“روسيا” و”سوريا”..ترتيبات لمواجهة عودة قنابل “داعش”

 محمد صابر- باحث مساعد بوحدة دراسات الأمن الإقليمي

بالرغم من الإعلان عن هزيمة تنظيم داعش الإرهابي عام 2019، إلا أن خلاياه لازالت تواصل نشاطاتها، بتنفيذ عدة اعتداءات دموية بدول مختلفة، ففي إطار عودة وتزايد عمليات التنظيم في الساحة السورية، أعلن عن مسؤوليته تجاه تفجير أنبوب للغاز في محطة دير علي، جنوب شرق العاصمة دمشق، يوم 17 سبتمبر الجاري، جاء ذلك بعد لقاء جمع بين الرئيس السوري “بشار الأسد” ونظيره الروسي “فلاديمير بوتين”، وقيام الطرفين بالبحث في سبل التعاون المشترك بين الجيشين، في عملية مكافحة الإرهاب وتحرير الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيمات الإرهابية.

وبناءًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل لاستكشاف مدى تواجد التنظيمات الإرهابية في سوريا، وخاصة بعد عمليات “داعش خراسان” في أفغانستان، ومن ناحية أخرى توضيح الجهود الروسية والسورية في مكافحة الإرهاب في سوريا، ومواصلة روسيا دعم الرئيس السوري في السيطرة على كل رقعة من أراضي البلاد.

تاريخ تواجد التنظيم في سوريا:

بدأ انتشار عناصر داعش بسوريا منذ عام 2011، عندما أرسل زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” بعض العناصر لتأسيس جماعة تابعة لهم هناك، واستطاع التنظيم الاستيلاء على الموصل وتكريت واجتياح الحدود مع سوريا في يونيو2011.

ومع فرض التنظيم سيطرته على المناطق السورية، ومدينة تدمر في مايو 2015، استمرت الحرب عليه من قبل قوات الجيش السوري الذي يدعمه الجيش الروسي، إضافًة لجهود الولايات المتحدة إلا أن الأخيرة كانت تدعم قوات “قسد” دون أي تواصل مع السلطات الشرعية بدمشق.

واستطاع التنظيم الإرهابي حصار مطار مدينة “دير الزور” العسكري عام 2017، واستقدم تعزيزات عسكرية، لما تمثله تلك المدينة من موقعًا مثاليًا لتحقيق انتصارًا بالقرب من الحدود العراقية شرقًا، بالأخص بعد تقهقره سابقًا في الشمال والوسط العراقي.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية حينها تنفيذ 6 ضربات جوية على أهداف التنظيم في دير الزور السورية، مع نجاح الغارات الروسية في تدمير مركزين لقياديين، إضافًة إلى ستة مستودعات أسلحة للتنظيم، ومقتل عددًا كبيرًا من مقاتليه، كما شهد شهر سبتمبر2017 تحركات من جانب الجيش السوري بدعم من موسكو وطهران، تجاه دير الزور، لإعادة فرض سيطرة سوريا على منطقة الفرات، فتم قصف مواقع داعش جنوبي مطار المدينة المُحاصر، مع مواصلة قوات الجيش السوري التقدم، إلى أن تمكنت من طرد الإرهابيين من مواقعهم، وقامت طائرات القوات الجوية الروسية بما يزيد عن 80 ضربة جوية قتالية في سوريا، دعمًا للجيش السوري، كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية، وأوضحت في بيان لها أنها نجحت في تدمير 121,466 من “الأهداف الإرهابية”، أثر الغارات الروسية منذ عام 2015 حتى نهاية عام 2018.

على صعيد آخر، وبعد نجاح قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بدعم من واشنطن، في طرد عناصر “داعش” من الرقة، كما تواصلت جهود الجيش السوري واستطاع فرض سيطرته على جيوب كانت تخضع للتنظيم في اليرموك جنوبي دمشق، أوضح المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية أن “قسد” قامت بحصار أخر جيب لـ “داعش”، في الباغوز، ونجحت في السيطرة عليه في عام 2019، بدعم من الولايات المتحدة، وأُعلن عن نهاية ذلك التنظيم الإرهابي في سوريا.

عودة نشاط الخلايا الإرهابية في سوريا:

مع فقدان “داعش” لمعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، بدأت استراتيجيته بالتمحور، كما تغير هيكله بشكل ملحوظ، وأصبح يهاجم بصورة شبكة تعمل تحت الأرض، بتكثيف لنشاطه على الانترنت، فاتجه التنظيم لاستراتيجية الاستنزاف، وعاد لتنفيذ عدة عمليات مفاجئة، مع نشر الفتن داخل البلاد، فشهدت منطقة البادية السورية عمليات مكثفة عديدة للتنظيم مع نهاية عام 2020، وفي الآونة الأخيرة تم الإعلان عن عمليات إرهابية جديدة في سوريا، لتنظيم “داعش” الإرهابي، وبالأخص تزامنًا مع التحركات الحالية لفرع التنظيم المحلى بأفغانستان، “داعش خراسان”، الذي أعلن عن تواجده من خلال عملية ضرب مطار كابول، بما يشجع على تزايد نشاط جميع خلايا التنظيم حول العالم، خاصًة في سوريا والعراق.

وقد نفذ “داعش” هجومًا في محافظة كركوك شمال العراق في بداية سبتمبر 2021، واستُخدمت خلاله العديد من مختلف الأسلحة، ناسفة كانت أو متوسطة وخفيفة أيضًا، الأمر الذي يبرز التخوفات الأمنية في بغداد ودمشق أيضًا، فحتى أن سوريا لا تعم بالهدوء، وبالرغم من هزيمة التنظيم الإرهابي بها عام 2019، لا تزال خلاياه تواصل نشاطها وتنفذ اعتداءات دموية، حيث ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل ستة عناصر على الأقل من قوات الجيش السوري، إضافًة لعناصر من ميليشيا إيرانية، في هجوم نفذه تنظيم “داعش” في شمال – غرب سوريا، في أغسطس 2021، كما أن هناك أطرافًا واسعة من محافظة إدلب، مازالت خارجة عن سيطرة الجيش السوري، ويتعمد “داعش” خلال عملياته الإرهابية، أن تنشط هذه العمليات بالمناطق البعيدة عن المدن الكبرى، حتى يأمن عدم وصول تعزيزات الجيش لمناطقها.

أما عن الضربة الأخيرة للتنظيم فقد كانت بالمنطقة الجنوبية، وبعد القمة التي جمعت بين الرئيسين الروسي “فلاديمير بوتين” والسوري “بشار الأسد”، حيث أعلن التنظيم مسؤوليته عن عملية تفجير أنبوب الغاز بمحطة دير علي، جنوب شرق دمشق، فقد ذكرت ما تسمى بـ”ولاية الشام” عبر القناة الخاصة بها بتطبيق “تليجرام” أنه “بتوفيق من الله تعالى، وضمن الحرب الاقتصادية، تمكنت ما تُسمى جنود الخلافة من تفخيخ وتفجير خط الغاز الذي يصل بين محطتي (تشرين الحرارية) و(دير علي)، إضافًة إلى برجي كهرباء يتبعان لمحطة (دير علي)، فيما نتج عنه انقطاع التيار الكهربائي عن كامل المنطقة الجنوبية”.

ترتيبات روسية سورية:

خلال زيارة الرئيس السوري “بشار الأسد” لموسكو، وعقد قمة بين الرئيسين، ناقشا الطرفان مخاطر الإرهاب وسبل التعاون المشترك بين البلدين لمكافحته، كما نقل الكرملين عن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، إشادته بالجهود المشتركة بين موسكو ودمشق، ونجاحهم في توجيه ضربة للإرهابيين، وأن الجيش السورى يسيطر الآن على نحو أكثر من 90% من أراضى البلاد، إلا أنه لا تزال هناك للإرهابيين جيوب مقاومة، وأنهم لا يسيطرون فقط على جزء من الأراضى، بل يواصلون أيضًا عمليات ترهيبهم للمدنيين، وأكد “بوتين” أن النازحين يعودون بنشاط إلى المناطق السورية المحررة.

كما انطلقت أيضًا في سبتمبر الحالي، تدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين السوري والروسي، في البادية، بجنوبي شرق سوريا، وقد تشارك بها عديد من الطيارين الروس والسوريين خبراتهم العسكرية والقتالية باستخدام المروحيات الروسية،  وتُجرى هذه التدريبات في ظروف قتالية حقيقية، حيث يعمل الطيارون السوريون خلال هذه التدريبات على تنفيذ عدة مهام، من بينها مهمة اختراق دفاعات العدو، فهذه التدريبات تتم في أماكن تقع بالقرب من تدمر، في البادية التي مازالت تستخدمها مجموعات من المسلحين للاختباء.

ختامًا، يتضح أن عودة نشاط خلايا “داعش” في سوريا، مرتبطة بمدى تغير أولويات الأطراف، فقد تراجعت مكافحة الإرهاب من أجندة أهداف تركيا وقسد، مع زيادة وتيرة الصراع بينهما، وتزايد إيقاع هجمات أنقرة على شمال وشرق سوريا، كما تغيرت أولوية الولايات المتحدة أيضًا، فأصبحت تدعم بالأكثر استراتيجية مقاومة التواجد الإيراني، مما يشير إلى توجيه الموارد إلى هذه الأهداف بشكل أكبر، ليس لمكافحة عودة “داعش”، وقد صرح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” حول أضرار تواجد القوات الأجنبية في سوريا بشكل يخالف القانون الدولي، في إشارة منه إلى تركيا والولايات المتحدة.

ويبدو أن استمرار الأوضاع على هذا النحو سيعزز من خلق بيئة مناسبة لعودة نشاطات التنظيم الإرهابي، بشكل مُكثف في سوريا، خاصًة وبعد أن استطاع أن يتكيف مع الأوضاع الجديدة، وبناءًا على ما سبق يمكن توقع استمرار نشاطاته، التي بدأت تعود بقوة في سوريا، وفي الدول التي تنتشر فروع تابعة له على أراضيها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى