هل أصبح الخيار الدبلوماسي الأنسب لمواجهة إيران؟

في ضوء التعليق المستمر من الجانب الإيراني بالاستعداد للمشاركة في محادثات فيينا، فقد لوحت مؤخراً كلا من  واشنطن وتل أبيب باللجوء إلى الخيار العسكري ضد طهران حال فشل المسار الدبلوماسي، حيث تظل إيران تتلاعب بالمفاوضات لكسب مزيداً من الوقت، ويرفض الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي حتى الآن استئناف المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة في فيينا، بشأن معاودة كلا الجانبين الامتثال للاتفاق الذي قلصت إيران بموجبه برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.

لذلك يتم تكثيف كل الجهود الآن من الغرب لعودة إيران إلى الاتفاق النووي الذي أبرم في فيينا في العام 2015 بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا وألمانيا من جهة أخرى، والذي ينص على رفع جزء من العقوبات الغربية والأممية المفروضة على إيران في مقابل التزامها بعدم تطوير أسلحة نووية وكبح برنامجها النووي ووضعه تحت رقابة أممية صارمة .

تحررت طهران تدريجياً عن معظم التزاماتها بعد الانسحاب الأمريكي الأحادي الجانب من الاتفاق في العام 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وفي أبريل بدأت في فيينا مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة الدول المشاركة في الاتفاق النووي بهدف إنقاذه، لكن المحادثات علقت بعدما جاء المحافظ المتشدد “إبراهيم رئيسي” رئيساً للجمهورية الإسلامية، ولم تستأنف بعد، ولم يتم تحديد موعداً لاستئناف المفاوضات، ما دفع الأمريكيين والأوروبيين إلى التحذير من أن صبرهم بدأ ينفد.

وبناءً عليه، اتخذ مسئولون من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي نهجاً تصعيدياً إزاء إيران لأول مرة بشكل أكثر جدية مما سبق إذ قال مسئولون أميركيون إنهم سيبحثون جميع الخيارات، إذا تقاعست طهران عن إحياء اتفاق 2015 النووي، وأعلنت إسرائيل أنها تحتفظ بحق التصرف، ومن هنا أشارت الولايات المتحدة إلى وجود “خطة بديلة” في حال فشل المسار الدبلوماسي مع إيران، وبدأ الأمريكيون يتحدثون أكثر فأكثر عن ضرورة إعداد خطط بديلة في ملف إيران النووي، وقال المبعوث الأمريكي المكلف الملف الإيراني  “روب مالي” الذي قاد المفاوضات غير المباشرة مع إيران في وقت سابق من العام الحالي: “إننا واقعيون، نحن ندرك أن هناك على الأقل احتمالاً كبيراً بأن تختار طهران مساراً مغايراً، وعلينا أن ننسق مع إسرائيل ومع حلفائنا في المنطقة”.

خيارات متاحة:

جاء التحذير أميركي لإيران من اعتماد مقاربة مختلفة في حال تعثر المسار الدبلوماسي للتعامل مع برنامجها النووي الذي سبق وأن أثار توترات لأعوام مع الدول الغربية، وجاء التصريح  الرسمي، حيث  قال وزير الخارجية الأميركي “أنتوني بلينكن” في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي يائير لبيد، إن الولايات المتحدة تعتبر أن “الحل الدبلوماسي هو السبيل الأفضل”؛ لكنه أشار بحزم أكبر من السابق إلى أن واشنطن لن تنتظر فترة طويلة لاستئناف المباحثات المعلقة، معتبراً أن “الحوار يتطلب طرفين ولم نلمس في هذه المرحلة نية لدى إيران”، وأضاف “نحن جاهزون للجوء إلى خيارات أخرى إن لم تغير إيران مسارها”، كما جاءت التحذيرات الإسرائيلية، فقد لوح من جهته، لبيد باستخدام القوة حيال طهران، العدو اللدود لإسرائيل في المنطقة، وقال “تحتفظ إسرائيل بحق التحرك في أي وقت وبأي طريقة”، ويتهم مسئولون إسرائيليون إيران بشكل متكرر، بالسعي لتطوير سلاح ذرّي، وأن تل أبيب لن تسمح بذلك.

وقد اتخذت الإدارة الأمريكية، خلال الفترة الأخيرة، لهجة تصعيدية تجاه إيران وأعلنت عن عدد من التدابير، والتي يمكن توضيحها على النحو التالي:

(*) الانسحاب من المفاوضات: هددت واشنطن بالانسحاب من المفاوضات، إذ أكدت أنها لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فضلاً عن التحذير باتخاذ “مسارات أخرى”، إذا فشل التفاوض مع إيران، وهي بذلك تسعى للتأكيد أمام المجتمع الدولي أن طهران هي التي تتعنت للتفاوض، وتهيئ المجتمع الدولي للقبول بخيارات أخرى.

(*) تحجيم التهديدات الإيرانية: أطلقت واشنطن قوة عمل جديدة تضم طائرات من دون طيار محمولة جواً وبحراً ضمن المهام القتالية للأسطول الخامس الموجود في المنطقة، في إطار سعي الولايات المتحدة لتأمين حركة التجارة والملاحة، وتحجيم قدرة إيران على استهداف السفن والناقلات النفطية والتهديد بإغلاق المضائق الحيوية في المنطقة.

(*) فرض عقوبات إضافية: أشارت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، روبرت مالي، في 4 سبتمبر الماضي، إلى أن واشنطن أعدت بعض الخطط الطارئة، والتي منها فرض مجموعة من العقوبات الجديدة بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، من دون توضيح ماهيتها، كما بدأت إدارة بايدن في تبني سياسات لتقييد قدرة طهران على استيراد المكونات التي تدخل في تطوير الصواريخ والطائرات من دون طيار، بما يحجم من التهديدات الإيرانية في النهاية.

(*) تنفيذ عمليات تخريبية: صرح الرئيس الأمريكي، جو بايدن، عقب مباحثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، “نفتالي بينيت”، في 27 أغسطس الماضي، أن واشنطن مستعدة “للتحول إلى خيارات أخرى”، في إشارة إلى امتلاك واشنطن بدائل للتعامل مع إيران، غير الخيار الدبلوماسي.

احتمالات التصعيد:

نقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا): إنه “خلال الأشهر الأخيرة ازداد عدد وشدة تهديدات الكيان الإسرائيلي الاستفزازية والمغامِرة باستمرار”، وإن التهديدات الإسرائيلية تثبت بلا شك أن إسرائيل هي المسئولة عن “الهجمات الإرهابية على برنامجنا النووي السلمي في الماضي”، وجاء الرد الرسمي الإيراني، من تحذير إسرائيل من
“أي خطأ في الحسابات أو مغامرة محتملة ضد إيران”، جاء ذلك في رسالة وجهها “تخت روانجي” إلى الرئيس الدوري لمجلس الأمن الدولي رداً على التهديدات الإسرائيلية لإيران، وسبق لإيران أن اتهمت إسرائيل بالوقوف خلف اعتداءات طالت منشآتها النووية واغتيال علماء في هذا المجال، وحذرت إيران عبر مندوبها إلى الأمم المتحدة، من أي “مغامرة” عسكرية قد تطال برنامجها، خصوصا من إسرائيل، وتبدي إيران موقفاً متعنتاً إزاء استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة، وتتبنى نهجاً يقوم على المماطلة في العودة للمفاوضات مع تصعيد أنشطتها النووية، وهو ما يمكن توضيحه كالآتي:

(&) المماطلة: أوقفت إيران التفاوض في فيينا، والتي عقدت آخر جولاتها في أواخر يونيو الماضي، بحجة فوز إبراهيم رئيسي بالانتخابات في أغسطس الماضي، والانتظار لحين تشكيله حكومة جديدة، وحتى الآن لم يتم الإعلان عن موعد لاستئناف المفاوضات، بل صرح وزير الخارجية الإيراني الجديد، أمير عبداللهيان، مطلع سبتمبر الماضي، أن العودة للتفاوض “تستغرق شهرين أو ثلاثة حتى تصبح الحكومة الجديدة راسخة وتخطط لأي نوع من القرارات بشأن هذا الموضوع”- أي أنه لن يتم استئناف المحادثات حتى ديسمبر القادم.

(&) شرطية رفع العقوبات أولاً: يؤكد الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، ضرورة أن يتم رفع جميع العقوبات المفروضة، حتى يتسنى لطهران المضي قدماً في التفاوض مع واشنطن، فضلاً إصرار إيران على عدم التطرق إلى أي موضوع خارج نطاق الاتفاق النووي، وهما شرطان تدرك طهران أن واشنطن ترفضهما بشكل مبدئي.

(&) تعنت خامنئي: يدخل ملف المفاوضات النووية ضمن الاختصاصات التي تقع في يد المرشد علي خامنئي في إيران، بينما يكون دور الرئيس وحكومته فيه محدوداً، وتقتصر على تنفيذ التعليمات التي يصدرها المرشد- أي أن المماطلة والتسويف الإيراني هما بتوجيه من المرشد، والذي بات على قناعة بأن واشنطن تراهن على الحلول الدبلوماسية وحدها، ولا تمتلك أي خيارات أخرى في التعامل معها.

(&) طرد المفتشين النوويين: أوقفت إيران اتفاق مراقبة الأنشطة النووية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 24 يونيو الماضي، ما يعني عدم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول البلاد لمراقبة والتحقق من التزامات إيران المتعلقة بالمجال النووي بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة.

(&) التصعيد في الملف النووي: سرعت إيران وتيرة تخصيبها اليورانيوم، والذي وصل إلى حوالي 10 كيلوجرامات عند مستوى تخصيب 60%، وفقاً لما أشارت إليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 7 سبتمبر، فضلاً عن إنتاجها معدن اليورانيوم، والذي يُستخدم في صناعة الأسلحة النووية، بمقدار 200 جم بنسبة تخصيب 20%، وفق تقرير آخر للوكالة صادر في 17 أغسطس الماضي، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاق النووي، وتمكنت إيران من القيام بذلك عبر توظيف أجهزة طرد مركزي متقدمة، خاصة من الجيل السادس، في محطتي نطنز وفوردو، وباستخدام مجموعتين من أجهزة الطرد المركزي بدلاً من مجموعة واحدة.

وبناء على ما سبق، يمكن التأكيد على أن وصول إيران لحيازة سلاح نووي هو خط أحمر بالنسبة لتل أبيب وكذلك لواشنطن، غير أنها لم تتبين بعد أي سياسات، سيتم تنفيذها، يمكن أن تعيد إيران للتفاوض حول برنامجها النووي، كما أنه ليس من الواضح متى ستقرر واشنطن أنه لم يعد بالإمكان الرهان على الخيار الدبلوماسي، خاصة أن غياب الرقابة الدولية عن أنشطة إيران النووية يجعلها غير قادرة على تحديد حجم التقدم الذي تحرزه إيران في مستويات تخصيب اليورانيوم، ولكن يمكن هنا الجزم بأنه تظهر السياسات التي يمكن أن تستهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني، مع تجنب خيار الذهاب لمواجهة عسكرية شاملة ضد إيران، في تحجيم طهران عسكرياً، في حال قررت النظر في خيارات أخرى غير المسار الدبلوماسي، سواء تمثل ذلك في العقوبات الاقتصادية، أو العمليات التخريبية، وفي المقابل، نجد أيضاً تُصر إيران على المماطلة وكسب الوقت عبر فرض شروط جديدة لتجنب الجلوس على طاولة المفاوضات، وهي كلها مؤشرات تكشف عن أن خيار العمليات التخريبية بات خياراً مطروحاً أمام واشنطن، وبالتنسيق مع إسرائيل، لتحجيم التهديدات الإيرانية، هذا جنباً إلى جنب مع استخدام أداة العقوبات الاقتصادية، ورغبة إيران في الإفراج عن الأموال الكاش في البنوك الأمريكية والغربية، ورفع اسم رئيسي والمرشد مبدئيًا من قائمة العقوبات، والذي يعد شرطاً غير منطقي، إذ إن رفع العقوبات لن يجعل هناك أمام إيران أي حافز لتقديم تنازلات في الملفات الخلافية، ومن المنتظر خلال فترة قصيرة جدا استئناف المفاوضات النووية الإيرانية، ، ومن دون شروط مسبقة والتي تأجلت منذ يونيو الماضي، بعد نحو ست جولات لم تتحقق منها ثمة نتائج.

د.سهرة القاسم

رئيس برنامج دراسات الخليج العربي. حاصلة على الدكتوراه في موضوع أثر التنافس التركي الإيراني على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة – رئيس قسم الرصد والتحليل بالمركز الإعلامي لمجلس الوزراء-مدرس مادة الرأي العام والإعلام جامعة الإسكندرية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى