كيف أعادت “طالبان” المرأة الأفغانية إلى العصور المظلمة؟

أطلقت حركة طالبان منذ وصولها للحكم، وعوداً باحترام حقوق المرأة في أفغانستان وفقا للشريعة الإسلامية، تستهدف الحركة بهذه التصريحات المجتمع الدولى، وعلى الرغم من أن عبارة وفقا للشريعة الإسلامية، عبارة فضفاضة لا تعطى ضمانات مطمئنة، فكل الجماعات المتطرفة تدعى أنها تفرض قوانينها المتطرفة وفقا للشريعة الإسلامية، إلا أن الجميع في الداخل الأفغاني والخارج، ينتظر ماذا سيؤول إليه وضع المرأة، بعد رجوع طالبان إلى الحكم بعد 20 عام، ليبقى السؤال؛ هل غيرت طالبان رؤيتها الأيديولوجية تجاه المرأة، عن ما كانت عليه إبان حكمها عام 1996؟، وهل سيقبل المجتمع الأفغاني، والمجتمع الدولى وضع مهين للمرأة، كما كان عليه أثناء حكم طالبان 1996؟.

مؤشرات مقلقة:

طالبت حركة طالبان منذ أيام، من موظفات بلدية كابل البقاء في المنزل، معللة أن عناصر الحركة لا يدركون كيفية التعامل مع النساء، والجدير بالذكر أن الحركة قد ألغت ممارسة، جميع الرياضة للنساء منذ أيام، وقصرت ممارسة الرياضة على الرجال، فضلا على أن المدارس عادت للأولاد دون البنات، مع وعود بتوفير مدارس للبنات في المستقبل، كما أن عدم إيمان الحركة بحق المرأة في التعلم والعمل وممارسة الرياضة، جعلها تلغى وزارة شئون المرأة قبل أيام، وتستبدلها بهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. على ما سبق، يمكن القول إن حركة طالبان أصبحت تسير بخطى ثابتة تجاه إرجاع المرأة الأفغانية إلى الوضع إبان سنوات حكمها السابق، وإلغاء كل مكتسباتها خلال العشرين عام السابقة.

مكتسبات ضائعة:

حققت المرأة الأفغانية مكاسب ملموسة، على كافة الأصعدة خلال العشرين عام السابقة، فمنهن من شغلن مناصب وزيرات ورئيسات بلدية وضابطات وقاضيات، كما حققن مراكز تعليمية متميزة، وتفوقن في المجال الرياضي، وكانت لهن نسبة في المجالس النيابية، وغير ذلك من المكاسب التي ذهبت أدراج الرياح، بوصول طالبان إلى الحكم. وتتمثل أهم الشواهد التي تؤكد تراجع مكتسبات المرأة الأفغانية في عهدة طالبان، كالتالي:

(*) اختفاء المناصب التنفيذية للمرأة: حيث خلت حكومة طالبان من النساء، وما يؤكد الصورة الذهنية السلبية لعناصر الحركة عن النساء، هو ما تضمنه حوار بين أحد المذيعات وقيادي بالحركة، الذي تضمنت إجابته عن سؤالها، وهو: “هل أنتم مستعدون لقبول الحكم الديمقراطي، الذي يصوت فيه المواطنون لنساء سياسيات؟” لم يتمالك العنصر الطالبانى نفسه من الضحك أمام الكاميرا، ولم يستطع استكمال الحديث، مما يعكس النظرة المتدنية للحركة وعناصرها للمرأة، فالحركة لا ترى فيها جدارة بالتعليم والعمل في الأساس، وهى حقوق أبسط من تولى المناصب، فهل من المنطق أن ينتظر تمكين المرأة في أي من المجالات في عهد طالبان، من المؤكد أنه تصور عبثي.

(*) استبدال في الوظائف العامة: حيث تم وضع الرجال في وظائف النساء بالوزارات المختلفة ومبنى الإذاعة، وغيرهم من مؤسسات الدولة، فقد تم منع النساء من دخول العديد من المؤسسات، وأبلغن باستبدالهن بالرجال، ومن تعترض أو تتظاهر يقوم عناصر طالبان، بالاعتداء عليهن بالضرب.

(*) تأجيل الالتحاق بالمدارس واقتصاره على الأولاد: كما استبعدت الحركة الفتيات، من قرار العودة للدراسة بدءا من المرحلة الثانوية، معللين أن المدارس لن تكفى سوى الأولاد، في حين أن نفس المدارس كانت مقسمة من قبل بين الأولاد والبنات.

(*) إلغاء النشاط الرياضي: فقد هربت بطالات الرياضة الأفغانية من جحيم طالبان بعد وصول الحركة إلى السلطة، وذلك خوفا من مصير أليم كان من المتوقع أن يتعرضن له، فقد ألغت الحركة النشاط الرياضي للنساء، معللة أنه ليس نشاطاً ضرورياً. فالحركة التي لا يستطيع عناصرها التعامل مع النساء، كموظفات أو في المظاهرات، من المتوقع أنها لن تحتمل رؤية المرأة تمارس الرياضة.

(*) العقاب غير القانوني: حيث أعادت الحركة وزارة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، التي كانت موجودة خلال فترة حكمها السابق، ومن الجدير بالذكر أن هذه الوزارة كان على رأس مهامها، فرض رؤية الحركة المتطرف على المواطنين وخاصة النساء، فكانت تمنح عناصر الحركة صلاحية ضرب النساء، إذا قمن بكشف وجههن حتى عن دون قصد، فكان الجلد وبتر الأطراف والإعدام العلني دون محاكمة، أمر طبيعي وشائع، حتى أن النساء كن يعاقبن ببتر أصابعهن، كعقوبة على ارتكابهن جريمة طلاء الأظافر.

التأصيل الفقهي لنظرة الحركة للمرأة:

استقت كل الحركات المتطرفة ومنها حركة طالبان، رؤيتها المتطرفة تجاه المرأة، من موروث فقهي يعج بترسيخ وضع متدني للمرأة، فالآراء الفقهية في القضايا المختلفة، تضع المرأة في منزلة أقل من الرجل، بل أقل من الصبي غير المميز، وتصل بعض الآراء والمرويات إلى وضع المرأة، في خانة واحدة مع الدواب، فكيف يتوقع وضع محترم للمرأة، في ظل حكم  الجماعات المتطرفة، التي تقدس هذه الآراء الفقهية، ويمكن رصد أهم هذه الآراء الفقهية على سبيل المثال لا الحصر، على النحو التالي:

(&) في ما يتعلق بتولي المناصب القيادية: أجمع الفقهاء على عدم جواز تولى المرأة، للمناصب القيادية ومنها القضاء، مذهب المالكية والشافعية والحنابلة على ذلك، كم تبعهم تلامذتهم في هذا، وخالف أبو حنيفة الجمهور بقوله،” يجوز للمرأة أن تكون قاضية في غير الحدود” التي لا يجوز أن تكون شاهدة فيها، وقال ابن رشد “يجوز أن تكون قاضية في الأموال”، والقول الشاذ وفقا لوصف الفقهاء، لابن جرير الطبرى ” يجيز أن تكون المرأة قاضياً في جميع المسائل”.

(&) وضع المرأة في الزواج الذي يترتب عليه أحكام قوانين الأسرة: توصيف الفقهاء لعقد الزواج بداية، فيه إهانة بالغة للمرأة وهو بين، قول أبن عرفة “عقد لمجرد متعة التلذذ بآدمية” وقول الحنابلة” منفعة الاستمتاع”، وقول الأحناف “عقد يفيد ملك المتعة، وهو معقود للرجل دون المرأة”، وغيرها من الآراء الفقهية في نفس النطاق، التي تخالف النص القرآني العظيم، قال تعالى “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف” البقرة 228، وقال تعالى “وجعل بينكم مودة ورحمة” الروم21، وقوله “ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير”البقرة 237، وقال النبي ص الله عليه وسلم “النساء شقائق الرجال”. وعلى ما سبق، يمكن القول لقد غلب الفقهاء المناخ والعادات القبلية، على النص القرآني، والهدى النبوي، الذي من المفترض أن يستوحي الفقهاء منه، مزيدا من حقوق المرأة، بمد الخط على استقامته، بدلا من الردة الفقهية إلى الجاهلية.

فضلا عن المرويات التي نسبت للنبي الكريم زورا، لدعم هذا المناخ القبلي العنصري، ” لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر”، فهل يعقل أن ينعت النبي الكريم النساء إجماعا بالخيانة، وقول آخر “المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان” ، “لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”، وغيرها من عشرات المرويات، التي رسخت في العقل الجمعي للمسلم، وضع متدني للمرأة، وتسعى الجماعات المتطرفة لتطبيقه، في حال خفت قبضة الدول المدنية، أو عند وصولها إلى الحكم.

على ما سبق، يمكن القول إن وضع المرأة في الآراء الفقهية ينحصر، بين اعتبارها شخص فاقد الأهلية، أو ناقص الأهلية، فالآراء الفقهية تري أن دية المرأة على النصف من الرجل، والمرأة لا تصلح للشهادة أو شهادتها نصف شهادة، على أفضل الآراء في جميع المسائل، ليس فى الأموال فقط كما جاء في النص القرآني، الذى علل شهادة المرأة بنصف رجل، لعدم توافر خبرة للمرأة، في مسائل المعاملات المالية في العصور القديمة، ونحن نعلم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، لذلك هذا الحكم غير معمول به في الأنظمة الحديثة، لأن وضع المرأة حديثا، وما وصلت إليه من علم وتقدم فى مجالات العمل المختلفة، جعل المرأة على قدم المساواة مع الرجل، في الخبرات المختلفة.

وعلى الرغم من أن حركة طالبان، تدعى أنها تتبنى المذهب الحنفي في الفقه، الذي يعطى المرأة بعض الحقوق البسيطة، إلا أن ممارسات الحركة سواء فترة حكمها في التسعينات، أو بقراءة المؤشرات المبدئية لممارسات الحركة، تجاه المرأة حين وصلت للحكم مؤخرا- تؤكد أن الحركة تتبع أكثر الآراء تشددا وتطرفا تجاه المرأة، وتمحى كل أمل للمرأة الأفغانية في العيش بإنسانية وكرامة في عهدها.

مستقبل في مهب الريح:

تأسيسا على ما سبق، من المحتمل أن يشهد العالم في الفترة القادمة، أسوء العهود فيما يخص وضع المرأة الأفغانية، على جميع الأصعدة، فمن جانب؛ داخل أفغانستان لن تستطيع المرأة الأفغانية، مقاومة طالبان، والحفاظ على مكتسباتها التي حققتها خلال العشرين عام السابقة، فالأرقام تؤكد انخفاض جرائم العنف الأسرى ضد المرأة، في الفترة التي سبقت وصول طالبان للحكم إلى 250 حادثة في العام، بعد أن كانت تصل إلى خمسة ألاف حالة في العام، وزادت نسبة النساء المتعلمات بنسبة 50%، وأصبحت نسبة النساء العاملات 20%، فضلا عن وصول المرأة الأفغانية إلى شتى المناصب القيادية سواء الوزارية أو النيابية أو القضائية، كل هذه المكتسبات ذهبت بلا عودة، على يد تلك الحركة المتشددة.

إن ما سبق ذكره فيما يتعلق بتراجع مكتسبات المرأة الأفغانية، قد يبرر هروب الكثير منهن منذ وصول الحركة للعاصمة كابول، حيث رصدت بعض الدراسات فرار الآلاف تزامنا مع تمدد طالبان، وسيطرتها على المدن الأفغانية، حيث قدر أن 80% من الهاربون من الأفغان كانوا من النساء.

من جانب آخر ستكشف الأحداث القريبة، عن مدى جدية المجتمع الدولى، فيما يتعلق بحماية حقوق النساء، وتفعيل الاتفاقيات الدولية الضامنة لحقوقهن، خاصة وأن أفغانستان طرف في أغلب الاتفاقيات في هذا الشأن، إذن تملك المنظمات الدولية، توقيع العقوبات في مواجهة حركة طالبان، وعدم الاعتراف بالحركة، ضمانا لانتزاع أي قدر من حقوق للمرأة الأفغانية.

أخيرا؛ قد تشهد المرأة الأفغانية خلال الفترة المقبلة وضعاً أشبه بالعصور الوسطى، خاصة بعد أن كلفت الحركة أكثر قادتها تطرفاً بحقائق وزارية، وتمكنت من تقليص أهم المكتسبات التي حققتها المرأة خلال العشرين عام السابقة.

 

أسماء دياب

-رئيس برنامج دراسات الإرهاب والتطرف. -باحث دكتوراه في الشريعة الاسلامية . - حاصلة على ماجستير القانون الدولي جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون الدولى جامعة القاهرة. -حاصلة على دبلوم القانون العام جامعة القاهرة. - كاتبة في العديد في الصحف والمواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى