كيف يؤثر إلغاء صفقة الغواصات على علاقات “باريس” و”واشنطن”؟

يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن يحاول تنفيذ استراتيجيته الجديدة بنقل الاهتمام من الشرق الأوسط والمحيط الأطلسي، إلى المحيطين الهادي والهندي، لكبح جماح الصين في المنطقة، وبدلا من التركيز على التواجد العسكري وبناء القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، توجيه بجهود الولايات المتحدة إلى مواجهة تنامي النفوذ الصيني. وبالفعل بدأ أولى خطواته لذلك، لكن بصدام مع فرنسا، حيث دخلت العلاقات الأمريكية الفرنسية مؤخراً في خلاف مفتوح ومتصاعد، بعد إلغاء استراليا لصفقة شراء غواصات فرنسية، كانت قد أبرمتها عام 6201، واستبدلتها بأخرى مماثلة أمريكية بريطانية، وأرجعت – استراليا – ذلك لأسباب تقنية، باعتبار أن الغواصات الأمريكية تعمل بالطاقة النووية.

وفي هذا الإطار؛ يتناول التحليل الموقف الفرنسي من إلغاء صفقة الغواصات الأسترالية، و الدوافع الأمريكية من عقد صفقة مماثلة مع كانبيرا بديلة للصفقة الفرنسية، وكيف ستعوض واشنطن باريس عن الصفقة، فضلا عن  الخيارات  التي سيلجأ لها الأوروبيون – وبالأخص فرنسا-  للرد على تصرفات واشنطن.

الواقع على الأرض:

الصفقة بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا جاءت في إطار اتفاقية أمنية ثلاثية حول منطقة المحيطين الهادي والهندي، عرفت بـ “أوكو”، تعهدت واشنطن ولندن خلالها بمساعدة كانبيرا في الحصول على غواصات تعمل بالدفع النووي، وكان ذلك في إطار السعي الحثيث للحصول على دعم إضافي في القارة الآسيوية والمحيط الهادي، وسط مخاوف من تنامي النفوذ الصيني هناك.

وكانت الحكومة الأسترالية، قد أرجعت أسباب إلغائها لصفقتها مع فرنسا لأسباب تقنية، منها عدم التأكد من قدرة الغواصات الفرنسية التقليدية على العمل في بيئات معينة في المحيطات، كما قال رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، مبررا موقفه، إنه أثار في محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يونيو الماضي، إمكانية إلغاء صفقة الغواصات المبرمة في العام 2016 مع شركة فرنسية. إلا أن باريس نفت ذلك، كما أنها لم تقتنع بتلك المبررات، ووجهت اللوم إلى واشنطن، ووصفت ما حدث بـ ” طعنة في الظهر، واتهمتها بـ ” الخيانة “، ومحاولة إقصائها من المنطقة. وفي محاولة لتخفيف الاحتقان مع باريس؛ أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أن العلاقات الأمريكية الفرنسية قوية جدا، وستستمر هكذا، وسيستمر التعاون العسكري بينهم في المحيطات.

 لكن الواقع حاليا لا يعكس ذلك، فقد عادت فرنسا تؤكد على أهمية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وحماية المصالح الأوروبية، كما أطلق وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لورديان تصريحات قوية بأن القضية لن تنتهي بإعلان أستراليا إلغاء الصفقة، وهو الواقع الذي قد تتولد وتتراكم آثاره مع تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي العام المقبل، الذي أعلن سلفا عن استراتيجية جديدة في المحيط الهندي والهادي، وتعهد بإبرام اتفاق  تجاري مع تايوان، ونشر المزيد من السفن، لإبقاء الطرق البحرية مفتوحة.

ما الذي تسعي إليه واشنطن؟:

أشار بعض المحللين إلى إمكانية تشكل تحالفات جديدة، لأن هذه الصفقة بالتأكيد أنها ليست وليدة اللحظة التي تم الإعلان عنها فيها، وإنما اتفاقية جيوسياسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المحيطين الهادي والهندي، وليس لمجرد المزايا التي تتمتع بها الغواصات، سواء القدرة على التخفي عن رادارات المراقبة، أو البقاء تحت الماء لفترات طويلة، بالإضافة إلى المميزات النووية، وبالتالي هناك نوع من السعي لدي استراليا للتمتع بالحماية الأمريكية، وهي الرغبة التي توافقت مع  توجهات لندن التي تحاول تخفيف العزلة التي فرضها عليها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، من خلال إتباع استراتيجية جديدة تقربها من القارة الآسيوية، كما توافقت أيضا تلك الرؤى مع الإحباط الأمريكي من الاتحاد الأوروبي الذي يرى في الصين شريكا استراتيجيا واقتصاديا وتجاريا مهما على حساب واشنطن، ويري – الاتحاد الأوروبي – أن هذه الشراكة ستمكنه من لعب دور استراتيجي ومحوري على خط العلاقات الأمريكية الصينية.

كما أن هذا الاتفاق وضع الولايات المتحدة في مأمن، فهي ستحاول توظيف أستراليا لرصد تحركات الصين المقلقة لواشنطن في المنطقة، وبالأخص في بحر الصين الجنوبي، كذلك تحركاتها تجاه تايوان، حيث توجد عدة مؤشرات على وجود تحركات واستعدادات عسكرية من قبل الصين تجاه تايوان. كما أنه من جهة أخري سيشجع سباق التسلح لدى جارات الصين، كاليابان وكوريا الجنوبية والهند، وهناك قمة رباعية سيعقدها الرئيس الأمريكي مع تلك الدول الأسبوع القادم، وبالتالي من المحتمل أنها ستشهد محادثات تخدم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة.

مواقف مناهضة للصفقة:

فقد لاقت الصفقة الأمنية والدفاعية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا المعروفة بـ ” أوكوس ” معارضة قوية وواضحة من قبل الأطراف المعنية، وتمثل أهمها في :

(*) الموقف الفرنسي: بالإضافة إلى التصريحات والإدانات- سالفة الذكر –  القوية التي وجهها مسئولو باريس اعتراضا على إلغاء أستراليا لصفقة الغواصات، فقد ألغت السلطات الفرنسية حفل استقبال كان مقررا في واشنطن في ذكرى معارك حربية حاسمة في حرب الاستقلال الأمريكية، وتصعد الموقف إلى حد إعلان وزارة الخارجية الفرنسية في ١٧ سبتمبر الجاري عن استدعاء سفيريها من واشنطن وكانبيرا للمرة الأولى في التاريخ، من أجل إجراء مشاورات، على خلفية إعلان الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا خطة لبناء غواصات نووية للجيش الأسترالي، وبرر وزير الخارجية الفرنسي جان لورديان أن “هذا القرار الاستثنائي مبرر بالخطورة الكبيرة للتصريحات الصادرة يوم 15 سبتمبر”. واستثنت فرنسا بريطانيا من هذا القرار، نظرا لكونها لا تحتاج إلى توضيحات، لأنها على دراية بسياسة لندن” الانتهازية” ما وصفها وزير الخارجية الفرنسي. كما يري لورديان أن هذه الصفقة ستؤثر بالسلب على حلف الناتو.

(*) موقف الاتحاد الأوروبي: أعلن مسئول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل أن التكتل “يأسف” لعدم إبلاغه بشأن الاتفاقية الأمنية المبرمة بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا لمنطقة المحيطين الهندي والهادي، ودخول الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة شئ طبيعي، باعتبار أن فرنسا أحد ركائز الاتحاد الأوروبي في الأساس، خاصة في ظل تذبذب العلاقات بين واشنطن وبروكسل، التي ترجع إلى فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهو ما أكده وزير الخارجية الفرنسي بأن هذه التصرفات شبيهة بتصرفات ترامب، والتي استمرت  حتى الآن أثناء فترة بايدن الحالية، خاصة بعد قضية التجسس الأمريكي على زعماء أوروبيين، أبرزهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فضلا عن الانسحاب من أفغانستان، ومع ذلك؛ يري محللون أن هذا التصعيد مؤقت، وإن كان هناك رد فعل قوي من الاتحاد الأوروبي  أو فرنسا، فإنها لن تكون طويلة الأمد، خاصة بعد رحيل ميركل بعد الانتخابات الألمانية خلال الشهر الجاري، كذلك الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل واحتمالية رحيل ماكرون، بالتالي فإن احتمالية وجود رد فعل عملي وقوي من قبل الاتحاد الأوروبي تكاد تكون ضعيفة، لكن ذلك لا يمنع حدوث بعض التداعيات، خاصة حول استقلالية الشأن الأوروبي عن الإرادة الأمريكية، وبالأخص الاستقلالية العسكرية، حيث يبحث الاتحاد الأوروبي مسألة تكوين قوة دفاعية عسكرية مستقلة لمواجهة الأزمات خاصة بعد الانسحاب من أفغانستان، وأيضا إمكانية وجود نوع من تقارب المصالح الحذر مع دول مثل الصين وروسيا، لأن تلك السياسات قد زعزعت الثقة الأوروبية في الإدارة الأمريكية الحالية،  لكن من المتوقع أن يظل التصعيد على المستوى الدبلوماسي فقط، ولن يتعدى حدود ذلك.

(*) الموقف الصيني: رغم تأكيدات مسئولين في البيت الأبيض، ورغم أن الاجتماع بين الدول الثلاث لم تذكر فيه الصين، إلا أن كل المؤشرات تفضي إلي أنها المستهدفة من هذا الاتفاق، لذلك خرجت الصين تندد بهذا الاتفاق، وتري أنه موجه ضدها، خاصة في ظل وجود خلافات عميقة بين الطرفين في مجالات عدة، وكان آخرها عندما طلبت أستراليا من الصين توضيحات بشأن مصدر فيروس كورونا.

وخرجت وزيرة الخارجية الصينية تحذر من أن صفقة الغواصات البحرية تتعارض مع الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، وأن الدول الموقعة على الاتفاقية تسعي لتدمير السلام الدولي، وشددت على أهمية ألا تلحق الصفقة الضرر بطرف ثالث، واتهمت الصين واشنطن ولندن وكانبيرا بـ “التفكير الكتلوي” والتحيز الأيديولوجي. وبناءا على ذلك فمن الممكن أن تستغل بكين خيبة الأمل الأوروبية – والفرنسية على وجه الخصوص – تجاه الإدارة الأمريكية الحالية، وتعمل على التوصل إلى تفاهمات مع الشركاء الأوروبيين لتوحيد جهودهم في مواجهة الطموحات الأمريكية في المنطقة.

وكان الرد العملي على الصفقة؛ بأن قدمت الصين طلبا رسميا للانضمام إلى اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ، ويضم اتفاق الشراكة هذا كلا من نيوزيلندا وأستراليا وبروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك وبيرو وسنغافورة وفيتنام.

خيارات فرنسية:

رغم الخسائر الاقتصادية التي ستتكبدها فرنسا نتيجة لإلغاء استراليا صفقة عسكرية تقدر بحوالي  ٤٠ مليار دولار، فإن المشكلة بالنسبة لباريس لا تتلخص في مجرد التعويضات  -وإن كانت وسيلة مهمة لتهدئة الأزمة – سواء من واشنطن أو كانبيرا، وإنما أكبر، فحينما يصدر تصريح من دبلوماسي بقيمة وزير الخارجية الفرنسي مثل “طعنة في الظهر ” أو ” صفعة على الوجه ” أو ” خيانة”، فهذا يدل على أن هناك خيبة أمل كبيرة لدى باريس التي كانت تعول على الرئيس بايدن بأنه سيعيد اللحمة إلى جناحي الأطلسي، والتعامل كشركاء، فضلا عن أن هذا في حد ذاته يضفي على الصناعات العسكرية الفرنسية سمعة غير جيدة.

وإن كانت  إدارة الرئيس بايدن ستنتهج – بشكل أو بآخر – سياسات شبيهة بسياسات إدارة الرئيس ترامب السابقة الموجهة إلى تجاهل أوروبا، تلك السياسات التي تقرب بروكسل من الصين وروسيا، وهو ما حدث بالفعل نتيجة لسياسات الإدارة الأمريكية السابقة، وبالتالي فإن ما حدث مجددا من الممكن أن يروج لمبدأ أوروبا أولا، كما هو أمريكا أولا، أي أنه إذا ظل الحال كما هو عليه؛ ستقدم المصلحة الأوروبية على المصلحة الأوروبية الأمريكية، وبالتالي سيكون لهذا تداعياته السلبية التي ستساعد على تقارب ربما يسكون ” حذرا ” مع روسيا والصين.

وفي الختام يمكن القول؛ إن فرنسا تلقت من الولايات المتحدة ضربتين في غضون أسابيع قليلة، تمثلت الأولي في الانسحاب من أفغانستان، والثانية تمثلت في إبرام الولايات المتحدة لصفقة غواصات عسكرية مع أستراليا، أدت إلى إلغاء الأخيرة لصفقة مماثلة مع باريس، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى فك الارتباط بالأمريكان، كما أنه من الممكن أن يعجل بفكرة تشكيل جيش أوروبي موحد ومستقل، خاصة بعد تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي، لذا  فإن عملية الثقة بين الأوروبيين وإدارة بايدن باتت على المحك، لذلك فالآن الكرة في ملعب الأمريكان، لذا على واشنطن أن تبدي بادرة حسن نية، وتعمل على تطمين باريس وبروكسل أو تعويضها، والتوصل لاتفاق مرضي نظرا لكونهم شركاءا استراتيجيين وليسوا أعداءا.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى