التقارير الدولية بين المصداقية والتسييس

عبدالفتاح الجبالي

مازالت أصداء قرار البنك الدولى بالإيقاف المؤقت لتقرير ممارسة الأعمال، تثير العديد من التساؤلات والقضايا المهمة. خاصة أن السبب المعلن للقرار يتعلق بالشك فى نتائج التقارير خلال الأعوام السابقة، لمصلحة بلدان معينة على رأسها الصين حينما كان البنك يرغب فى دعم بكين لزيادة  رأسماله. كما جاء تعديل موقع دولة أخرى بعد زيارة رئيس البنك ديفيد مالباس إليها. بينما وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن هذه المسألة لاتخرج عن كونها صراعا سياسيا بين البنك الدولى وصندوق النقد، بعد أن بدأ الصندوق فى الدخول إلى مجالات ليست من صميم عمله، وتجاوزه دوره التقليدى المتمثل فى تحقيق الإستقرار المالى العالمى، من وجهة نظرهم، مثل تغيير المناخ والتحول التدريجى إلى الإقلال من سياسة التقشف وآثارها السلبية إلى تفعيل السياسة المالية وتعظيم  الوعى بالحدود التى تقيد حركة الأسواق كما أشار إلى ذلك المفكر الإقتصادى جوزيف ستجليتز فى مقاله المهم محاولة إنقلابية فى صندوق النقد الدولى. كما نشر 16 وزيرا افريقيا، أوائل اكتوبر، رسالة مفتوحة تشيد بالمديرة التنفيذية للصندوق كريستالينا جورجيفا، واصفة اياها بانها الشريك الحقيقى للقارة، حيث إستطاعت حشد 650 مليار دولار لدعمهم من آثار كورونا.

وهو ما أعاد إلى الأذهان المشكلة التى نشأت العام الماضى حينما استقال كبير الباحثين الإقتصاديين بالبنك وبعض معاونيه، بسبب رفض نشر دراسة الخبراء التى أكدت أن المساعدات التى تصرف إلى بعض البلدان النامية، تذهب نسبة لابأس بها إلى حسابات مصرفية فى الملاذات الضريبية، لمصلحة كبار رجالات هذه الدول، وبلغ معدل التسرب نحو 6% فى متوسط عينة الدراسة.

جدير بالذكر أن تقرير ممارسة الأعمال يقيس مدى التقدم فى الإصلاحات التي تقوم بها الدول في سبيل تحسين مناخ الأعمال وذلك عن طريق قياس عشرة متغيرات أساسية تتعلق بإجراءات الدخول فى الأعمال أو الخروج من السوق ومدى تطبيق القوانين واللوائح المنظمة للعمل والادارة الضريبية  وإجراءات الحصول على الإئتمان وغيرها من الإجراءات المرتبطة بهذا المجال. الأمر الذى جعله من أهم التقارير التى يعتمد عليها المستثمر، وهو ماأشارت إليه دراسات البنك الدولى التى أكدت أن تدفقات الإستثمار الأجنبى المباشر كانت أعلى بالنسبة للبلدان ذات الأداء الأفضل فى التقرير،. خاصة فى البلدان النامية. لذا اهتمت بعض الحكومات إهتماما كبيرا بموقعها فى التقرير.

بينما وعلى الجانب الآخر طالب البعض وعلى رأسهم الخبيرة الاقتصادية الهندية المعروفة جيانى جوش بإيقاف التقرير لأنه لايقيس جميع جوانب بيئة الأعمال التى تهم الشركات والمستثمرين مثل الأحوال الإقتصادية الكلية والسياسات والتوظف وعدم المساواة والفقر، فضلا عن أن البنك يتلاعب بتصنيفات الدول لأسباب سياسية وأيديولوجية، وهو ماجعل ستجليتز يصفه بالفظيع لأن التغييرات الطفيفة فى البيانات تفضى إلى تأثيرات ضخمة على التصنيف والترتيب، أى أن قرارات تعسفية تؤدى لتراجع ترتيب الدول دون أحداث حقيقية.

من الملاحظ أن هناك العديد من التقارير الدولية التي تتناول بالدراسة والتحليل الأوضاع الإقتصادية فى الدول المختلفة، وتعقد المقارنات بين الدول وبعضها البعض. والتى ازدادت أهميتها مع العولمة وإنفتاح الإقتصادات، وأصبحت المعلومات هي المحرك الأساسى لهذه العملية.وهكذا أصبحت الساحة متخمة بالعديد من التقارير، بعضها يحمل الصبغة الرسمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، وبعضها جهات خاصة مثل منتدى دافوس ومنظمة الشفافية العالمية، ناهيك عن بعض الدوريات والمجلات مثل مجلة السياسة الخارجية الأمريكية. وهذه التقارير تختلف فيما بينها وبعضها البعض، من حيث مصادر المعلومات والبيانات، إذ يعتمد البعض على المصادر الحكومية الرسمية، مع إجراء بعض التعديلات عليها من جانب خبراء هذه المؤسسات، بينما يعتمد البعض الآخر على استطلاعات الرأى لمجموعات معينة من المجتمع محل الدراسة.

وعلى الجانب الآخر تقوم بعض المؤسسات الدولية الخاصة بإصدار العديد من التقارير المتعلقة بمجال معين من المجالات مثل منتدى الإقتصاد العالمي ومؤسسة الشفافية العالمية. ومجلة السياسة الخارجية الأمريكية. وأيضا التقارير التي تصدرها مؤسسات التقييم الدولية مثل موديز وفتش ايبكا ومورجان ستانلي وغيرها.

لذلك فإن القراءة الدقيقة لهذه التقارير تتطلب بالأساس معرفة الهدف منها وطبيعة المصادر التي تعتمد عليها وغيرها من الأمور. وهنا نلحظ أن بعض التناول المصري لهذه التقارير شابه العديد من الأخطاء العلمية والعملية مثل عدم متابعة التغييرات والتطورات في التقرير الواحد، فبعض هذه الجهات تقوم بتعديل المؤشرات التي تعتمد عليها في الدراسة بغية الوصول إلى الصورة الصحيحة عن الظاهرة التي تتناولها، وذلك بإضافة عوامل جديدة أو إستبعاد بعض العناصر وهو ما يجعل المقارنات الزمنية غير صحيحة.وفى هذا السياق أيضا غالبا ما تضاف بلدان جديدة إلى التقرير ذاته وبالتالي يختلف الترتيب العام للدولة، دون أى إختلاف في السياسات المطبقة.

ويمكن تفسير ذلك بأنه، وعلى الرغم من التحسن النسبي الذي طرأ على الإقتصاد إلا أن التحسن في الدول الأخرى قد تم بمعدلات أسرع مما يتم داخل الإقتصاد المحلى،وهى مسألة غاية في الأهمية في ظل المنافسة السريعة والعاتية القادمة مع رياح التطور والتغير على الصعيد العالمي. وبمعنى آخر فالعبرة لم تعد بمدى صحة هذا الإجراء من عدمه ولكن بسرعة هذا الإجراء في حد ذاتها.

ولاينبغى أن يفهم مما سبق أننا نرى عدم أهمية الرجوع إلى هذه التقارير ودراستها وأخذها مأخذ الجد، بل على العكس من ذلك تماما فهي أداة جيدة ومفيدة للغاية فى معرفة الاتجاهات العامة للإقتصاد القومي مقارنة بالدول الأخرى، وتضع أيدينا على نقاط القوة والضعف في الأداء الإقتصادي للدولة وإتجاهات التقدم والتأخر على الصعيد العالمي.

نقلا عن الأهرام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى