هل تتغير مواقف القوى الدولية من السلطة السورية؟

 محمد صابر- باحث مساعد في وحدة الأمن الإقليمي

يشهد المجتمع الدولي جدلاً واسعًا حول ضرورة الاعتراف التام بشرعية رئيس الجمهورية العربية السورية “بشار الأسد” في السيادة على أراضي سوريا، فبعد مرور عقد من الزمن على الأزمة السورية وما شهدته من تطورات، بات الآن هدف الإعمار وعودة الحياة الطبيعية مرتبطًا بمدى الشرعية والسيادة التي تتمتع بها سلطات الدولة، وانخفضت الأصوات المعارضة التي ادعت عدم شرعية النظام، بل وكانت تشكك في نزاهة الانتخابات السورية الأخيرة، ومع هذا التحول الكبير، عادت الأطراف المؤثرة في الملف السوري تتفاعل بصورة أقل حدة وأكثر تفهمًا تجاه الرئيس السوري.

وتأسيسًا على ما سبق، يناقش هذا التحليل ذلك التحول في السياسات الدولية تجاه الدولة السورية في ظل التطورات الأخيرة، ونجاح الجيش السوري في السيطرة على معظم الأراضي التي كانت تمثل بؤرًا للعناصر الإرهابية خلال السنوات السابقة، ونجاح الحكومة في تحقيق العديد من الخطوات الدبلوماسية بالاتصال مع العالم الخارجي.

تراجع واضح:

تبنت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب الأهلية السورية، سياسات صارمة إزاء السلطة الشرعية في سوريا، منها أنها اتبعت العديد من التدابير في سبيل الإطاحة بنظام الرئيس السوري “بشار الأسد”، إلى جانب تطويقها لسوريا بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية وخيمة، إضافًة للخطوات السياسية والعسكرية التي اتخذتها، لا سيما التواجد العسكري المكثف في الأراضي السورية الخارجة عن سيطرة النظام، ودعمها لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” لتوجيه ضرباتها لتنظيم داعش بالأراضي السورية.

وفي ظل استمرار تواجد قوات وقواعد عسكرية أمريكية غير شرعية بأراضي سوريا، تطالب الأخيرة بضرورة احترام السيادة السورية وخروج كافة قوات الاحتلال الأمريكي.

وبالرغم من هذا التواجد الأمريكي العسكري وسياسات الولايات المتحدة الصارمة تجاه سوريا، إلا أنه قد ثبُت عدم رغبة الأولى في التدخل العسكري وحسم الموقف في بالقوة العسكرية، وأصبح الضغط الأمريكي على النظام في سوريا خاصة في عهد الرئيس الحالي لها “جو بايدن”، مقتصرًا على العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة، وقد بات الرئيس السوري “بشار الأسد” أمرًا واقعًا في سوريا، وتغيرت الإستراتيجية الأمريكية التي تهدف للإطاحة بنظامه، إلى إستراتيجية مستحدثة تتطلع إلى توجيه سلوك النظام الحاكم في سوريا دون تغييره.

تغير ملحوظ:

نجحت قوات الجيش العربي السوري في استعادة سيادة الدولة على أكثر من 90% من الأراضي، وأصبحت هذه الأراضي خالية من الإرهابيين، لكن يظل الآن الشمال السوري، وتحديدًا إدلب، هو ما يسبب القلق، خاصًة أثناء التواجد الواضح للعناصر الإرهابية هناك، بما سيؤخر من عملية الإعمار والتسوية الشاملة بالأساس للأزمة في سوريا، وقد ندد الرئيس السوري “بشار الأسد”، أن الخطر الذي يهدد الدولة هو التواجد الأجنبي للقوات الأمريكية والتركية دون موافقة الأمم المتحدة، أو النظام الحاكم الشرعي للدولة السورية، كما أكد وزير الخارجية السوري “فيصل المقداد” خلال كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، أن التواجد الأجنبي في سوريا دون موافقة سورية، هو وجود غير شرعي، ويشكل خرقًا سافرًا للقانون الدولي، كما دعا للحفاظ على السيادة السورية، إضافًة إلى تأكيده على أن احتلال القوات الأمريكية والتركية للأراضي السورية يجب أن ينتهي فورًا.

وخلال ذلك يتضح أن الموقف التركي قد تغير من خلال تصريح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، حول التنسيق التركي- الروسي، وتأكيده على الالتزام بالاتفاقيات المبرمة بشأن ضرورة إخلاء إدلب من الإرهابيين، فيما يشير إلى شروع تركيا في إنهاء تدخلها بالأزمة في سوريا، بعد أن اتخذت موقفًا معاديًا للنظام السوري لسنوات، واستمر دورها في تعطيل الحل السياسي في سوريا طيلة العقد الماضي، ويمكن تبرير هذا التغير في خطاب الرئيس التركي بتحول موقف تركيا الشامل، وانفتاح أنقرة على الدول العربية المؤثرة، وتُعد سوريا بالنسبة إليها بوابتها لبدء التفاهم مع دول عربية لها دور فعال في المنطقة كمصر، كما أن ذلك التوجه يعزز من التعاون التركي مع موسكو، والأمر الهام في ذلك هو أن هناك الآن تقارب ورغبة في التهدئة من جانب تركيا وروسيا والجمهورية العربية السورية أيضًا، خاصة مع إشادة الرئيس التركي بجهود الجيش السوري ونجاحه العظيم في إعادة سيطرة بلاده على الأراضي، ودعوته إلى عودة النازحين السوريين إلى المناطق التي تم تحريرها، وأهمية الإعمار.

تقاربات أولية:

شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر الماضي، حضور وزير الخارجية السوري “فيصل المقداد”، الخطوة التي أثارت الكثير من التساؤلات حول عودة سوريا بقوة إلى ساحة المجتمع الدولي، وقام “المقداد” بإجراء العديد من اللقاءات مع وزراء خارجية العديد من الدول العربية، لتعزيز قوة سوريا في العلاقات العربية – العربية، والتي دام انقطاعها كثيرًا خلال السنوات الماضية، ومع تجميد عضوية الجمهورية العربية السورية بالجامعة العربية، وقطع العلاقات الدبلوماسية التي تربطها بالدول العربية، وعلى سبيل المثال، لقد كان استقبال وزير الخارجية المصري “سامح شكري” لنظيره السوري “فيصل المقداد”، أمرًا شديد الأهمية، فقد كان هذا اللقاء هو الأول رسميًا بين مصر وسوريا، منذ حلول الأزمة السورية، وبالتأكيد يشير ذلك الحدث إلى أن هذه القيود المفروضة على الدولة السورية، قد تم تجاوزها كما يعني ذلك الاعتراف التام بشرعية النظام السوري وسيادة دمشق، كما أشار وزير الخارجية المصري إلى ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية.

كما ازداد التعاون بين كل من سوريا والمملكة العربية الأردنية، وأجرى الرئيس السوري “بشار الأسد” اتصالًا هاتفيًا مع الملك “عبدالله الثاني”، مفاده تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، والتعاون المشترك فيما بينهما، حسب ما ذكرته وكالة (سانا)، وتجدر الإشارة هنا إلى قرار الأردن بفتح حدودها مع سوريا والتجارة بين البلدين عبر معبر “نصيب جابر”، إضافًة إلى قرار استئناف الرحلات الجوية بين البلدين.

وختامًا، يمكن القول بأن الحلول في سوريا لم تنته بالشكل الكامل بعد، والأمر يحتاج إلى أكثر من مبادرة، إضافًة إلى أن الإعمار في سوريا بالكاد سيتطلب العديد من الإجراءات والمشاورات، فضلًا عن أهمية خروج جميع القوات الأجنبية من سوريا بشكل كامل، على أن تكون السيادة السورية غير معرضة لأي تهديد أو احتلال من منطقة الشمال، وقد أكد وزير الخارجية المصري “سامح شكري” ذلك،في إشارته إلى اهتمام مصر بإنهاء التواجد التركي على الأراضي السورية، إضافة إلى خروج المقاتلين الأجانب المودين على الأراضي السورية.

أيضًا، لقد تزايدت الآمال، وفرص النجاح بالطبع على نطاق أوسع في عودة سوريا إلى الجامعة العربية مرة أخرى، لكن ليس سريعًا،بالتأكيد أن لعودتها فرصة أكبرمنأيوقتسابق، وخاصة بعد هذه التطورات الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى