هل تتراجع المساعدات العسكرية الأمريكية لـ “إسرائيل”؟

منذ أكثر من أسبوعين تقريباً، وبالضبط في الـ 23 من سبتمبر الماضي صوت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ساحقة- على منح إسرائيل مليار دولار مقابل تمويل نظام القبة الحديدية الإسرائيلية، وذلك في خطوة استثنائية بعد يومين من حذف البند من مشروع القانون النهائي الذي أقره مجلس النواب في الـ 21 من ذات الشهر لمنع إغلاق الحكومة وتعليق حد الاقتراض في البلاد، نتيجة اعتراض مجموعة من النواب الديمقراطيين التقدميين على بند التمويل، بينما في المقابل تعهد زعيم الأغلبية في مجلس النواب “ستيني هوير” بطرح مشروع قانون منفصل لتوفير التمويل للقبة الحديدية الإسرائيلية، حيث قدم مشروع قانون منفصل في الـ 23 من الشهر الماضي، مما يعني أنه تجاوز القواعد العادية المطلوبة لتمرير القانون وسيتطلب موافقة أغلبية الثلثين، وقد كان التصويت النهائي على مشروع القانون هو  420-9 بحضور اثنين، حيث صوت ثمانية ديمقراطيين وجمهوري واحد ضد مشروع القانون.

 وعلى الرغم من تأييد الديمقراطيون بأغلبية ساحقة، إلا أن الحاجة إلى المناورة البرلمانية سلطت الضوء على نقطة خلاف في الكونجرس بشأن إسرائيل، حيث تحدى عدد قليل من الديمقراطيين التقدميين نطاق المساعدة الأمريكية للحليف القديم، فطوال عهد الإدارات الأمريكية المتعاقبة، نجحت المساعدات الأمريكية لإسرائيل في تطوير الجيش الإسرائيلي كواحد من أكثر الجيوش تقدمًا في العالم، من خلال السماح لتل أبيب بشراء معدات عسكرية متطورة من الولايات المتحدة.

وانطلاقاً مما سبق، يسعى هذا التحليل إلى تسليط الضوء على أجواء تمرير مشروع ” قانون الاعتمادات التكميلية للقبة الحديدية 2022″، ومن ثم يطرح سؤال، وهو: ما هو الحجم الحقيقي للمساعدات الأمريكية الخارجية لإسرائيل؟، وماذا يعني عرقلة النواب الديمقراطيين لبند التمويل الخاص بإسرائيل على حدود الدعم الأمريكي الداخلي لإسرائيل وما يفرضه ذلك على إدارة بايدن في المستقبل القريب؟.

حيثيات تمرير مشروع القانون:

مرر مجلس النواب مشروع قانون المخصصات التكميلية للقبة الحديدية رقم H.R 5323، بأغلبية 420 إلى 9 أصوات، الذي يجدد نظام القبة الحديدية الإسرائيلي يوم 23 سبتمبر الماضي، بعد محاولات عرقلته من قبل مجموعة من النواب الديمقراطيين التقدميين، ويمكن تتبع ذلك على النحو التالي:

(*) بنود القانون: يوفر التشريع مليار دولار لاستبدال الصواريخ الاعتراضية التي استخدمت لحماية المدنيين الإسرائيليين من صواريخ حماس خلال شهر مايو الماضي، كما يتماشى التمويل مع مذكرة التفاهم لعام 2016 بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تلزم الولايات المتحدة بتقديم مساعدة إضافية لتجديد القبة الحديدية الدفاعية بعد فترات من القتال للسماح لإسرائيل بمواصلة الدفاع عن نفسها من الهجوم، من خلال ضمان أن تتمكن إسرائيل من الدفاع بشكل كامل عن جميع مواطنيها ، بالإضافة إلى ضمان التمويل المقدم في مشروع قانون الدولة والعمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة لعام 2022 للاحتياجات الإنسانية والإنمائية للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يعزز في نهاية المطاف قضية السلام.

(*) محاولات العرقلة: قدم الديمقراطيون في الـ 21 من سبتمبر الماضي مشروع قانون تمويل حكومي مؤقت، تضمن اقتراح بتمويل القبة الحديدية، بالإضافة إلى 6.3 مليار دولار من التمويل الطارئ لإعادة توطين اللاجئين الأفغان، ولكن  كان لا بد من حذف بند تمويل نظام القبة الحديدية لأنه تسبب في انقسامًا داخليًا للديمقراطيين ، الذين يجب أن يتحدوا للتغلب على معارضة الجمهوريين لمشروع القانون الأوسع، وبالتزامن مع ذلك تحركت القيادة الديمقراطية بسرعة لتقديم المساعدة، من خلال طرح زعيم الأغلبية في مجلس النواب “ستيني هوير” مشروع قانون منفصل لتوفير التمويل لنظام القبة الحديدية تم تمريره بأغلبية 420 صوتًا مقابل 9 أصوات.

حجم المساعدات الأمريكية الحقيقة لإسرائيل:

تعتبر إسرائيل أكبر متلق للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إمداد إسرائيل بمساعدات كبيرة في ضوء الدعم الأمريكي المحلي القوي لإسرائيل الذي يعود إلى تاريخ دعم الولايات المتحدة لإنشاء دولة إسرائيل في عام 1948 والأهداف الأمنية المشتركة في منطقة الشرق الأوسط، فحتى الآن، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل حوالي 146 مليار دولار في شكل مساعدات ثنائية، ويمكن التطرق إلى تلك المساعدات في النقاط التالية:

(&) جميع المساعدات الثنائية الأمريكية لإسرائيل تمثل مساعدة عسكرية: في عام 2016، وقعت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية على ثالث مذكرة تفاهم مدتها 10 سنوات بشأن المساعدات العسكرية، والتي تغطي العام المالي 2019 إلى العام المالي 2028، وبموجب شروط مذكرة التفاهم، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية (33 مليار دولار من منح التمويل العسكري الأجنبي بالإضافة إلى 5 مليارات دولار من اعتمادات الدفاع الصاروخي) لإسرائيل، وجاءت مذكرة التفاهم هذه في أعقاب اتفاقية سابقة بقيمة 30 مليار دولار لمدة 10 سنوات، والتي استمرت حتى السنة المالية 2018، وفيما يتعلق بالسنة المالية 2021، طلبت إدارة ترامب 3.3 مليار دولار لإسرائيل بالإضافة إلى 500 مليون دولار كمساعدات للدفاع الصاروخي للاحتفال بالسنة الثانية لمذكرة التفاهم، إضافة إلى  5 ملايين دولار لتمويل المساعدات الإنسانية للهجرة واللاجئين للمهاجرين إلى إسرائيل، إلى جانب ذلك تعتبر إسرائيل، هي المشغل الدولي الأول لطائرة F-35 Joint Strike Fighter، وهي طائرة شبح من الجيل الخامس تابعة لوزارة الدفاع ، وتعتبر أكثر الطائرات المقاتلة تقدمًا من الناحية التكنولوجية على الإطلاق، فقد اشترت إسرائيل 50 طائرة من طراز F-35 في ثلاثة عقود منفصلة بتمويل أمريكي، تم تسليم 27 طائرة حتى الآن بتكلفة حوالي 100 مليون دولار لكل منها.

(&) أوجه إنفاق المساعدات الأمريكية: ساهمت المساعدات العسكرية الأمريكية في تحويل القوات المسلحة الإسرائيلية إلى واحدة من أكثر الجيوش تطوراً من الناحية التكنولوجية في العالم، و مساعدة إسرائيل في بناء صناعة الدفاع المحلية الخاصة بها حيث تُصنف الآن كواحدة من أكبر المصدرين العالميين للأسلحة، على سبيل المثال تصدر شركات الدفاع الإسرائيلية مثل  شركة إسرائيل لصناعات الفضاء (IAI) ورافائيل Rafael وإلبيت سيستمز Elbit Systems ما يقرب من 70٪ من منتجاتها التي تتمثل في أنظمة الدفاع الصاروخي والمركبات الجوية بدون طيار و الأمن السيبراني والرادار وأنظمة الاتصالات الإلكترونية، إلى عدد من الدول من بينها الهند وأذربيجان وفيتنام وتايلاند وكوريا الجنوبية وسنغافورة والفلبين وأستراليا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليونان وروسيا والبرازيل والولايات المتحدة.

(&) الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل: تهدف المساعدة الأمريكية إلى ضمان احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي في التسلح على جيرانها ومواجهة التهديدات الإقليمية المحتملة في منطقة الشرق الأوسط، وفي إطار ذلك عملت إسرائيل والولايات المتحدة على إبرام صفقة معادلة للمبيعات والمساعدات الخارجية لإسرائيل، و اعتبارًا من أكتوبر2020 ، كانت إدارة ترامب تدرس تسريع الجدول الزمني لتقديم بعض المنح المتبقية البالغة 26.4 مليار دولار في التمويل العسكري الأجنبي لإسرائيل (من إجمالي 33 مليار دولار) التي تم التعهد بها في مذكرة التفاهم لعام 2016، وقد وافقت إدارة بايدن أيضًا على مبيعات إضافية لطائرة F-35 لإسرائيل وتسريع تسليم طائرات التزود بالوقود والنقل KC-46A إلى إسرائيل.

خلاصة القول، يعتبر ضمان قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات في منطقة الشرق الأوسط حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية لكل من الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على مدى عقود، وخلال لقاء مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا خلال الأسبوع الجاري كجزء من المجموعة الاستشارية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تم التأكيد على التزام الرئيس الأمريكي جو بايدن بأمن إسرائيل وضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي، لكن خطوة اعتراض النواب الديمقراطيين على بند تمويل نظام القبة الحديدية الإسرائيلي بقيمة مليار دولار قد سلطت الضوء على حدود الدعم المحلي الأمريكي لإسرائيل الذي تراجع نتيجة عاملين أساسيين، الأول هو تغير موقف الحزب الديمقراطي، حيث أصبح بعض الديمقراطيين من داخل الجناح التقدمي للحزب أكثر صراحة بشأن إعادة استخدام أو حتى قطع المساعدات الخارجية لإسرائيل.

ففي عام 2020، عندما نظرت إسرائيل في ضم جزء من الضفة الغربية، اتخذ عدد من المشرعين الديمقراطيين مقاربات مختلفة للإشارة إلى معارضتهم للضم، حيث حذر بعض الأعضاء بعبارات عامة من أن الضم من شأنه أن يضر بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بينما كان البعض الآخر أكثر وضوحًا في التحذير من أنه في حالة استمرار إسرائيل فقد يقدمون تشريعات من شأنها إما قطع المساعدات أو حظر استخدامها أو تطبيقها في الأراضي التي تم ضمها، كذلك يشكك العديد من  يسار الحزب الآن في التزام الولايات المتحدة بالمساعدات حيث تحرك السناتور ساندرز وغيره من الديمقراطيين لمحاولة وقف البيع المزمع لأسلحة دقيقة بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، وذلك بالرغم من تعبير البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي لعام 2020 عن “دعم صارم” لإسرائيل، بينما يرجع العامل الثاني إلى تغير اتجاهات الرأي العام الأمريكي خاصة بين الناخبين الأمريكيين الشباب ذوي المواقف المختلفة تجاه إسرائيل الذين يظهرون بثبات تأثيرهم على السياسة الأمريكي، حيث ساهمت الاتجاهات الديموغرافية إزاء إسرائيل في خلق ديناميكية سياسية أدت إلى تغيير التصورات للعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، على سبيل المثال يبدو أن الناخبين الأمريكيين الأصغر سنًا وغير المنتمين إلى الدين والمسلمين الأمريكيين والليبراليين الأمريكيين يحملون وجهات نظر أكثر انتقادًا لمعاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين.

وبالتالي تراجع الدعم الملحوظ لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، يضع إدارة جو بايدن أمام تحدي جديد حول ضرورة مراجعة حجم المساعدة التي ترسلها الولايات المتحدة إلى إسرائيل، الأمر الذي ينذر بتقلب العلاقات المستقبلية بين البلدين، والذي بدوره قد يفرض على إسرائيل أهمية التفكير في شركاء احتياطيين للتغلب على تراجع الدعم الأمريكي.

 

 

سلمى العليمي

رئيس برنامج الدراسات الأمريكية باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى