لماذا تتزايد التدريبات العسكرية المشتركة في الإقليم؟

شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة إلي الدرجة التي يصعب حصرها سواء بين دول المنطقة وبعضها أو بالمشاركة مع دول من خارج المنطقة لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا حتى باتت تلك التفاعلات تشكل “ظاهرة”، وتعكس تلك المناورات حجم التحديات التي تواجه دول المنطقة في ظل انتشار التنظيمات الإرهابية، وتفجر الصراعات في العديد من دول المنطقة، فضلا عن السياسات العدائية لبعض الدول والتي تستهدف بالأساس نشر الفوضى والنيل من الأمن الإقليمي، ورغبة دول الإقليم في التأكد من جاهزية قواتها، وإكسابها الخبرات اللازمة. وفي ضوء ذلك يسعي هذا التحليل إلى تناول أسباب انتشار تلك الظاهرة، ودلالاتها، وانعكاساتها في ظل التحالفات القائمة، وفي ظل التنافس الدولي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.

تزايد وانتشار :

(*) مصر: في نهاية شهر مايو من العام الجاري، انطلقت مناورات “حماة النيل” – التي وٌصفت بالضخمة- بين الجيشين السوداني والمصري في مناطق متعدد في السودان بمشاركة عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية لكلا الجانبين، وذلك استكمالا لسلسلة التدريبات السابقة مثل “نسور النيل 1″، و”نسور النيل 2”. وفي نفس الفترة جرت مناورات بين قوات مصرية وقوات باكستانية أُطلق عليها”حماة السماء-1″، واشتركت فيها عناصر الدفاع الجوي للبلدين، وذلك للمرة الأولى. فضلا عن تنفيذ مناورات مشتركة مع كل من إيطاليا وفرنسا وغيرهم، كما شاركت القاهرة في مناورات “نسيم البحر” والتي جرت في مياه البحر الأسود برعاية أمريكية أوكرانية، ووُصفت بأنها الأكبر من نوعها في المنطقة منذ عام 1997على مستوي المسرح العملياتي للبحر الأسود.

في مطلع شهر سبتمبر نُفذت مناورات “النجم الساطع 2021” بقاعدة محمد نجيب العسكرية بنطاق المنطقة الشمالية العسكرية بمشاركة 21 دولة، وتقام هذه المناورات في مصر بصفة دورية بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تنضم لهما دول أخرى. وبالتزامن انطلقت فعاليات التدريب المصري القبرصي المشترك “بطليموس 2021” والتي جرت في قبرص.

(*) الإمارات: في شهر سبتمبر أعلنت دولة الإمارات عن بدأ فعاليات التمرين البحري المشترك مع مصر “زايد- 3” والتي جرت في الإمارات بمشاركة وحدات القوات البحرية من الدولتين، وتأتي تلك المناورات ضمن سلسلة التمارين المشتركة التي تقام بين دولة الإمارات وجمهورية مصر العربية في إطار التعاون العسكري المشترك. وفي مارس الماضي شهدت الإمارات مناورة جوية شاركت فيها 7 دول هي: الولايات المتحدة وفرنسا والهند وكوريا الجنوبية والإمارات والسعودية والبحرين، في قاعدة الظفرة الإماراتية (جنوبي أبو ظبي).

(*) السعودية: نظمت السعودية على أراضيها مناورات “طويق ـــ 2” في شهر يونيو الماضي بقاعدة الأمير سلطان الجوية بمشاركة كل من مصر والإمارات والأردن وسلطنة عمان، فضلاً عن مشاركة البحرين والكويت بصفة مراقب. وفي شهر فبراير تمت مناورات عسكرية مشتركة بين لقوات الجوية الملكية السعودية والقوات الجوية الأمريكية بالمنطقة الغربية بالمملكة عُرفت باسم “التنين”.

(*) قطر – تركيا: في شهر مارس الماضي جرت مناورات قطرية تركية في قطر، أُطلق عليها “العديد 2021”. وذكرت وزارة الدفاع التركية أن هذه المناورات تهدف إلى “تطوير العمل المشترك” بين الجيشين، ومن شأنها رفع القدرات العسكرية للجيش القطري.

(*) تونس: في منتصف شهر مايو من العام الجاري وبرعاية تونسية انطلق التمرين البحري متعدد الأطراف “فينيكس إكسبريس 21″، بالتعاون مع القيادة الأمريكية لإفريقيا، وشارك في هذه التدريبات اثني عشر دولة بالإضافة إلي الدولة المضيفة، وكانت تونس والولايات المتحدة نظمتا تمرينا بحريا مشتركا في شهري يناير ومايو من العام الجاري الجاري، ولأول مرة منذ 25 عاما.

وفي مقابل الانخراط الأمريكي مع دول المنطقة في التدريبات المشتركة، أعلنت روسيا على لسان سفيرها في طهران “ليفان جاغاريان” أن القوات البحرية الروسية والإيرانية والصينية ستجري مناورات مشتركة في مياه الخليج نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل، وأوضح أن المناورات المشتركة سوف تركز بالأساس على ضمان أمن الممرات المائية ومواجهة القرصنة البحرية.

(*) الجزائر: عقدت الجزائر عدة مناورات مشتركة أخرها تنطلق غدا مع الجيش الروسي، حيث توجّهت نهاية سبتمبر، أعداد من الجيش الجزائري إلى المنطقة العسكرية في أوسيتيا بفيدرالية روسيا، وتمتد فترة المناورات من 3 إلى 11 أكتوبر”. ويعد الهدف من المناورات الجزائرية الروسية هو “زيادة جاهزية أجهزة القيادة والسيطرة والقوات ووسائل مكافحة الإرهاب.

أسباب وتفسيرات:  

في ضوء هذا الانتشار الواسع لتلك المناورات والتي لم تعد تقتصر على دول معنية في الإقليم، بل أصبحت تشمل تقريبا كل الدول، بمشاركة من مختلف الأسلحة سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، فإن لهذا الانتشار والتوسع أسبابه التي يمكن إجمالها في الآتي:

(&) اتساع نطاق التهديدات التقليدية وغير التقليدية: وتتمثل التهديدات التقليدية في تنامي ظاهرة الإرهاب في أكثر من دولة وما تبعه من سقوط لبعض الأنظمة في تلك الدول، مع سعي تلك التنظيمات إلى استهداف مصالح الأنظمة المستقرة عبر استنزافها عسكريًا واقتصاديًا، أما التهديدات غير التقليدية يمثلها عمليات الهجرة غير الشرعية، وتزايد تدفق اللاجئين وما يرتبط بهما من مخاطر، وربما يفسر ذلك انخراط دول أوروبا وخاصة دول الجنوب في مناورات بحرية مشتركة. وترتبط التهديدات غير التقليدية في أغلبها بالتطورات التكنولوجية المتسارعة، والتي تأخذ أشكالاً مختلفة من وقت لآخر.

(&) السياسات العدائية لبعض دول الإقليم: تعد تلك السياسات أحد أهم المحفزات لانخراط الدول في تدريبات عسكرية مشتركة، لاسيما السياسات الإيرانية؛ حيث تخوض طهران حروب بالوكالة ضد دول الإقليم، فضلا عن دعمها للفواعل من غير الدول خاصة الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان؛ واستهداف أمن الممرات البحرية، وربما ذلك يسفر تسارع المناورات العسكرية التي تجريها دول الخليج. بالإضافة إلى ذلك السياسات التركية العدوانية التي تهدف بالأساس إلى زعزعة الاستقرار بصورة متزايدة من خلال دعمها للجماعات المرتزقة والمتشددة، والاعتداء على مصالح دول شرق المتوسط، كما أن الموقف الإثيوبي المتعنت ضد كل من مصر والسودان فيما يتعلق بملف سد النهضة، والذي قد يؤدي إلى تفجر صراع شامل في منطقة القرن الإفريقي إذا استمرت أديس أبابا على موقفها هذا، أحد الأسباب المفسرة للمناورات الضخمة التي جرت بين القاهرة والخرطوم.

(&) اكتساب خبرات متزايدة: تعد هذه المناورات فرصة للدول لاكتساب المزيد من الخبرات وطرق تسليح جديدة ومتطورة من خلال الاشتراك مع مدارس عسكرية مختلفة ومعرفة ما هو جديد في العلوم العسكرية، والاطلاع على أحداث الخطط والتكتيكات، والتدريب على المعدات والأسلحة الحديثة وكيفية التعامل معها، فضلًا عن التعرف على مسارح عمليات مختلفة في طبوغرافيتها والاستفادة من كل ما يدور فيها، كما تسهم هذه المناورات في تعزيز العلاقات بين الدول على المستويين العسكري والاستراتيجي وربما السياسي أيضًا.

(&) إيصال رسائل متعددة: قد تسعي الدول من خلال المناورات المشتركة توصيل رسائل عديدة، منها أن الخيار العسكري قد يكون أحد الخيارات المطروحة لحل خلاف أو نزاع بين الدول، خاصة إذا ما تمت بين دولتين أو أكثر على خلاف مع دولة أو دول أخري، وقد يكون من أحد أهدافه الرغبة إظهار تحالفات جديدة أو التأكيد على تحالفات قائمة، كما تسعي الدول الكبرى من خلال هذه المناورات إلي فتح أسواق جديدة لتوريد الأسلحة، من خلال إطلاع الدول المشتركة معها على أحدث أنواع الأسلحة وكيفية استخدامها، فضلًا عن رغبة تلك الدول في إثبات تواجدها في مناطق معينة كمناطق نفوذ لن يٌسمح لأحد باختراقها.

دلالات التزايد:

1. وجود مصر كفاعل رئيسي في معظم المناورات: في خلال الأعوام الأخيرة شاركت مصر بدرجة كبيرة ورئيسية في معظم المناورات التي تمت سواء مع دول الإقليم أو بعض دول الجوار، ويأتي ذلك نظرا لما تتمتع به القاهرة من إمكانيات كبيرة وخبرات قتالية عالية في الحروب التقليدية ونجاحها في مجابهة العمليات الإرهابية التي تعد حروبا غير نمطية. فضلًا عن وجود مسارح عمليات مختلفة تسمح بتنفيذ مهام متعددة. ووفقا لموقع “غلوبال فاير باور” احتل الجيش المصري المرتبة الأولي عربيًا والثالث عشر عالميًا وفقا لتصنيف عام 2021.

2. تراجع الحلول السياسية والدبلوماسية في حل القضايا: ربما أحد الدلالات على تزايد المناورات العسكرية، هو فشل الخيارات الدبلوماسية والسياسية في حل عدد من الخلافات والقضايا في المنطقة، وهو ما يرجح دور الخيار العسكري أو دور القوة العسكرية بمفهومها التقليدي في حل بعض من تلك القضايا، حيث مازالت هناك عدد من الدول تشهد عدم استقرار ومعرضة للانهيار رغم تعدد المبادرات وجولات الحوار للوصول إلى حلول لتلك القضايا. ولعل إعلان القاهرة عن الخط الأحمر في ليبيا في سبتمبر من العام الماضي خير دليل علي ذلك، إذ ساهم بشكل كبير في منع بعض الدول من إرسال جماعات مرتزقة إلى الأراضي الليبية، وبدأ عملية تسوية سياسية.

3. تواجد صيني روسي على مسرح عمليات الشرق الأوسط: في ضوء احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري استراتيجي مهم في الشرق الأوسط، تسعي الصين إلى إيجاد موطئ قدم لها في تلك المنطقة، فبينما تُعد منطقة الشرق الأوسط– من الناحية الاستراتيجية- أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، رغم تراجع أهميتها النسبية فيما يتعلق بالمصالح القومية الأمريكية، تتمثل المصلحة الاستراتيجية العليا للصين في الشرق الأوسط في الوصول الدائم إلى مصادر الطاقة وتأمين تدفقات النفط والغاز، ومن ثم حماية الممرات المائية، وبالتالي يرتكز حضور الصين بالأساس على الاقتصاد.وفي سبتمبر عام 2017 أجرت الصين أولى مناوراتها العسكرية في جيبوتي، حيث دشن الجيش الصيني في مطلع أغسطس من نفس العام أول قاعدة له في الخارج، وتعد تلك المناورة هي الأولي من نوعها للصين مع دولة عربية، وفي أواخر شهر ديسمبر عام 2019 أجرت الصين وروسيا وإيران مناورات عسكرية مشتركة لمدة أربعة أيام في خليج عُمان. كما تم الإعلان عن إجراء مناورات بين الصين وروسيا وإيران في مياه الخليج نهاية هذا العام أو مطلع العام القادم.

انعكاسات واضحة: 

مما لا شك فيه أن المناورات العسكرية تعكس مصالح متبادلة بين الدول المشتركة فيها، وتشير إلى طبيعة العلاقات بين الدول، والأهداف التي تسعي إليها الدول من خلال تلك المناورات. وفي ضوء التنافس الأمريكي – الصيني تحظي منطقة الشرق الأوسط باهتمام جم؛ إذتقوم الاستراتيجية الأمريكية بالأساس على ضمان تفوقها وهيمنتها على النظام الدولي، ومنطقة الشرق الأوسط جزء رئيسي في تلك الاستراتيجية، وهو الأمر الذي يعكس الحضور الأمريكي القوي في تلك المناورات سواء مع دول شمال إفريقيا أو مع دول الخليج. بينما تقوم الاستراتيجية الصينية على ضمان أمن الممرات البحرية لتأمين تدفق الطاقة في إطار مبادرة الحزام والطريق، وهو ما يفسر التواجد الصيني في جيبوتي، وانخراطها بشكل متزايد مع إيران في مناورات عسكرية مشتركة سواء في الخليج العربي أو خليج عمان أو حتى في المحيط الهندي، فهي استراتيجية اقتصادية بالأساس.

وعلى الرغم من تراجع القوة الأمريكية بالمنطقةفي ظل التوجه الأمريكي بتقوية حضوره العسكري في منطقة الإندو-باسيفيك من خلال عملية إعادة تموضع القوات الأمريكية في المنطقة ضمن تعهد بايدن بـ “وضع حد للحروب الدائمة” في المنطقة، إلا أن الولايات المتحدة ستٌبقي على علاقاتها مع حلفائها التقليدين في المنطقة وخاصة دول الخليج وبعض دول شمال إفريقيا وتحديدًا مصر وليبيا، لأن الولايات المتحدة تخشي أن تملأ الصين أو روسيا الفراغ الذي سوف يترتب على انسحابها الكامل من المنطقة، والدليل علي ذلك أن طمأنة الإدارة الأمريكية الجديدة لحلفائها التقليدين في المنطقة تهدف إلي إقناعهم بعدم البحث عن تحالفات بديلة مع موسكو وبيكين.

 وفي المقابل يعد التقارب العسكري الصيني – الإيراني هو أمر مقلق بالنسبة للولايات المتحدة ولدول الخليج نظرًا لأن هذا التقارب قد يتحول إلى تحالف إقليمي قوي قد تكون الهند وروسيا جزء منه، بالإضافة إلى أن هذا التقارب يمنح طهران فرصة كبيرة للمناورة في علاقاتها مع الغرب في ظل العزلة الدولية والعقوبات المفروضة عليها، مما يدفعها إلى الاستمرار في سياساتها العدائية.

خلاصة القول؛ فالصين غير مستعدة لمجابهة الدور الأمريكي في المنطقة، فهي قد تمنح بعض الدول الفرصة لمواجهة الضغوط الأمريكية والتخفيف من الاعتماد الزائد على واشنطن، وإحداث بعض التوازن في علاقات تلك الدول وخلق خيارات استراتيجية مهمة، إلا أن بكين تدرك جيدا أنها لا تملك القدرات لكي تصبح بديلاً عن الهيمنة الأمريكية في المستقبل القريب، فضلاً أن الصين نفسها لا تريد الانخراط في قضايا وصراعات الشرق الأوسط والتي تعتبرها معقدة وبعيدة، في ضوء الخسائر الاقتصادية والعسكرية التي تكبدتها الولايات المتحدة طوال ثلاثة عقود.

هيثم عمران

باحث بوحدة دراسات الأمن الاقليمي - مدرس مساعد قسم العلوم السياسية كلية السياسة والاقتصاد جامعة السويس. وباحث مشارك مع عدد من المراكز العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى