لماذا لم تنجح المرأة القطرية في انتخابات مجلس الشورى؟

فيما تتجه الأنظار لقطر كطرف مهم في التفاعلات الدولية على صعيد الوساطة وتقديم المساعدات الإنسانية، فضلا عن استضافتها فعاليات كأس العالم لكرة القدم 2022، دشنت الدوحة الانتخابات الأولى لمجلس الشورى في الثاني من أكتوبر الجاري، بعد تأجيل الخطوة منذ إنفاذ الدستور في 2004، ومن المنتظر أن يدعو الأمير تميم بن حمد لبدأ أول فصل تشريعي لمجلس الشورى المنتخب في نوفمبر المقبل بعد أن يستوفي تعيين 15 عضوا ليكتمل عدد أعضاء المجلس.

تأسيسا على ما سبق، وفي ظل ما شهدته قطر من تظاهرات سبقت إجراء انتخابات مجلس الشورى بشهور قليلة، وما أثير من تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية في قطر بعد صدور قانون الانتخابات البرلمانية، وما تلاه من اختلافات داخلية بين أطراف بنية النظام الاجتماعي القطري- يهدف هذا التحليل إلى التعرف على مبررات الغياب الأولي للمرأة عن مجلس الشورى، وتأثير ذلك على تعيينات الأمير المكملة لتشكيل المجلس.

مؤشرات عامة:

أظهر إعلان القوائم النهائية للمرشحين منتصف سبتمبر الماضي، استبعاد 10 مرشحين، غالبتهم من الدائرة 16 وينتسبون إلى أحد فروع آل مرة، وذلك دون توضيح أسباب الاستبعاد من قبل اللجنة التابعة لوزارة الداخلية، لينخفض العدد الإجمالي إلى 284، قبل أن يصل عدد المرشحين إلى 234 مرشحا أواخر سبتمبر في أعقاب انسحاب 50 مرشحا في 18 دائرة، بينما ترجح بعض وسائل إعلام غربية تنازل ما يزيد عن 100 مرشح لصالح منافسيهم.

وأعلنت اللجنة المشرفة على الانتخابات مشاركة نحو 63.5% من الهيئة الناخبة في انتخابات مجلس الشورى كنسبة عامة دون ذكر أرقام تفصيلية في شأن أعداد الناخبين وفئاتهم ونوعهم، وهي نسبة غير معتادة للمشاركة في قطر بالنظر لانتخابات المجلس البلدي 2019 التي لم تتجاوز حد 10 % فقط، في مؤشر على ارتفاع آمال وطموحات القطريين بأول انتخابات للمجلس التشريعي بعد 49 دور انعقاد سنوي تباينت مدة عضوية النواب فيها على إعطاء الثقة أو تجديدها أو إنهائها للأمير دون أفق زمني واضح.

وجرت الانتخابات في وقت ارتفعت فيه أسهم التنافس وربما التشاحن القبلي جراء إقرار قانون انتخاب مجلس الشورى والذي أكد على التفاوت بين من يملك حق الترشح “القطريون أساسا” ومن يملك حق التصويت فقط بضم “القطريين المجنسين بعد عام 1960” المخاطبين بقانون الجنسية 2005 بشرط أن يكونوا من جد قطري ومن مواليد دولة قطر، فضلا عن إصدار مرسوم تقسيم الدوائر الانتخابية إلى 30 دائرة مما أنتج كتلا تصويتية صغيرة الحجم ومرتكزة على أسس التأييد القبلي، خاصة مع توجيه قانون الانتخاب لتحديد جداول الناخبين بكل دائرة بالاعتماد على محل الإقامة الدائم للقبيلة أو العائلة التي ينتسب لها الناخب.

وتبدو نتائج الانتخابات معبرة بصورة أفضل عن بروز العامل القبلي على المستويين الحكومي والشعبي، فمن ناحية تشابه تشكيل المجلس إلى حد كبير مع المجالس السابقة بتمثيل مختلف القبائل، وأظهرت ورقة بحثية مراعاة هذا العامل في تشكيل لجنة إعداد الدستور القطري الدائم والتي تتشابه مع شكل المجلس الحالي باستثناء غياب بعض القبائل والعائلات عن اللجنة التي ضمت كذلك 6 أفراد من الأسرة الحاكمة آل ثاني، في مقابل غياب الأخيرة عن مجلس الشورى منذ البداية.

السلوك التصويتي للقاعدة الناخبة:

وعلى صعيد الدوائر، أبرزت قوائم المرشحين التي أعلنت عنها لجنة الانتخابات،التركيبة القبلية في معظم الدوائر والتمثيل شبه الحصري في بعضها لقبائل وعوائل بعينها، وهو أمر لم تأثر فيه الانسحابات المتوالية في أواخر سبتمبر الماضي لحوالي 50 مرشحًا.

وطغت تركيبة قبلية من لون واحد في حوالي ثلث الدوائر وتمثل الدوائر (1، 6، 8، 21، 22، 24، 25، 26، 27)، وتنازع الثلث الثاني مكونين أو ثلاثة لكل من الدوائر(2، 3، 9، 10، 16، 17، 18، 20، 23، 28، 30)، بينما تأرجحت باقي الدوائر بين عدة مكونات متساوية في عدد المرشحين، كما ضمت مرشحين لا يستندون إلى قواعد قبلية كبيرة مثل المرشح الفائز بمقعد الدائرة 11 ناصر محسن محمد بوكشيشه، فيما حُسمت نتائج الدائرة 5 قبل الانتخابات بفوز المرشح الوحيد وزير العدل في السابق حسن غانم المعاضيد، بالتزكية.

وفي المجمل، لا يمكن الخروج بمؤشرات دقيقة حول التركيبة الديموغرافية لقطر أو الوقوف على تأثيرها في مسار الانتخابات بالعودة إلى الإحصاءات الرسمية، نظرا لعملية تدوير الهيئة الناخبة إلى المواطن الأصلية للقبائل بُغية الحفاظ على المشهد العام القائم واستمرار “التمثيل العادل” لمكونات المجتمع القطري في مؤسسات الدولة.

المرأة القطرية:

يعود التصور العام لحضور المرأة القطرية إلى الاهتمام الإعلامي الخاص بالشيخة موزا بنت ناصر قرينة الأمير السابق داخل البلاد وخارجها، وبلوغ بعض السيدات لمناصب قيادية في الحكومة، أبرزها وزير الصحة العامة د.حنان الكواري والمتحدثة باسم وزارة الخارجية السيدة لولوة الخاطر.

ولم يكن من المعتاد رؤية سيدات في أروقة مجلس الشورى منذ استئناف عمله عام 1972 وحتى عام 2017 والذي تضمن، وللمرة الأولى تعيين 4 سيدات قدمن من مواقع حكومية وأكاديمية مختلفة، هن د.حصة بنت سلطان الجابر وزيرة الاتصالات السابقة، ود.عائشة بنت يوسف المناعي والتي تولت في السابق منصب عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، ود.هند بنت عبد الرحمن المفتاح وقد كنت نائب مدير معهد الدوحة للدراسات العليا للشئون الإدارية والمالية، وأخيرا ريم بنت محمد بنراشد المنصوري، والتي ما تزال تشغل منصب الوكيل المساعد لشؤون تنمية المجتمع الرقمي بوزارة المواصلات والاتصالات.

ويظهر التعداد العام والذي يشمل المواطنين القطريين والمقيمين الأجانب من مختلف الجنسيات بالدولة، بلوغ إجمالي عدد سكان الدولة 2.636.078 نسمة، يوضح انخفاضا إجماليا في نسبة الإناث مقابل الذكور، إذ يقدر عددهن بحوالي 749.755 نسمة، مقابل عدد الذكور الذي يتجاوز 1.886.323 نسمة ، بينما لا تفيد الإحصاءات الرسمية لجهاز التخطيط والإحصاء بالأعداد الدقيقة للمواطنين والقطريين في المجمل أو النسبة الحقيقية للإناث مقابل الذكور.

ومع الوضع بالاعتبار أن النسبة الأكبر من عدد السكان خاصة الذكور منهم هي للمقيمين والمجنسين الأجانب الذين لا يحق لهم التصويت أو الترشح للانتخابات، وبالتالي لا يمكن الاعتداد بتقديرات أعداد المواطنين، فضلا عمن يحق له الانتخاب سنا وقانونا.

غياب الوجوه النسائية:

على الرغم من المشاركة الكثيفة للمرأة في صفوف الناخبين، إلا أنها لم تحظى بأي مقعد نيابي، مع إخفاق جميع المترشحات البالغ عددهن بعد غلق باب الانسحابات 26 سيدة، وبنسبة تبلغ 11.1 % من إجمالي عدد المرشحين قبيل الاقتراع والمقدر بنحو 234 مرشحا.

شكل (1) أعداد السيدات مقابل الرجال في انتخابات مجلس الشورى القطري

بعد تنازل مرشحة من الدائرة (8)، انخفضت حظوظ المرأة في انتخابات مجلس الشورى إلى التنافس في 14 دائرة فقط، منها 9 دوائر ذات ثقل قبائلي، بينما تفاوت حظوظها في 5 دوائر شهدت كثافة نسبية في عدد المرشحين، إذ بلغت نسبة المرأة أعلاها في الدائرة (15) بعدد سيدتان مقابل 6 رجال، وتدنت إلى أدنى مستوَى في الدائرة (7) بواقع سيدة واحدة مقابل 12 مرشحا آخرين.

ويعود إخفاق المرأة في الانتخابات لعدة أسباب أملتها طبيعة التجربة الأولى في تاريخ قطر، مع بيان ما تقدم من عوامل سياسية وقانونية أثرت في سلوك الناخبين، كما يؤشر ذلك على الطبيعة المحافظة لعموم المجتمع القطري بذكوره وإناثه، وهو ما سيعزز على الجانب الآخر من فرص دخول بعض السيدات لمجلس الشوري بقرار أميري من خلال التعيينات المنتظرة للثلث المتبقي.

أبرز ردود الفعل:

كانت دولة الكويت من أوائل المتفاعلين مع انتخابات مجلس الشورى على مختلف المستويات، إذ تلقى الأمير تميم التهنئة من ولي العهد ورئيس مجلس الأمة الكويتيين خلال اتصالين هاتفيين.وعلى المستوى الدبلوماسي وإلى جانب دولة الكويت، هنأ عدد من السفراء العرب والأجانب، قطر على نجاح الانتخابات، من بينهم سفراء عُمان والسودان وتركيا.

إعلاميا، احتفت فيه بعض وسائل الإعلام والصحف الكويتية بما وصفته “عرس ديمقراطي غير مسبوق” ورصدت ما أورده التليفزيون المحلي من نسب للمشاركة في بعض الدوائر، بجانب إشادات من بعض الوسائل الإعلامية العربية والتركية، فيما تأرجحت المواقف الإعلامية الغربية خاصة البريطانية منها والفرنسية والألمانية بين الإشادة بتلك الخطوة الموصوفة بـ”التاريخية” والتحفظ من نتائجها المتمثلة في “هيمنة مطلقة للرجال” على المجلس.

وفي الختام؛ تبدو دولة قطر تسير بخطى متثاقلة وحذرة نحو نموذج الدولة الوطنية الحديثة بوجه عام وباتجاه فتح مجال المشاركة السياسية عبر بوابة مجلس الشورى بوجه خاص تحسبا لبروز برلمان قوي ومستقل يؤثر على مؤسسات صنع القرار، لكن الدفع باتجاه التوسيع المشاركة لمختلف مكونات المجتمع، كما تبنته الدوحة، سيعزز الانتماءات الأولية. وبالنتيجة تحد المعادلة الراهنة من فرص مشاركة المرأة في المجلس النيابي في ظل مجتمع محافظ بدرجة كبيرة تعمد آلية الانتخاب فيه إلى التعبئة القبلية، فيما يبقى تعيين الثلث المتبقي من المجلس دلالة على دور الأمير في حفظ التوازن ومنح الحقوق.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى