ماذا يمثل إكسبو دبي 2020 لدولة الإمارات؟

مر 20 يوماً على انطلاق المعرض الدولى (إكسبو 2020 دبي) الذي دشنته دولة الإمارات العربية المتحدة مطلع أكتوبر الجاري 2021، بمشاركة دولية واسعة وبإجمالي استثمارات من حكومة دبي تبلغ 7 مليارات دولار، سبقتها حملات ترويجية على مختلف المنصات الإعلامية التقليدية والبديلة مما يشي بأهمية هذا الحدث العالمي بالنسبة لإمارة دبي خصوصا ولدولة الإمارات بوجه عام.

وتأسيسا على ما سبق؛ نستعرض في هذا التحليل أبرز ما ينطوي عليه هذا الحدث العالمي من دلالات ورسائل من دولة الإمارات وقياس تأثيراته المحتملة عليها في المجالات الاقتصادية والسياسية والتجارية.

ماذا يمثل إكسبو دبي 2020؟:

بدأت رحلة المعارض الدولية منذ 170 عامًا وشهدت منذ ذلك التاريخ عرض آخر ما توصلت إليه البشرية من ابتكارات أو لمسات إبداعية، إذ افتتح أول معرض في كريستال بالاس في لندن 1851، وكان برج إيفل واجهة معرض باريس 1889، وهو ما أجهض الهدف التريجي للمعرض لارتباطه بالاستغلال الاستعماري لموارد الجزائر، فيما أبرز معرض القرن الحادي والعشرين عام 1962 بمدينة سياتل الأمريكية فصلا جديدا من تاريخ البشرية جسده برج إبرة الفضاء.

وتعد ساحة الوصل المعلم الرئيسي للمعرض، وهي أكبر قبة غير مدعومة في العالم وستظل حاضرة في قلب مدينة دستركت الذكية التي ستحل محل إكسبو عقب انتهائه بنهاية مارس 2022، عبر الاستفادة من 80% من البنية التحتية والحلول المستدامة المتمظهرة في مجالات الكهرباء والمياه والبيئة. فيما يعود شعار إكسبو إلى قطعة أثرية فريدة تم العثور عليها في موقع ساروق الحديد جنوبي إمارة دبي.

كما توجد ثلاث مناطق تلخص إلى حد كبير رسالة المعرض، وتستعرض إمكانات الاستجابة العالمية في مواجهة التحديات المشتركة؛ ففي المقدمة تأتي  منطقة الاستدامة التي تعرض دور التقنيات الحديثة في تعزيز الاستدامة البيئية عبر الاستغلال الأمثل للموارد المتجددة مثل الطاقة الشمسية بالتواؤم مع أنشطة الترفيه وسط المناظر الطبيعية.

وتالياً تبرز منطقة التنقل كمساحة لأبرز المنجزات في وسائل ومسارات النقل المبتكرة، بجانب استكشاف الفضاء والذي توج مؤخرا مسيرة دولة الإمارات في عامها الخمسين. وجدير بالذكر انطلاق أسبوع الفضاء منذ يوم الأحد 17 أكتوبر ويستمر حتى 23 من الشهر الجاري ويتخلله مجموعة متنوعة من الفعاليات تزين قبة ساحة الوصل بعروض حول الكواكب والنجوم، بالإضافة لعروض فنية مستوحاة من عالم الفضاء.

وتحت عنوان تحولات الحياة البشرية تأتي أخيرا منطقة الفرص والتي تضم أجنحة الكثير من الدول العربية للتعرف على تاريخها وتنوعها الحضاري والثقافي، علاوة على استعراض إمكاناتها الاقتصادية الواعدة، لتشكل بذلك عامل جذب للسياحة والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي توفرها تلك الدول.

واتخذت دولة الإمارات من إكسبو دبي منصتها للولوج إلى المستقبل، ويبرز المعرض “تواصل العقول وصنع المستقبل” عنوانا رئيسيا له، باعتباره يوفر مجالا للحوار والتواصل  بين الحضارات والثقافات ومناقشة التحديات المشتركة بما يساهم في خلق رؤى لواقع أفضل للبشرية.

ويرتكز موقع إكسبو، البالغ مساحته 4.38 كيلومتر مربع، في جبل علي جنوب دبي، متوسطا المسافة بين مطار آل مكتوم ومطار دبي الدوليين لتحقيق أقصى استفادة من حركة الملاحة الجوية بجانب وسائل النقل البري المختلفة، حيث عملت الدولة على تعزيز طاقتها الاستيعابية بإضافة مرافق جديدة مثل إنشاء محطة مترو جديدة تخدم الحدث وتسع نحو 46000 شخص.

الرسائل والدلالات:

كان لاستضافة دبي هذا الحدث أهمية خاصة نظرا للمكاسب المتعددة التي ستجنيها دولة الإمارات على المستويات الاقتصادية والتجارية والسياسية وتتمثل في الآتي:

(*) وجهة سياحية مفضلة: تضرر قطاع السياحة بصورة كبيرة جراء جائحة كورونا والقيود التي فرضتها على حركة الملاحة الجوية لأغلب الوجهات السياحية، وهو ما تأمل الإمارات في معالجته من خلال المعرض إلي يستهدف جذب 25 مليون زائر خلال 182 يوم، بما يدفع قطاعات خدمية للانتعاش مثل الفنادق والمطاعم ووسائل النقل وغيرها.

وفي السياق أعلن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد في السادس من أكتوبر عن تجاوز بلاده لجائحة كورونا وجاهزيتها لاستئناف أنشطة الحياة الطبيعية في أسرع وقت، ما يعني أن الدولة مستعدة للتعامل مع أي طفرات جينية للفيروس أو التصدي لأي أزمات صحية مستقبلية بآليات المواجهة المتوفرة وحواضن وإمكانات الابتكار في التقنيات الجديدة.

(*) قدرات اقتصادية واعدة: يأتي المعرض في مرحلة جوهريا في عمر دولة الإمارات بانتهاء مسيرة خمسين عام من بناء الدولة شهدت إطلاق مسبار الأمل مؤخرا إلى مداره حول سطح المريخ، واستقبال مرحلة جديدة بمنجهية وأجندة عمل مختلفتين تعزز استدامة النموذج التنموي عبر الخروج الآمن من عصر النفط وتبني نهج حكومي أكثر ديناميكية ومرونة لدعم مسارات التحول حتي تستطيع الدولة في المطاف الأخير تأسيس أول مستعمر بشرية لها على الكوكب الأحمر بحلول 2071.

ويمثل إكسبو استعراضا للفرص المتاحة للنمو والميزة التنافسية لإمارة دبي ودولة الإمارات بوجه عام في منطقة الشرق الأوسط ببنيتها التحتية الذكية والمستدامة، أكثر من كونه عرضا متفاخرا لمنجزات الدولة، فمن خلال استضافتها للحدث، تسعى دبي لتعزيز موقعها ودورها الريادي في المنطقة، في ظل منافسة محمومة مع دول المنطقة حول استضافة المقر الإقليمي للشركات العالمية، حيث ستحتفظ مدينة دستركت المستقبلية بمقرات دائمة لشركتي سيمينز وأكسنتشر، بجانب موانئ دبي العالمية،ويتوقع محللون أن يدعم إكسبو اقتصاد دبي بنحو 33 مليار دولار، كما يوفر 300 ألف فرصة عمل.

(*) صياغة الدور: يعد المعرض علامة فارقة في مسار صقل القوة الناعمة لدولة الإمارات، فباتت أبوظبي قادرة على استغلال موارد هذه القوة في بناء دور جديد على الساحتين الإقليمية والدولية، إذ تنسج التفاصيل المعمارية الدقيقة لمعالم المعرض حالة من التواصل الحضاري والثقافي والديني العابر للأبعاد الزمانية والمكانية، بصورة تعكس رؤية القيادة الحالية لحلول الأزمات الدولية المختلفة.

كما يعزز جمع هذا العدد من الدول والمنظمات في مكان واحد على طرح العديد من القضايا التي تشكل تحديا أمام المجتمع الدولي، إذ تتضمن فعاليات المعرض 10 موضوعات أساسية في 10 أسابيع حول موضوعات أبرزها على الإطلاق التغير المناخي والاستدامة البيئية ووضع تصورات وحلول تتبناها دولة الإمارات ضمن أجندة عملها في مجلس الأمن العامين المقبلين، في مؤشر على دعمها لآليات العمل الجماعي وإيلائها اهتماما.

ولا شك أن العوامل المباشرة لنجاح إكسبو المتمثلة في جذب ملايين الزائرين والترويج السياحي لدبي، تتوافر بقوة نظرا لحجم الإقبال خلال الثلاث أسابيع الماضية، إلا أن القيمة الاستراتيجية للحدث ستنعكس على دولة الإمارات في المدى البعيد، فعلى هامش إكسبو، يتحقق لأبوظبي الفرصة للتباحث وإبرام اتفاقات ذات طابع استراتيجي، وهو ما حدث بالفعل من خلال التباحث حول التبادل التجاري والسياحة دول ومنظمات إقليمية ودولية.

والجدير بالذكر أن دولة الإمارات قد دأبت على إنهاء أي خلافات أو توترات سياسية قد تؤثر على هذا الحدث العالمي، كان من بينها المصالحة مع قطر في يناير الماضي وما تبعها من لقاءات جمعت الطرفين في بغداد ونيوم فضلا عن اللقاءات الثنائية المتبادلة، وكذلك التواصل مع الجانبين الإيراني والتركي في مناسبات مختلفة، وسبق كل ذلك توقيع اتفاق سلام مع الجانب الإسرائيلي عام 2020، بينما تسير باتجاه التطبيع الكامل للعلاقات مع الحكومة السورية ودعم عودتها إلى جامعة الدول العربية وهو ما ظهر من خلال مباحثاتها مع الوفد السوري المشارك في إكسبو والاتفاق على إعادة تفعيل مجلس رجال الأعمال بين البلدين.

وختاما؛ تُقبل دولة الإمارات على مرحلة جديدة من التحديات في سياق التحول الاقتصادي وفك الارتباط بالنفط كسلعة استراتيجية آيلة للنضوب، مما يدفعها لإعادة التموضع الاستراتيجي على الساحة العالمية من خلال استعراض إمكاناتها وتعزيز الشراكات الدولية في مجالات متنوعة منها الطاقة والاستدامة البيئية والغذاء والنقل واستكشاف الفضاء.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى