كيف تبدو ملامح الحكومة العراقية المقبلة؟  

أعلنت المفوضة العليا للانتخابات في العراق عن نتائج أولية للانتخابات التشريعية، تضمنت تراجع الائتلافات الموالية لإيران في ظل تقدم التياران الصدري والسني اللذان من المحتمل وفقاً للمراقبين، يأتلفان ويتفقان على تشكيل الحكومة الجديدة، إن لم تشهد تلك الانتخابات طعوناً تُأجل من مسارها، خاصة من التيارات المتراجعة في نتائجها الحالية بالمقارنة بالانتخابات السابقة، والذي قد يكون في مقدمتها تحالف الفتح الأكثر قرباً من طهران.

ولتوضيح ما سبق، يحاول هذا التحليل عرض قراءة معمقة للنتائج الأولية للانتخابات البرلمانية العراقية، ورصد دلالاتها على المشهد السياسي العراقي، وبالتبعية انعكاساتها على تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

القوى المتنافسة:

ترتب على إقرار البرلمان للقانون رقم 9 لعام 2020 بشأن الانتخابات، تقسيم العراق إلى 83 دائرة انتخابية وفقا للتعداد السكاني لكل محافظة، وهو ما انعكس على تعدد وتنوع التحالفات الانتخابية بين شيعية وسنية وكردية، وهذا بالإضافة إلى زيادة نسبة مشاركة المتنافسين سواء من الأحزاب أو المستقلين أو من النساء أو من الرجال، ويمكن تحديد أبرز التحالفات المذكورة على النحو التالي:

(*) التحالفات الشيعية: فقد شملت ائتلاف الفتح، الذي تم تشكيله فى 2018م برئاسة هادى العامري الأمين العام لمنظمة بدر، ويضم فصائل مسلحة من الحشد الشعبي، ومنظمة بدر، والمجلس الإسلامي الأعلى بالإضافة إلى 11 حزباً. وجدير بالذكر أن هذا الائتلاف يتبع مرجعية قم الإيرانية، ولهذا يحظى بدعم سياسي ومادي غير محدود من إيران. وتحالف دولة القانون، الذي يترأسه نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، ويشمل عدد من الأحزاب الإسلامية الشيعية، ويعد أبرزها حزب الدعوة الإسلامي، وحركة إرادة. وتحالف سائرون للإصلاح، الذي يتزعمه مقتدى الصدر وليس له تحالفات مع القوى السياسية الأخرى.  وتحالف قوى الدولة الوطنية “تيار الحكمة “برئاسة عمار الحكيم، وضم هذا التيار كتلة النصر وهي التيار المعتدل من حزب الدعوة إلى جانب حزب المؤتمر العراقي. وتحالف العقد الوطني، الذي يتزعمه رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض. هذا بالإضافة إلى تحالف نصحح، الذي يترأسه المجلس الإسلامي الأعلى مع منظمة العمل الإسلامي.

(*) التحالفات السنية: حيث انقسمت إلى ثلاثة تحالفات انتخابية، وهي: تحالف تقدم الوطني، بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ويشمل التيارات السياسية السنية عن محافظة الأنبار. وتحالف عزم العراق، برئاسة خميس خنجر. وتحالف المشروع الوطني للإنقاذ، بزعامة رئيس مجلس النواب الأسبق أسامه النجيفي.

(*) الجانب الكردي: الملاحظ هنا أن هذه التركيبة الاجتماعية لم تشهد تحالفات كالقوى الشيعية والسنية، بل شاركت كأحزاب منفصلة متنافسة، وهى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير.

(*) تحالفات غير طائفية: وقد شملت هذه الفئة ائتلافين وحزب، هم: تحالف القوى المدنية ويضم عدة أحزاب علمانية منها الحزب الشيوعي وحزب الأمة والتيار المدني. وائتلاف الوطنية برئاسة إياد علاوى وهو سياسي شيعي ويؤكد أنه تيار منفتح على الجميع دون تمييز طائفي. هذا بالإضافة إلى حزب الجيل الجديد، وهو تم تشكيلة بعد حراك تشرين.

دلالات أولية:

تشير النتائج التى أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات العراقية إلى عدة دلالات لعل أهمها ما يلي:

  1. استمرار تصدر التيار الصدري، فقد حصل تحالف سائرون على المركز الأول على المستوى العراقي العام، وكذلك على المستوى الشيعي، حيث حصل على 73 مقعد من أصل 329 مقعد.
  2. تراجع حاد للتحالفات الموالية لإيران، ولعل أبرزها تحالف الفتح، الذي حصل على 14 مقعدا مقابل 47 مقعدا فى الانتخابات الماضية، حيث تقدم التيار الدينى المرتبط بإيران. كما حصلت حركة بابليون على أربعة مقاعد فقط، بينما تمكن تحالف دولة القانون من الحصول على 37 مقعداً، لكن تلك النسبة ستتيح له فقط المشاركة فى مفاوضات تشكيل الحكومة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع يعتبر ملمح هام من ملامح التغيير فى هذه الانتخابات، ويوضح أن هناك توجه جديد لدى الشعب العراقي بالإصرار على التغيير وإخراج العراق من سيطرة إيران وتنظيماتها من الميليشيات المسلحة، ولذلك اتجهت الأصوات إلى التيار الصدري وإلى الدفع بقوى حراك تشرين، التي حصلت علي تسعة مقاعد برلمانية.
  3. نجاح التيار السني، من خلال تصدر كتلة تقدم في المركز الثاني باستحواذها على 43 مقعدا، وبالتالي، تعد بمثابة الكتلة الأقرب للتحالف البرلمانى مع التيار الصدرى لتكوين تحالفات الكتلة البرلمانية الأكبر.
  4. استمرار تصدر الحزب الديمقراطي الكردستانى للمشهد السياسي فى إقليم كردستان: حيث حاز على الحزب على المركز الأول فى الإقليم والرابع على مستوى العراق بـ 32 مقعدا، حتى أنه تمكن من الفوز فى مناطق متنازع عليها كمحافظة كركوك، فقد فاز بـ 6 مقاعد من 12 مقعدا، وربما يجعله هذا الفوز فى موضع هام فى المفاوضات حول تشكيل الحكومة المقبلة، وبالتالي سيمهد الطريق لحلحلة المشاكل الكردية التى ظلت عالقة فى ظل الحكومات السابقة.
  5. تقدم بسيط لحراك تشرين والقوى المدنية العراقية: حيث حاز كل من حزب الجيل الجديد وحركة امتداد المدنية على حوالي 20 مقعدا، ورغم تدنى نسبة المقاعد الحاصلة عليها هذه الأحزاب، إلا أنه في حال اتحادها ستتمكن من تشكيل كتلة معطلة فى البرلمان.
  6. ارتفاع نسبة تمثيل المرأة فى البرلمان لـ 97 مقعدا: حيث حصلت المرأة على زيادة قدرها 14 مقعدا عن الكوتا المخصصة للنساء، وهو ما يوضح الإقبال على المشاركة السياسية للمرأة، كما يؤشر بأنه سيكون بالبرلمان تعبير أكبر عن قضايا المرأة العراقية.

انعكاسات واضحة:

يعتمد تشكيل الحكومة العراقية على الكتلة البرلمانية الأكبر، فحسب المادة 76 من الدستور العراقي، فإن الكتل الأكبر التي تتشكل تحت قبة البرلمان بمقدار 50%+ 1 سيكون لها حق تشكيل الحكومة، وتسمية مرشحها لرئاسة الوزراء، وفى ظل عدم استحواذ أى من الكتلة على هذه النسبة، تتجه التيارات الفائزة فى الانتخابات إلى تشكيل تحالف واحد يمكنها من تكوين الكتلة البرلمانية الأكبر التى ستشكل الحكومة.

وبالتالي ستشهد العراق مرحلة من المفاوضات بين التيارات المختلفة للتحالف، ويري مراقبون أن السيناريو الأقرب للتحقق، هو أن يتمكن التيار الصدرى من تشكيل تحالف مع التيار االسني “تقدم” والحزب الديمقراطى الكردى، فقد أعلن المتحدث باسم تحالف تقدم بأن الحزب الديمقراطي الكردستانى، وتحالف تقدم سيدعمان الكتلة الصدرية لتشكيل الحكومة، وأنه قد تمت محادثات مسبقة توصلت إلى تفاهمات بين التيارات الثلاثة، ونظرا لعدم الوصول للأغلبية المطلقة بهذا التحالف، فمن المحتمل أن تنضم له شخصيات مستقلة وقوى تشرينية إذا ما قدمت لها الضمانات فى تمثيل الشارع العراقى.

ولعل أهم ما جاءت به هذه الانتخابات، هو صعوبة تمكين إيران من الانفراد بعمليتي تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر واختيار شخصية رئيس الوزراء، وذلك نتيجة تراجع التحالفات الموالية لها، والتى لن تتمكن من تكوين تحالف قوى، حيث مجموع مقاعدها فى البرلمان يبلغ 71 مقعدا فقط، ولن تكون أمامها فرصة الانضمام لتحالفات مع تيارات أخرى، حيث أعلن رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر أنه من الاستحالة التحالف مع قوى مقربة من إيران.

وفى الختام، يتضح مما سبق أن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية العراقية تحمل العديد من الدلالات، التى تشير إلى التغيير فى المشهد السياسي العراقي من حيث طبيعة التحالفات البرلمانية المقبلة، والخريطة السياسية الجديدة التى ستدير العملية السياسية العراقية فى الخمسة سنوات المقبلة، والتى ستكون التحالفات الموالية لإيران بها محدودة، ولذلك يسيطر على المشهد الراهن بالعراق رفض هذه التحالفات لنتيجة الانتخابات والطعن عليها، وكذلك محاولات إيرانية للبحث عن طريقة لإبقاء حلفاءها في السلطة، وهذا ما اتضح في تواجد قائد فيلق القدس الإيراني في بغداد أثناء الإعلان عن نتائج الانتخابات.

 

آية الخطيب

باحثه بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، بكالورويس العلوم السياسية جامعة القاهرة ، باحثة ماجيستير في الدراسات الإفريقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى