

ومن الآليات التى من الممكن أن تخفف من حجم التأثير على الاقتصاد المصرى أن يتم وضع خطط بديلية لزيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية، وزيادة الرقابة على الأسواق بسن قانون يمنع المورد من رفع سعر سلعة أو خدمة، بدون الحصول على موافقة من جهاز حماية المستهلك وذلك بتقديم طلب إلى الجهاز لرفع سعر السلعة أو الخدمة مع تقديم الأسباب التى تبرر الزيادة المقترحة في السعر، والسماح للجمعيات التعاونية ومراكز التسوق العامة بالاستيراد المباشر لكسر الاحتكار وتنمية دور جمعيات حماية المستهلك للحد من تأثيرات العوامل الداخلية في ارتفاع الاسعار، وتشجيع زيادة الإنتاج حتى يكون العرض موازيًا للطلب

وختامًا، على الرغم من أن الخروج من الركود الاقتصادى العالمى يعتبر الأمل لكثير من دول العالم لعودة حركات الإنتاج بها، إلا أن لهذا ضريبة لابد من تحملها فى صورة ارتفاع لأسعار السلع والوقود، والذى يكون لفترات زمنية معينة، تعود بها الأسعار للانخفاض تدريجيًا.

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى