رسائل مقلقة من العراق

د. نيفين مسعد

انتهى مقال الأسبوع الماضى إلى أن الانتخابات العراقية سوف تعيد توزيع مقاعد مجلس النواب بين نفس القوى السياسية التى كانت موجودة فى مجلس عام ٢٠١٨،وهذا هو ما نستخلصه بالفعل من النتائج الأوّلية التى أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات.فوفقًا للنتائج الأولية فإن تيار الصدر مازال يحتفظ بالمركز الأول مع زيادة مقاعده بنسبة كبيرة تصل إلى حوالى 40% وتقدّم ائتلاف دولة القانون الذى يترأسه نورى المالكى من المركز الرابع إلى المركز الثالث،وتراجَعت قوى شيعية أساسية بشكل لافت مثل تيار الفتح الذى يتزعمه هادى العامرى إذ انخفضت نسبة مقاعده بحوالى 70% أما التراجع الأكبر فكان من نصيب تحالف قوى الدولة الذى تشكّل من تيار الحكمة (عمّار الحكيم) وائتلاف النصر(حيدر العبّادي) إذ فقدا معًا حوالى 90% من مقاعدهما.

أما على الجانب السنّى فلقد جاء تحالف تقدّم الذى يترأسه محمد الحلبوسى فى المركز الثانى تاليًا على تيار الصدر بنحو ٤٠ مقعدًا،علمًا بأنه لم يترأس قائمة فى انتخابات ٢٠١٨ بل كان جزءًا من ائتلاف أكبر، وبعد تحالف تقدّم بمسافة كبيرة جاء تحالف عزم الذى يترأسه خميس الخنجر وحصل على ١٥مقعدًا.أما كرديًا فمازال الحزبان الكرديان الأساسيان:الحزب الديمقراطى والاتحاد الوطنى يستقطبان جّل أصوات إقليم كردستان، مع ملاحظة أن الحزب الديمقراطى حافظ على تقدّمه بحصوله على ٣٢ مقعدًا وزادت الفجوة بينه وبين الاتحاد الوطنى الذى جاء فى المركز الثانى وحصل على ١٥مقعدًا.وأحدثت أحزاب انتفاضة تشرين اختراقًا محدودًا فى تركيبة البرلمان رغم إعلان معظم المشاركين فى هذه الانتفاضة مقاطعة التصويت. هذه النتائج الأولّية قابلة للتغيير لكن بنسبة محدودة لاتُحدث انقلابًا ملموسًا فى شكل منحنى توزيع الأصوات،وقد سبق أن حدث هذا فى انتخابات عام ٢٠١٨،وبالتالى وفى انتظار إعادة فرز الأصوات فى عدة دوائر انتخابية والنظر فى الطعون الانتخابية، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

(*) الملاحظة الأولى، هى أن النتائج الأوّلية أظهرت أمرين، أحدهما التأكيد أن التنافس انتقل من مستوى سنّة/شيعة إلى مستوى سنّة/سنّة وشيعة/شيعة.والآخر هو حصر التنافس داخل كل طائفة بين عدة وجوه مع استبعاد بعض الأسماء والمؤسسات البارزة داخل كل فئة.خطورة هذا الأمر على المستوى الشيعى أنه فى حالة عدم اختيار رئيس الوزراء بشكل توافقى مع ما يسّمى بمكوّنات البيت الشيعى فإن هذا ينذر بانفلات الأوضاع الأمنية.يستطيع مقتدى الصدر أن يتوافق مع كتلة تقدّم السنية والحزب الديمقراطى الكردستانى وبعض المستقلين لتسمية رئيس الحكومة، لكن هذا الخيار يمكن أن يشعل فتنة داخل البيت الشيعى الذى كان مقتدى الصدر قبل فترة قد دعا إلى ترميمه، إذ لا يستطيع تيار شيعى واحد أن ينفصل عن باقى التيارات الشيعية ويذهب لتشكيل الحكومة مع السنة والأكراد. ولا ننسى أن قائمة الفتح التى هى الواجهة السياسية للحشد الشعبى بفصائله المسلّحة قد أعلنت رفضها نتائج الانتخابات جملةً وتفصيلًا، وبالتالى ففى حال تغيّرت هذه النتائج بشكل محدود وظلّ الفتح بين أبرز الخاسرين فإن استبعاده من التشاور حول تسمية رئيس الحكومة وتشكيلها قد يؤدى لمواجهة مسلّحة.

(*) الملاحظة الثانية، هى أن هناك استسهالًا شديدًا فى قراءة النتائج الأولّية للانتخابات العراقية باعتبارها تمثّل هزيمة لحلفاء إيران. وذلك أنه فى مقابل الخسارة الفادحة لفصائل الحشد الشعبى الذراع العسكرية لإيران فى العراق، هناك تحسّن فى وضع نورى المالكى وهو بدوره من رجال إيران الأقوياء فى العراق وتولّى رئاسة الحكومة من ٢٠٠٦-٢٠١٤ .لا أحد فى النخبة الشيعية العراقية ضد إيران، لكن هناك مَن يريد علاقة طبيعية مع إيران كدولة جوار،وهناك مَن يريد أن يحارب مع إيران معاركها داخل العراق وخارجه. حتى مقتدى الصدر نفسه مع كل توجهاته العربية المعلنَة والصريحة،فإنه عندما توتّرت علاقته برئيس الوزراء نورى المالكى سافر إلى إيران عام ٢٠٠٦ للدراسة فى حوزة قم وأقام بها لمدة أربع سنوات.حتى النخب السنيّة نفسها تقاربّت مع النخب الشيعية المحسوبة على إيران،وكمثال فإن الحزب الإسلامى الذى هو أقدم منبر سياسى لسنة العراق هو جزء من التحالف الانتخابى الذى شكلّه فالح الفياض لخوض انتخابات ٢٠٢١،وهذا الأخير كان رئيسًا لهيئة الحشد الشعبي. وبين خميس الخنجر رئيس تحالف عزم السنّى وهادى العامرى زعيم تحالف الفتح الذى يضم فصائل الحشد علاقة وثيقة وتنسيق. والأمر نفسه بالنسبة لعلاقات مسعود البرزانى زعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى الذى أعلن بعد ظهور النتائج الأولّية أنه ذاهب مع الصدر. إيران موجودة فى العراق لأن لها خطوط تواصل مع كل الكتل والأطياف السياسية، وقبل أيام فإن اسماعيل قاآنى قائد فيلق القدس بالحرس الثورى الإيرانى زار العراق لهندسة الحكومة المقبلة، وخرجت ضده مظاهرات من أنصار مقتدى الصدر خشية أن تأتى هذه الهندسة على حساب مكاسب الصدريين.

(*) الملاحظة أخيرة، هى أنه رغم بيان المرجعية الشيعية العليا الذى دعا العراقيين إلى التصويت فى الانتخابات،إلا أن 60% ممن لهم حق الانتخاب لم يخرجوا للتصويت، وبعض التقديرات تشير إلى أن نسبة المقاطعين للانتخابات أكبر من ذلك بكثير.وإذا أخذنا فى الاعتبار أن فتوى الجهاد الكفائى التى أصدرها السيد على السيستانى استجابت لها على الفور جموع غفيرة وانتهت إلى تشكيل الحشد الشعبى لمحاربة تنظيم داعش،فإن السؤال الذى يثور فى الأذهان هو : ماذا حدث؟ولماذا لم تلق دعوة المرجعية الشيعية للمشاركة الانتخابية آذانًا صاغية؟ مع موقفى الذى لا يتغيّر من خطورة خلط السياسة بالدين،فإنه فى ظل الواقع العراقى الحالى فإن موقف الشيعة غير المستجيب لبيان المرجعية يطرح أكثر مَن علامة استفهام مقلقة تتعلق بتفكك الساحة الشيعية.

نقلاً عن الأهرام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى