لماذا زار حفتر وعقيلة صالح “القاهرة” قبل 100 يوم من الانتخابات؟

استقبل الرئيس “عبد الفتاح السيسي” في الـ 14 من سبتمبر الجاري كلا من المشير “خليفة حفتر” قائد الجيش الوطني الليبي، و”عقيلة صالح” رئيس مجلس النواب الليبي، واللذان يقومان بزيارة رسمية إلى القاهرة، حيث تم بحث التطورات الراهنة الخاصة بالملف الليبي وذلك قبل نحو 100 يوم فقط من الموعد المقرر للانتخابات البرلمانية والرئاسية الليبية والمفترض إجرائها في 24 ديسمبر المقبل، وشهدت التحضيرات لهذه الاستحقاقات انفراجة نسبية خلال الأيام الأخيرة بعدما صادق البرلمان الليبي على قانون انتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي تسعى هذه الورقة لقراءة تحليلية في السياق العام الذي سبق هذه الزيارة، ودلالات التوقيت، ومن ثم التوصل لرؤية استشرافية بشأن مسارات الملف الليبي والسيناريوهات المحتملة للانتخابات المقبلة.

زيارة ثلاثية:

أعلنت الرئاسة المصرية في الـ 14 من سبتمبر الجاري أن الرئيس “عبد الفتاح السيسي” قد عقد اجتماعا مع قائد الجيش الليبي “خليفة حفتر” ورئيس البرلمان الليبي “عقيلة صالح”، وقد كان اللقاء بحضور الوزير “عباس كامل” رئيس جهاز المخابرات العامة، حيث تم بحث آخر مستجدات الملف الليبي وكيفية حلحلة العقبات التي تهدد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها المقرر بنهاية ديسمبر المقبلة.

من ناحية أخري، تأتي هذه الزيارة في ظل الاستعدادات الراهنة لعقد اجتماعات اللجنة العليا المشتركة بين مصر وليبيا، وفي هذا السياق وصل رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” إلى القاهرة في الـ 15 من سبتمبر الجاري في زيارة رسمية إلى مصر يترأس خلالها وفداً وزارياً ليبياً للمشاركة في هذه الاجتماعات، ومن المقرر أن يعقد “الدبيبة” اجتماعاً مع الرئيس “السيسي” في أعقاب اجتماعات اللجنة التي سيشارك فيها نظيره المصري “مصطفى مدبولي”، والتي سيتم خلالها تفعيل الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال الاجتماع الأول لهذه اللجنة في طرابلس خلال زيارة “مدبولي” إلى العاصمة الليبية في إبريل الماضي.

حراك مكثف:

تأتي زيارة المسئولين الليبيين إلى القاهرة في ظل حالة من الحراك المكثف الذي يشهده الداخل الليبي بعد اقتراب موعد الانتخابات، وقد تجسدت ملامح هذا الحراك في الزيارات الخارجية المتعددة التي يقوم بها الأطراف الداخلية في المشهد الليبي، والتي يمكن تفنيدها في العناصر التالية:

(*) زيارة المنفي إلى قطر: فقد وصل رئيس المجلس الرئاسي الليبي “محمد المنفي” إلى العاصمة القطرية الدوحة في الـ14 من سبتمبر الجاري، حيث ألتقي خلالها بأمير قطر “تميم بن حمد آل ثاني”، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية ومستجدات الملف الليبي، وقد أعلنت الدوحة بأن هذه الزيارة تأتي لمحاولة رسم استراتيجية جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

(*) زيارة الدبيبة إلى تونس: قام رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية “عبد الحميد الدبيبة” بزيارة رسمية إلى تونس في الـ9 من سبتمبر الجاري، التقى خلالها بالرئيس التونسي “قيس سعيد” حيث تم بحث سبل تعزيز التعاون بين البلدين، والآليات التي سيتم من خلالها إعادة فتح الحدود بينهما، وحلحلة المشكلات التي تعيق هذا الأمر، وتجدر الإشارة بأن الفترة الأخيرة كانت قد شهدت حالة من التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين، وذلك بعدما أشار تقرير مسرب من قبل الإنتربول بشأن محاولات من قبل بعض العناصر الإرهابية في قاعدة الوطية الليبية لاختراق الحدود التونسية لتنفيذ عمليات إرهابية هناك، وهو ما تمخض عنه اتهامات متبادلة بين الطرفين.

(*) لقاء الدبيبة بوفد أمريكي: فقد ألتقي رئيس الحكومة الليبية في الـ 14 من سبتمبر الجاري بوفد أمريكي برئاسة مستشار وزارة الخارجية الأمريكية “ديريك شوليت”، حيث شهد اللقاء بحث مستجدات الوضع الداخلي في الملف الليبي، والاستعدادات الراهنة لعقد الانتخابات المقبلة.

(*) تحركات إخوان ليبيا: في إطار القلق المتنامي لدى جماعة الإخوان في ليبيا من نتائج الانتخابات المقبلة في ظل تصاعد حالة الرفض الشعبي للجماعة في الداخل الليبي والسياق الإقليمي ككل (أنعكس بشكل واضح في نتائج الانتخابات المغربية، وقبلها في تونس)، شهدت الأيام الأخيرة قيام رئيس مجلس الدولة الليبي (استشاري) “خالد المشري” بزيارات خارجية لمحاولة عرقلة تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر، وقد كانت آخر هذه الزيارات إلى إيطاليا وتركيا، حيث ألتقي خلال هاتين الزيارتين بمسئولي الدولتين وعمد إلى محاولة إقناعهم بتكثيف جهودهم للحيلولة دون إنجاز الانتخابات في الموعد المحدد.

(*) زيارة نائب رئيس المجلس الرئاسي إلى إيطاليا: فقد قام “عبد الله اللافي” نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي بزيارة رسمية إلى روما ألتقي خلالها بوزير الخارجية الإيطالية “لويجي دي مايو”، حيث تم خلالها بحث المسارات المحتملة للعملية السياسية في ليبيا، مع التأكيد على ضرورة خروج المرتزقة الأجانب وإجراء الانتخابات في موعدها المقرر.

قانون جديد للانتخابات:

تأتي هذه التطورات في ضوء جملة من المتغيرات الهامة التي يشهدها الملف الليبي على المستوى الداخلي، لعل أبرزها يتمثل في إعلان البرلمان الليبي في الـ8 من سبتمبر الجاري عن تصديقه على قانون الانتخابات الرئاسية، وذلك بعدما فشل ملتقى الحوار الليبي في التوصل إلى أي توافقات في هذا الشأن، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، بيد أنها لاقت في المقابل بعض الاعتراضات من قبل عناصر الإخوان في ليبيا، متمثلة في مجلس الدولة برئاسة القيادي الإخواني “خالد المشري”، حيث زعم المجلس –إلى جانب عدد محدود من نواب البرلمان الليبي- بأن إصدار هذا القانون من قبل البرلمان جاء دون مشاركة مجلس الدولة في هذا الأمر، وفي هذا الصدد يجب الإشارة إلى أن دور المجلس الأعلى للدولة يبقي استشارياً، وهو ما يدحض شبهة عدم القانونية، كما أن محدودية الوقت المتبقي أمام الموعد المحدد للانتخابات بات يمثل عاملاً ضاغطاً أمام البرلمان للوصول إلى حلحلة عاجلة لمسألة القاعدة الدستورية التي ظلت لفترة طويلة عائقاً أمام عملية إنجاز الانتخابات.

لكن، في المقابل لاقى القانون الجديد للانتخابات الرئاسية (والذي تم إرساله إلى المفوضية العليا للانتخابات،) دعماً واسعاً على كافة المستويات، فداخلياً، أعلنت عدة أطراف فاعلة دعمها لهذا الأمر، بما في ذلك عناصر من الغرب الليبي وفي مقدمتهم وزير الداخلية الأسبق “فتحي باشاغا” (يمثل قوة رئيسية في مصراتة بغرب ليبيا)، فضلاً عن نائب رئيس المجلس الرئاسي السابق “أحمد معيتيقة”، أما على المستوى الخارجي، فقد أعلنت سفارات كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا (في بيان مشترك) عن دعمهم للقانون الجديد، وهو الأمر الذي أكده أيضاً المبعوث الأممي إلى ليبيا “يان كوبيتش” في كلمته أمام مجلس الأمن في الـ 9 من سبتمبر الجاري، والتي أكد خلالها على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وذلك للحيلولة دون عودة الصراعات المسلحة في ليبيا.

اجتماع رباعي:

في ظل المعطيات الراهنة في الملف الليبي، وحالة الزخم المتصاعدة قبيل الوصول إلى الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية والرئاسية، يمكن الإشارة إلى أن زيارة المسئولين الليبيين إلى القاهرة يعكس أهمية الدور المصري في حلحلة الأزمة الليبية، وأن الدولة المصرية تمتلك الأدوات الحقيقية القادرة على الوصول إلى تسوية سلمية للملف الليبي عبر اتصالاتها الواسعة بكافة الأطراف الليبيين، وقد تجسدت محورية الدور المصري في اختيار السفير الأمريكي لدى ليبيا “ريتشارد نورلاند” للقاهرة لعقد لقاء مع “حفتر” و”صالح” في أغسطس الماضي.

كذا، يجب الإشارة هنا إلى أن القاهرة تدعم بقوة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها المقرر، وتعمل على دعم الأطراف الليبية في حلحلة الملفات الخلافية والعراقيل التي تهدد تنظيم الانتخابات، خاصةً فيما يتعلق بملف خروج المرتزقة والقوات الأجنبية، وقضية تفكيك المليشيات المسلحة ونزع سلاحها.

وفي هذا الصدد، تشير بعض التقارير بأن القاهرة تعمل على عقد اجتماعات مباشرة بين الأطراف الليبية للتوصل إلى توافقات بشأن القضايا الخلافية، ومن ثم فعلى الرغم من إعلان الحكومة الليبية بأن زيارة “عبد الحميد الدبيبة” إلى مصر لا تتضمن لقاء مباشر مع “حفتر” و”صالح”، بيد أن ثمة تقارير رجحت بأنه يجري التحضير لعقد اجتماع رباعي يتضمن “خليفة حفتر” و”عقيلة صالح” و”عبد الحميد الدبيبة” فضلاً عن رئيس المجلس الرئاسي “محمد المنفي”، وذلك خلال الأيام القليلة المقبلة، إلا أن هذا الأمر لم يتم تأكيده حتى الآن.

أيضاً، أشارت بعض التقارير الغربية إلى أن ثمة جهود مكثفة تقوم بها القاهرة لاحتواء الخلافات المتصاعدة بين الأطراف الليبية والتي باتت تهدد إنجاز الانتخابات، خاصة تلك الخلافات القائمة بين الحكومة ومجلس النواب، في ظل إعلان الأخير عن الاستعداد لبحث الطلب المقدم من قبل 45 نائباً لسحب الثقة من الحكومة، فضلاً عن التصدع الأخير المتنامي بين الحكومة من ناحية والمجلس الرئاسي من ناحية أخرى، وذلك بشأن القرارات الصادرة عن وزيرة الخارجية “نجلاء المنقوش” والمتعلقة بتعيين وإعفاء بعض من الدبلوماسيين بالوزارة، وهو الأمر الذي أعتبره المجلس الرئاسي تعدياً من قبل الخارجية على الصلاحيات المخولة له، وعلى الرغم من اجتماع رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه مع رئيس الحكومة في الـ 13 من سبتمبر لمحاولة حلحلة الخلافات، بين أن الأمر لا يزال معلقاً حتى الآن.

فيتو روسي:

في خضم التطورات المتلاحقة التي يشهدها الملف الليبي استعداداً للانتخابات، أعلنت روسيا اعتراضها أمام مجلس الأمن على فكرة التجديد للبعثة الأممية الحالية في ليبيا، حيث أشارت تقارير صحفية بأن موسكو هددت باستخدام حق النقض “الفيتو” للحيلولة دون التصويت على مشروع القرار الخاص بتجديد ولاية البعثة الأممية الحالية في ليبيا لعام واحد إضافي، ووفقاً لنص الاعتراض الروسي، فقد ألمحت موسكو أن اعتراضها لا يرتبط بمسألة التجديد للبعثة، وإنما يتعلق بـ “اللغة التي تم استخدامها في مشروع القرار المقدم من بريطانيا في هذا الصدد” والذي نص على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا مع تحديد دور البعثة الأممية، ويمكن تفهم الموقف الروسي الحالي في ظل تواجد عناصر “فاغنر” الروسية في ليبيا، ومحاولة موسكو التمسك ببقائها في الداخلي الليبي، وربط خروجها بخروج كافة القوى الأجنبية والمرتزقة(وفي مقدمتها المرتبطة بتركيا)، وهو ما عكسته التصريحات الروسية في الاجتماع السابق لمجلس الأمن بشأن الأزمة الليبية.

وفي هذا الصدد، يجب الإشارة إلى أن ولاية البعثة الأممية في ليبيا (والتي كانت قد بدأت في سبتمبر 2011 وتجدد سنوياً) قد انتهت مساء 14 سبتمبر الجاري، بيد أن الخلاف الذي نشب بين أعضاء مجلس الأمن بشأن مسألة التجديد حالت دون التصويت على الملف، قبل أن يتوصل الأعضاء في مساء 15 سبتمبر الجاري على التصويت بتمديد ولاية البعثة الأممية حتى نهاية الشهر ذاته، وذلك في محاولة لإتاحة الفرصة أمام بحث بعض التغيرات التي تسعى موسكو لإدخالها على تفويض البعثة، ولعل التغييرات التي تحاول روسيا إلى تضمينها تتعلق بالأساس بفكرة “الإدارة المزدوجة” للبعثة، وهو النظام الساري على طريقة عمل البعثة منذ مطلع العام الجاري، والذي كانت واشنطن قد فرضته، وهو ينطوي على فكرة أن يتم تقسيم دور البعثة الأممية بين مبعوث أممي مقيم في جنيف (يان كوبيتش) ومنسق آخر لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا يقيم في طرابلس (رايزدون زينينغا).

ماذا بعد؟:

تعكس التطورات المتلاحقة التي يشهدها الملف الليبي أن ثمة ترتيبات واسعة باتت في طور التشكيل في إطار الاستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وبعد فترة من الجمود التي هيمنت على هذه التحضيرات، جاء التحرك الأخير من قبل البرلمان الليبي بالتصديق على قانون الانتخابات الرئاسية ليعزز من احتمالية إنجاز الاستحقاقات في موعدها المقرر بنهاية ديسمبر المقبل، ويبدو أن ثمة ضغوطات دولية وإقليمية أضحت دافعة لإجراء الانتخابات، ولعل هذا ما يفسر التحركات المكثفة من قبل الأطراف الداخلية للتواصل مع الفواعل الخارجية للترويج لنفسها قبل بدء الترشح للانتخابات.

لكن، تبقي هناك العديد من التحديات الداخلية التي ربما تهدد العملية السياسية وتنظيم الانتخابات، خاصةً في ظل وجود عناصر داخلية تسعى لعرقلة الانتخابات لاستمرار الوضع الراهن الذي يضمن مكتسبات هذه العناصر، ولعل هذا ما يفسر الزيارات الجماعية من قبل الفواعل الليبية إلى القاهرة، وذلك للعمل على التوصل إلى توافقات بشأن تسوية الملفات الخلافية، وتهيئة بيئة مناسبة لتنظيم انتخابات نزيهة تفرز سلطة منتخبة قادرة على إعادة بناء الدولة الليبية وتوحيد كافة مؤسساتها.

أخيراً، بدأ ملف خريطة الشخصيات المحتملة للترشح للانتخابات المقبلة يفرض نفسه خلال الفترة الأخيرة، خاصة وأن قانون الانتخابات الرئاسية الجديد فتح المجال أمام الكثيرين للترشح، وبالتالي ففي ظل الجهود الراهنة لتنظيم الانتخابات في موعدها، يرجح أن تشهد الفترة المقبلة استمرار لحالة الزخم الراهنة والمشاورات المكثفة بين الفواعل الداخلية والخارجية في محاولة للتوصل إلى ترتيبات توافقية تضمن نجاح العملية الانتخابية وتجنب عودة الصراعات المسلحة في ليبيا.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى