كيف ينعكس قانون الجمارك الجديد على المصدرين والمستوردين؟

فى سلسلة من الإصلاحات التى  تستهدف إحداث تغيير كلى وشامل بمنظومة الجمارك المصرية، وقع وزير المالية “محمد معيط” على اللائحة التنفيذية لقانون الجمارك الجديد رقم 207 لسنة 2020 ودخلت حيز التنفيذ فى الأول من سبتمبر 2021، ضمن المشروع القومي لتحديث نظام العمل في الجمارك المصرية والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا المتطورة، وتساعد على تبسيط وميكنة الإجراءات لتعزيز الحوكمة والتيسير على مجتمع الأعمال وتسهيل حركة التجارة الداخلية والخارجية وخفض تكلفة الاستيراد والتصدير لتحفيز الاستثمار.

ملامح القانون:

يعتبر قانون الجمارك الجديد رقم 207 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية التى بدأ العمل بها اعتبارا من الأول من سبتمبر 2021، هو القانون الذى طال انتظاره من قبل المصدرين والمستوردين للسلع والخدمات، حيث ينطوى هذا القانون على عدد من النقاط التى من شأنها تبسيط وتسهيل الإجراءات الجمركية وخفض التكاليف، بالإضافة إلى العديد من المزايا التى لم تكن متوفرة بقانون الجمارك القديم رقم 66 لسنة 1963، والذى تم إلغاء العمل به وكذلك قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية رقم 186 لسنة 1986؛ وهم القوانين التى استمر العمل بها لفترة طويلة دون مواكبة ما طرأ من مستجدات فى مجال التجارة العالمية، لاسيما التجارة الإلكترونية، وتنعكس هذه المزايا إيجابيًا لمصلحة المستوردين والمصدرين وكل من ينطبق عليهم القانون والدولة المصرية أيضًا، وسيتم توضيح ذلك فيما يلى:

 (*) إنشاء نظام إلكتروني لأول مرة فى الجمارك ومواكبة التحول الرقمى: حيث أقر القانون الجديد لأول مرة قيام مصلحة الجمارك بتتبع البضائع المستوردة التى يتم عرضها للبيع عن طريق المواقع الإلكترونية والمنقولة بنظام الترانزيت غير المباشر وبجميع الوسائل المتاحة إلكترونيًا حتى مرحلة الإفراج النهائي، والسماح بتبادل المعلومات والبيانات المؤمنة إلكترونيًا بين المصلحة الجمارك والجهات التابعة للدولة أو الجهات الخارجية المبرم معها اتفاقيات تقر ذلك، مع إمكانية التخليص المسبق وسداد الرسوم الجمركية قبل وصول البضائع.

 (*) زيادة اختصاصات مصلحة الجمارك وتحديد واضح لها: حيث حدد القانون الجديد اختصاصات مصحة الجمارك كاملة مع توسيع اختصاصاتها بتولي مسئولية الرقابة على التجارة الإلكترونية، واتخاذ الإجراءات التى تراها المصلحة كفيلة لتأمين وتيسير حركة التجارة الدولية بالتنسيق مع الجهات المختصة، واتخاذ أو طلب من الجهات المختصة جميع التدابير التى تراها كفيلة بمنع التهريب والتتبع الإلكترونى للبضائع، وهو ما لم يكن محددا فى القانون القديم الذى ترك إنشاء فروع المصلحة وتحديد اختصاصاتها وأنواع البضائع المسموح بإتمام الإجراءات عليها بقرار من وزير المالية.

(*) تحديد أكثر تفصيلا لفرض الضرائب القيمية والنوعية: حيث حدد القانون الجديد أداء الضريبة الجمركية على البضائع الخاضعة لضريبة قيمية كنسبة مئوية محدد من القيمة المقبولة الجمركية، كذلك البضائع الخاضعة  لضريبة نوعية والتى كانت تستوفى كاملة بصرف النظر عن حالة البضائع أصبح أداء الضريبة عليها بمبلغ محددا للصنف وفقًا للعدد أو الوزن.

(*) تشجيع الصناعة الوطنية وخفض الإنتاج المحلى: من خلال السماح بتقسيط الضريبة المستحقة على الآلات والمعدات والأجهزة وخطوط الإنتاج وأجزائها التى لا تتمتع بأى إعفاءات أو تخفيضات فى التعريفة الجمركية متى كانت واردة للمشروعات الإنتاجية لمدة لا تجاوز سنة، نظير سداد ضريبة إضافية عن كل شهر والتى يُعفى منها الآلات والمعدات الواردة باسم أو لحساب المشروعات القومية أو البنية الأساسية للدولة.

(*) الإقرار على تحديد رسوم خدمات النافذة الواحدة: ومقابل خدمات الاستعلام المسبق وفئات الرسوم والمقابل عن جميع الخدمات التى تقدمها مصلحة الجمارك.

(*) توسيع نطاق السلع المعفاة الجمركية: ففى ظل ما تمر به الدول من ضغط على القطاع الصحى لديها وما خلفته أزمة جائحة كورونا من جاهزية واستعداد المستشفيات لأية تغيرات طارئة، وفى إطار خطة الدولة المصرية لإحداث تطوير كل وشامل بالقطاع الصحى، تضمن القانون الجديد الإقرار على الإعفاء الجمركى لكل ما تستورده المستشفيات الحكومية والجامعية من الأجهزة والمعدات والأدوية ومشتقات الدم والمستلزمات الطبية والأمصال ووسائل تنظيم الأسرة وألبان الأطفال من الرسوم الجمركية.

 (*) الإعفاء الجمركى لجميع الأمتعة الشخصية الخاصة بالمسافرين من سياح وعابرين ومقيمين عند القدوم والمغادرة: وذلك بعد أن كانت تقتصر فى القانون القديم على الملابس الشخصية المستعملة وآلات التصوير والكتابة والحاسبة والراديو وتسجيل الفيديو والنظارات المسرحية والحلى والمجوهرات، بشرط ألا يكون لها صفة الاتجار.

 (*) استحداث الإطار القانونى لنظام الأسواق الحرة: حيث كانت تتم معاملتها كالمستودعات الخاصة رغم أنها ليست مخازن بالمعنى الدقيق، بل أماكن يرخص فيها بعرض وبيع البضائع غير خالصة الضرائب الجمركية.

(*) تقليل زمن النزاعات القضائية: فقد استحدث القانون نظام جديد لتسوية المنازعات الجمركية، يسمح بالتظلم إلى جهة الإدارة قبل اللجوء للتحكيم؛ بما يمنع تفاقم المنازعات بين أصحاب البضائع ومصلحة الجمارك وتقليل زمن النزاعات القضائية.

(*)استحداث نظام المخازن الجمركية المؤقتة: بأن تصبح هذه الموانئ بوابات عبور للبضائع، وليست أماكن لتخزينها أو تكدسها، بما يُسهم فى تقنين وضع الساحات والمخازن التى تنشأ داخل الموانئ وتقدم من خلالها الخدمات الجمركية على البضائع الواردة والمصدرة.

(*) تشديد عقوبات المخالفة الجمركية: حيث تضمن القانون الجديد زيادة مبالغ الغرامات للمخالفات الجمركية بما يضمن إحكام الرقابة الجمركية، والتى تنقسم إلى:

المخالفة مبلغ الغرامة
القانون القديم القانون الجديد
منع موظفى الجمارك من القيام بواجباتهم ومخالفة المخلصين الجمركيين لواجباتهم وعدم المحافظة على الختام الموضوعة بالطرود أو وسائل النقل ومخالفة القواعد والإجراءات الجمركية المقررة إذا لتم تتجاوز الضريبة الجمركية المعرضة للضياع 30 ألف جنيه.

 

لا تقل عن جنيه ولا تزيد عن 500 جنيه 10 آلاف جنيه
المخالفات الخاصة بقائمة الشحن (المانيفست)، وقوف وسائل النقل فى غير الأماكن التي تحددها الجمارك أو المغادرة بدون ترخيص، شحن أو تفريغ السفن ونقلها دون ترخيص من الجمارك. لا تقل عن خمسائمة جنيه و لا تزيد علي ألف جنيه 30 ألف جنيه
تقديم بيانات خاطئة ومخالفة نظم العبور والمستودعات والمناطق الحرة والسماح المؤقت لا تقل عن عشر الضرائب الجمركية المقدرة ولا تجاوز مثلها 10 آلاف جنيه
التسبب بطريق الإهمال فى النقص غير المبرر للبضائع عما هو مدرج بقائمة الشحن والزيادة غير المبررة للبضائع لا تقل عن 500 جنيه و لا تجاوز 1000 جنيه تعادل نصف الضريبة الجمركية المعرضة للضياع
تقديم بيانات غير صحيحة عن صنف البضاعة أو منشئتها ومخالفة الضوابط والإجراءات الجمركية بشأن البضائع الترانزيت والمستودعات والمناطق الحرة والاقتصادية والأسواق الحرة والسماح المؤقت  لا تقل عن عشر الضرائب الجمركية المقدرة و لا تجاوز مثلها تعادل مثل الضريبة الجمركية المعرضة للضياع
التهريب أو الشروع فيه حبس وغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه و لا تجاوز عشرة الآف جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين.

 

حبس وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه

دوافع تدشين القانون ولائحته التنفيذية:

لم يأتى قانون الجمارك الجديد رقم 207 لسنة 2020 ولائحته التنفيذية إلا لوجود مجموعة من المعوقات والمشكلات التى كانت بمنظومة الجمارك المصرية، والتى يمكن الاستدلال عليها من خلال نتائج مؤشر التجارة عبر الحدود بتقرير ممارسة أنشطة الأعمال للعام 2020، والذى أصدره البنك الدولى فى نسخته السابعة عشر، فى الرابع والعشرين من أكتوبر 2019، حيث يقيس مؤشر التجارة عبر الحدود الوقت والتكلفة المرتبطين بالعملية اللوجستية لتصدير واستيراد السلع، وتحتل مصر بشكل دائم ترتيباً متأخرا فى هذا المؤشر وهو الترتيب 171 من بين 190 دولة عام 2020 وهو ذاته فى تقرير العام 2019، ومتأخرا عما سبقه من أعوام.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج تقرير ممارسة الأعمال لسنوات متفرقة.

 فعلى الرغم من انخفاض الوقت اللازم لتصدير السلع 48 ساعة مقارنة بـمتوسط 52.5 ساعة فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وانخفاض التكلفة لكل من التصدير بالامتثال القانونى والوثائقى لتبلغ 258 دولار و100 دولار على الترتيب عن المتوسط فى المنطقة 441.8 دولار و 240.7 دولار على الترتيب، إلا أن الوقت والتكلفة اللازمين للاستيراد مازالا مرتفعان عن المتوسط فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والدول مرتفعة الدخل بمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، حيث يبلغ الوقت والتكلفة اللازمين للاستيراد بالامتثال للحدود فى مصر 240 ساعة و554 دولار مقارنة بـمتوسط 94.2 ساعة و512.5 دولار فى المنطقة و8.5 ساعة و3.4 دولار فى المنظمة، أما الوقت والتكلفة اللازمين للاستيراد بالامتثال الوثائقى يبلغان 265 ساعة و1000 دولار مقارنة بـمتوسط 72.5 ساعة و262.6 يوم فى المنطقة وفى المنظمة 3.4 ساعة و35.5 دولار.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج تقرير ممارسة الأعمال لسنوات متفرقة.

وكذلك ركيزة أسواق المنتجات بمؤشر التنافسية العالمى الذى يصدره المنتدى الاقتصادى العالمى، ويدخل فى حسابها 7 مؤشرات فرعية من بينها 4 مؤشرات تقيس كفاءة المنظومة الجمركية وتشمل كفاءة عملية التخليص الجمركى والانفتاح التجارى للخدمات وكفاءة التخليص الجمركى عند الحدود وانتشار الحواجز غير الجمركية، حيث احتلت مصر الترتيب الـ 100 من بين 141 دولة فى عام 2019 فى هذه الركيزة، وبلغت القيمة الكلية لها 50.7 درجة بتحسن بطئ عن عامى 2017 و2018 واللذان بلغت فيهم هذه القيمة 48.2 درجة، فكلما اقتربت قيمة المؤشر من المائة كان أفضل، وعكست نتائج المؤشرات الفرعية الثلاث تأخر ترتيب مصر العالمى فى مؤشر التعريفة التجارية وهو 136 من بين 141 دولة عام 2019، أما مؤشرات تعقيد التعريفة الجمركية وكفاءة التخليص الجمركى فاحتلت فيهم مصر الترتيب 86 و76 على الترتيب، وفى المقابل ترتيبا متقدما فى مؤشر انتشار الحواجز غير الجمركية وهو 67 من بيم 141 دولة.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج مؤشر التنافسية العالمى.

والجدير بالذكر، أن جميع هذه المعوقات وغيرها وتعمل الحكومة المصرية على معالجتها منذ  سبتمبر 2019، بإعلان مصلحة الجمارك عن خطتها لتطوير المنظومة الجمركية، والتى تنطوى على لى التحول الإلكتروني وتفعيل منظومة الشباك الواحد وتقديم الخدمات وتبادل المستندات إلكترونيا.

المكاسب المحتملة:

يحقق قانون الجمارك الجديد رقم 207 لسنة 2020 عدداً من المكاسب لكل من مصر والمصدرين والمستوردين، وتتمثل فى زيادة الإيرادات الجمركية والتى تشكل 4% من إجمالى الإيرادات الضريبية، نتيجة التنظيم الجيد لمنظومة الجمارك من جهة وإدخال التجارة الإلكترونية والتتبع الإلكترونى وإحكام الرقابة  ومواجهة التهرب الجمركى من جهة أخرى، وخفض التكلفة والوقت اللازمين لعملية الاستيراد والتصدير والقضاء على البيروقراطية.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى لموازنة 2020/2021

وينعكس كل هذا على ترتيب مصر العالمى بالمؤشرات الدولية كمؤشر ممارسة الأعمال ومؤشر التنافسية العالمى، حيث تتمثل أهمية وجود الدول فى مراكز متقدمة بهاتين المؤشرين فى كونهم إحدى طرق الجذب للمستثمر الأجنبى وزيادة ثقة المؤسسات الدولية باقتصاد الدولة،  ففى تقرير ممارسة الأعمال الذى يصدر عن البنك الدولى، والذى عكست أخر نسخة منه والصادرة فى أكتوبر 2019، تحسن ترتيب مصر العالمى فى مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال تحسناً لعامى 2019 و2020، لتتقدم 14 مركزاً عن تقرير عام 2018، حتى أصبحت تحتل الترتيب 114 من بين 190 دولة للعام 2020 بدلا من 128 بتقرير العام 2018،  والتقدم بـ 6 مراكز جديدة عن تقرير العام 2019، لكنه مازال متأخرا عما كان عليه عام 2010، والذى كانت تحتل فيه مصر الترتيب 106 من بين 183 دولة.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج تقرير ممارسة الأعمال لسنوات متفرقة.

وكذلك ترتيب مصر العالمى فى مؤشر التنافسية، والذى تطور خلال الفترة (2019-2009) بشكل ملحوظ، فبعد التراجع الكبير الذى شهده هذا الترتيب منذ عام 2011 ليصل إلى قمة تراجعه عام 2014 باحتلال مصر الترتيب 119 عالمياً مقارنة بالترتيب 70 للعام 2009، أخذ هذا الترتيب فى التحسن المستمر منذ عام 2015 وتقدمت مصر من المركز 116 عالميا للعام 2015 إلى المركز 93 عالميا للعام 2019، لتتقدم بذلك 26 مركز مقارنة بعام 2014.

المصدر: إعداد الباحثة، بالاعتماد على نتائج مؤشر التنافسية العالمى لسنوات متفرقة.

وختامًا، يمكن القول بأن قانون الجمارك الجديد جاء ليضع الأثر الأكبر فى تطوير منظومة الجمارك بمصر ضمن الإصلاحات الأخرى التى تمت بهذه المنظومة وعلى رأسها نظام النافذة الواحدة وإنشاء نظام إلكتروني، ليُكتب بهذا تحولاً جديدا وجذريا بهذه المنظومة التى لطالما عانى المتعاملين معها من عقبات عديدة على مدار سنوات سابقة،  ومن أجل تعزيز هذه الخطوة الهامة ببدء العمل باللائحة التنفيذية للقانون بدءا من شهر سبتمبر 2021، سيكون ذلك بتطبيق ما يلى:

  • عقد ندوات ومناقشات باتحاد الصناعات المصرية وجمعية المصدرين المصريين والاتحاد العام للغرف التجارية المصرية للتوعية بالقانون ولائحته التنفيذية وكيفية الاستفادة من المزايا العديد التى يقدمها القانون.
  • متابعة تنفيذ آلية الشباك الواحد بمختلف المحافظات، وتقييم أداؤها بشكل مستمر، لضمان القضاء على العراقيل البيروقراطية والروتينية.
  • تفعيل دور الاستعلام عن الشحنات والمستحق عليها والحراسات والغرامات الكترونيا.
  • العمل بنظام اعتماد المستندات الإلكتروني بعد مراجعتها مع المستورد.

 

قمر ابو العلا

رئيس برنامج الاقتصاد السياسي. باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى